إعادة تدوير القطيع

حجم الخط
0

رحاب أبو هوشرعلى الرغم من التنوع الذي تفصح عنه بعض الأفكار والآراء والمسلكيات، كما تبدو في ظاهرها، إلا أنها تتفق ضمنا على مرجعية وحيدة ترتبط بها، تلك هي ذهنية القطيع. ستمارس مناورات لغوية لدحض أي اختلاف أو تفرد، ينظر إلى صاحبه بعين الشك، الأخلاقي وليس المعرفي حتما، ويجابه بتصويب رصاص الاتهام المعد سلفا، لذلك الذي يخرج عن وعي قطيعي مبرمج. مفاعيل هذه الذهنية الجمعية، ما زالت قارة مستقرة، بل وتأخذ تمظهرات خطابها وسلوكها شكلا أكثر حدة من السابق في هذه المرحلة، وأكثر سفورا وانحدارا، وتجاوزت الخطاب المجتمعي التقليدي، لتشمل الخطاب الثوري والحداثوي التنويري.أما ادعاءاتنا حول الحرية، فقد أصبحت على ما يبدو لأزمة تمهيدية، ‘ترهب عدو الله وعدوكم’، للتراشقات الإعلامية والمجادلات المسمومة، المسماة زورا ‘نقاشا’، فأي كلام باسم الحرية والتعددية، لا يتجاوز كونه زبدا طافيا على وجه الحقيقة، ولم يشفع لمن كانت لهم آراء مخالفة تماما للتوقعات السائدة، أو لغيرهم ممن لم تنسجم مواقفهم، كليا، مع الرؤية العامة للأحداث العربية، ومع الإجماع الشعبي، أو إجماع المجمع الطائفي النشط جدا هذه الأيام أيضا. وكنا ظننا، وبعض الظن إثم، أن المثقفين والمنخرطين في الشأن العام، تجاوزوا في المستوى النظري على الأقل، ثقافة القطيع، وإن كنا جميعا، نصارع واقعا اجتماعيا وثقافيا، يضغط ليل نهار تجاه الانصياع لها، مهددين بالنبذ والرفض والعقاب كذلك، إلى أن جاء ‘الربيع العربي’ ليدخلنا في تجليات أكثر كشفا وتوترا صاخبا لمفهوم القطيع. اليوم عليك أن تكون واحدا من اثنين، مع ‘الثورات’ العربية، أو ضدها، بغض النظر عن مقدماتها وملابساتها وما تمخضت عنه حتى الآن، ولا متسع لمسارات أخرى بينهما. هدير الجموع يعلو بأن اللحظة العربية الجديدة لا تحتمل المناطق الوسطى، ولا تسمح بتداخل الألوان، فإما أن يكون لونك أبيض أو أسود لا ثالث لهما.وهناك من المثقفين من حارب بشراسة في تلك المعارك، على أرضية اصطفاف قطيعي مزدوج: سياسي- طائفي أو مذهبي، لم تفلح غلالة ‘الحرية’ التي تذرع بها في حجبه، منقلبا على كتاباته وأعماله الثقافية الحداثوية والمدنية إن لم نقل التقدمية، فاللحظة مصيرية ولا تجدي معها أعباء الأقنعة، والرجوع عن الكفر، سلامة وأمان في حضن القبيلة!وضع المخالفون لإجماع ‘القطيع’ أيا كان عنوانه، في مرمى نيران شخصنة الأفكار، وأطلقت عليهم التهم جزافا بدءأ بالتخاذل والانتهازية وانتهاء بالعمالة والخيانة للشعوب وللقيم الإنسانية، وهي ممارسات يقوم بها الطرفان: مؤيدو الثورة، ومؤيدو المؤامرة، سواء بسواء، وبتطابق في الخطاب والأدوات، إنهما ببساطة يصدران عن ذات الذهنية. لم يسعف المدافعون عن الموقف الأوحد، بديهية اختلاف المرجعيات الفكرية والسياسية، وحرية الرؤية بمنظور وحسابات مختلفة، ذات معايير ومنطلقات لا تتفق مع التوجه السائد، أو تحظى بتأييده بالضرورة، كما أنها ليست مطالبة بتلبية رغبة القطيع المحمومة بالامتثال والطاعة، واختلط عليهم أيضا، الفرق بين الفكرة وصاحبها، وبين رفضها والرغبة بالقضاء عليه!كيف يمكن بلورة مواقف نقدية جادة تجاه زلزال هز المنطقة، وسيغير ملامحها السياسية والاجتماعية، ويحدد مصيرها المستقبلي، خلال زمن منظور كما تعلن التحولات المتسارعة، إن كان تحقيق الإجماع والتأييد المطلق هو المطلب الوحيد؟ ولماذا يجب أن تكون الجماهير دائما على حق؟ هذه الجماهير التي ترتفع بينها نسبة الأمية، ويتلاعب بها تجار الدين والسياسة، وتنهشها أمراض التمزيق الطائفي والمذهبي والأصوليات. وما الفرق بين المفكر والطليعي، أو المثقف التنويري وغيره من عامة الناس، إن أصبح عالقا في مواجهة استحقاق الاستجابة المطلقة للمواقف الجماهيرية، فقط لأن قطيعه يطالبه بذلك، ويصادر حقه بالتفرد بالموقف وبامتلاك رؤيته النقدية الفاحصة، وفي الخلفية صيحاتهم من أجل الحرية! وما يضاعف من الخيبة، سهولة الانحدار إذا المنحدرات كثرت، وانكشاف الضحالة، فلا يمكن تفهم أو قبول الاغتيال الأخلاقي والفكري، ومصادرة الأثر التاريخي، لمناضلين ومثقفين وفنانين أيضا، أمضوا عقودا من حياتهم ومنجزهم، انحيازا لقضايا أوطانهم وإنسانها، واستعصوا على الرضوخ لأي سلطة سياسية أو نظام، من قبل من ابتدأ تاريخهم ‘النضالي’ مع التباسات ‘الثورات’، من خلف أجهزة الكمبيوتر، أو ممن تسلقوا لحظتها، وذلك عقابا لهم على آراء، تحتمل النقاش والجدل، لكنها لم تداعب رغبة الجماهير بالتصفيق وحسب.تورطنا مجددا وأصبحنا أسرى تمثلات قطعنة لا تقل شراسة، عن مثيلاتها التقليدية، باتت تمثل سلطة فكرية/ اجتماعية جديدة، تلجئ عديدين إلى إخفاء مواقفهم وآرائهم الحقيقية، هربا من مجادلات عبثية، والأكثر ترجيحا، تجنبا لاحتمالات التشويه والاتهام. هذه المرة نحن بمواجهة قطعنة للمواقف والآراء والأفكار السياسية على وجه الخصوص، وما هي إلا تمثيلا ‘حداثويا’ لثقافة راسخة، على أنها تبرع في التلاعب اللغوي، وفي ليّ المبادئ الإنسانية الأساسية، لتوظيفها وفق العناوين، بمكونات شديدة التجذر والتماسك.خطاب تنظيم ‘القاعدة’ حول تقسيم العالم إلى فسطاطين: فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر، هو خطاب مطلق نموذجي، تتماهى به ذهنية القطيع، وتطرب لسماعه، بل لا تقوم إلا عليه. عليك أن تنضوي تحت عباءة القطيع، لا سيما في آخر تصاميمها ‘الثورية’، إذا أردت النجاة، وإلا ستحارب بوصفك خطرا معاديا. فسطاط الثورات، وفسطاط معارضيها، مطلقان لا يلينان. الاثنان يمتلكان الحقيقة كاملة، ومعها مفاتيح الحرية والكرامة، كما أنهما بابان عاليان، ينفتحان على قطيعين هائلين من ‘المتجانسين المبتهجين بالرفقة المؤنسة’!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية