إعادة طبع الأعمال الكاملة للكاتب الروماني الأصل بانايت إستراتي (بريلاّ 1884 ـ بوخاريست 1935): باريس تعيد اكتشاف كاتب منسي!
عبد الله كرمونإعادة طبع الأعمال الكاملة للكاتب الروماني الأصل بانايت إستراتي (بريلاّ 1884 ـ بوخاريست 1935): باريس تعيد اكتشاف كاتب منسي!الركض خلف عدالة منفلتة أبدا!!(أدريان زوغرافي شاهدا). لقد منح لنا الرب رئتين كي ننفخ في المزامير بانايت إستراتي. ص 637. أن تكون شاهدا يعني أن تكون شهيدا أرثور أداموف. لا أحد يشفق علي معطوب روح بانايت إستراتي. ص 65 سيكون بمقدورنا، أن نري، في تلك الصبيحة من ايلول (سبتمبر)، شابا يخرج من باب غالاتز ويركض مثل الريح، بأقدام حافية (…). لما لمحه الرعاة الذين يرعون نعاجهم في سهل شوكي النبات وبائعي الخضروات الذين يحملون خضرهم إلي بلدة بريلا. رسموا إشارة الصليب وبصقوا خلفه: إنه مجنون! ص 791. ج 1.ثمة ينتهي المجلد الأول من أعمال بانايت إستراتي، مؤكدا بالتالي خروجا خاصا لرجل مختلف بأرجل حافية وبجنون شديد الالتحاف. كيف يخرج كذلك؟ ولماذا؟ ومن أين؟ وإلي أين؟ ترتمي أمه علي عتبة البيت كل مرة وتسد عليه الطريق بكل كتلة جسدها كي تمنعه من الخروج أي الرحيل بعيدا، وهي تُري له يديها الخشنتين وتخاطبه: لماذا تعذبت من أجلك كل هذه السنوات والآن لا تحيا سوي من أجل قضيتك وليس قط من أجلي؟ قومي عن سبيلي يا أمي وإلا فسوف أتخطاك؟تخطيتها مرارا حتي اليوم الذي صار فيه جسدها قبرا لن يتخطاه قط أي مؤمن.اليوم، هو ذا القبر ها هنا مؤلم. وفقدت مع ذلك قضيتي ! (المجلد الثالث).بانايت إستراتي من أولئك الكتاب الذين لم يكن أهم ما في إرثهم هو فقط ما كتبوه، بل أيضا ما عاشوه يوما عن يوم وما حلموا به من تصاميم لعالم مختلف وعادل. ذلك الركض الذي كان دأبه علي الأرض، وتلك الأسئلة التي طرحها كلها وشاء أن يكون من يظمأ إلي إجابات ووضْع إصبع علي حقائق ملغزة.لم يأت إستراتي إلي الكتابة طولا بل وصل إليها بشكل طبيعي لأنه سلك بالفعل طريق الأسئلة الكبري بعناد بالغ وإصرار بلا نظير حتي آخره. لا آخذ مأخذ الجد أسطورة أن يكون رومان رولان هو من صنع منه كاتبا بأن دعاه إلي الكتابة، لأن إستراتي كان لا بد له أن يكتب علي هامش الصراع الذي يخوضه مع الحياة ومع قوي الظلم فيها، سواء دعاه رومان إلي ذلك أم لا! خاصة وأنه اشتغل بالصحافة الرومانية بالموازاة مع نشاطه النقابي آنذاك، قبل أن يتعلم الفرنسية في سويسرا ويصل بعد ذلك إلي باريس لأول مرة سنة 1913.لم يدُر بعد بانايوتاكيس أو بانايت (اسم من أصل يوناني) دورته الأولي حول الشمس حتي انطفأ، بالنسبة إليه، والده في بلدته بريلا الواقعة علي نهر الدانوب قبل مصرعه. كان الرجل إغريقيا وقرصانا محترفا لمهنة البحر وحب الحياة. بينما كانت زويتسا إستراتي التي وضعته امرأة رومانية جميلة وذات مبادئ كفاح، ما جعل بانايت يقول عنها كل مرة بأنها بحق قديسة بامتياز. وإن كان الصعلوك كودين في كودين هو الذي لفت نظره إلي أن أمه فعلا كذلك، لأنها عظيمة، لما قدمه إلي أصدقاء له علي جنب النهر حينما سألوه عمن يكن مرافقه، أجابهم: إنه ابن امرأة لا شك أنها قديسة . ص. 581 .إن الحديث عن حياة الرجل لا يمكن فصله عن ذكر كتاباته ومواقفه، إذ لم تكن كتبه سوي رصد خاص لمفاصل تلك الحياة، التي لم تكد تبدأ حتي صدمته باليتم والفقر وإرغام أم وحيدة أن تنحني علي غسيل الغير ووسخ الفئات المترفة كي تضمن وأد كنزها الفريد بانايت هذا الذي اكتوي منذ صغره بنار ما، تلك النار نفسها التي اشتعلت في أعماقه بعد ذلك ودفعت به إلي أن يحترق ويضرم شعلتها حواليه. كازانتزاكي نفسه رأي أن ذلك هو بالفعل دور بانايت في الحياة، وإن أكد بنفسه أن حياة رجل لا يمكن أن تُحكي أو أن تُكتب. حياة رجل أحب الأرض وجال فيها هي أشد استعصاء علي الحكي أكثر من غيرها. أما إذا كان هذا الرجل مهووسا، واختبر كل درجات السعادة والبؤس في تجواله، فأن تحاول أن تجسد صورة حية لما كانته بالفعل حياته ليكاد أن يكون مستحيلا. يستحيل ذلك بالنسبة إليه أولا ثم بالنسبة لمن سوف ينصت إليه . ص 168. ج 1.لم يقر له قرار أبدا منذ عقده الأول، إذ ترك ضيق حجرات الدرس سريعا لما فهم أن ما يطلبه لن يجده ثمة بل في الفضاء الرحب. ومضي متسكعا يغادر البيت والبلدة والبلد وبلداناً قلما يطيل فيها مقاما كي يأخذ ثانية في ترحاله. لم يكن ما حدث هو بعينه سعادة أمه وإنما كانت ترغب في أن تجده دوما قربها يعمل ويتزوج ويستقر. ما لم تحاول أن ترغمه عليه، فقط لأن ابنها أدرك حقيقة كيف يريد أن يحيا ونفذه بعزم وإصرار، ما كان مصدر قلق دائم لتلك المرأة التي لا تكاد تري ابنها يعود وتعتقد كل مرة أنه حان له أن ينثني، حتي يضع مرة أخري الحبل علي الغارب ويبتلعه أفق ما. فهو من يظهر ويختفي مثل شبح ص 205.بعد ذلك بكثير كتب إستراتي أنه هو من قتل أمه، بالمشاكسة الوجودية لحياته. خاطب غيابها: أجَلْ، أمي الطيبة، لقد متَّ عن جزع، غير أن تضحيتك لم تذهب هباء، سأكون رجلا شريفا حتي النهاية، سأقف جنب الذين بقوا في بلدتنا وجنب الذين غادروها دون أن يكون بمقدورهم قط أن يصلوا …لم يكن بانايت يكذب بل مضي بالفعل في كتابة حكاية الظلم والفقر والقمع وانسداد آفاق الإنسانية، سواء من خلال كل التجارب التي يورد عن حكي سالف أو تلك التي كان شاهدها الفعلي في شخص أدريان زوغرافي، أو عبر ملحمة الهايدوك أو من سوف أسميهم الصعاليك إذ يجسدون بالفعل المقابل الحقيقي لتجربة كل صعلكة تمتلك إرساء عمليا لرؤية فكرية عن العالم. إذ يغيرون علي الأثرياء كي يقتسموا بعض غنائم مع المعوزين، ويتخذون من الغاب جبهتهم الآمنة ويتسمون بكل قيم النبل والإنسانية. لم يكن هدفه قط أن يغتني حتي لما أتيحت له تلك الفرصة، أو أن يساوم أو ينخذل إذ أخذ عليه ذلك لما أصدر سنة 1929 في اتجاه الشعلة الأخري أو اللهب الآخر، الكتاب الذي فضح فيه خلل النظام السوفييتي آنذاك. وقد كان الكتاب يتضمن في البدء، إضافة إلي نص إستراتي، نصين آخرين لرجلين معروفين هما: فيكتور سيرج وبوريس سونارين، غير أن هذين الأخيرين لم يوقعا الكتاب حينها، بشكل مؤقت، لأسباب أمنية. نشر الأول كتابه فيما بعد تحت عنوان سوفييت وأطلق عليه الثاني: روسيا عارية . من يقرأ بتمعن كتاب إستراتي سيدرك كم كانت الدوغمائية سمة العصر ذاك وكانت شخصية ستالين مرعبة وفارضة لرعبها وكانت مصالح، من كانت لديهم، أقوي من كل منطق وكل تشبث بانعتاق الشعوب وبتحقيق أهداف الثورة الحقيقية. بانايت كان نبيا منبوذا بطريقته وليس ميله إلي تروتسكي سوي تأكيد للجرح الذي لامسه بطرفي روحه. نعرف سيطرة الستالينية علي الحزب الشيوعي الفرنسي إذ ذاك، ما يفسر كل الضجة والكراهية التي أثيرت ضد إستراتي في فرنسا، تلك الحملة التي شنها عليه هنري باربيس وزملاؤه وقطيعته مع رومان رولان وكل الاتهامات التي كيلت له بكونه عدوا للثورة أو عميلا للبوليس الروماني زيغورانتسا . كل ما تم تفنيده بعد أن قتل الرجل بكل فضائح أصدقائه القدامي ضده. أعيد الاعتبار له بكونه رجلا غيورا علي قيم الإنسانية وقيم العدالة. فأرشيف البوليس الذي يخص إستراتي، والذي ظهر علي صفحات مجلة مانيسكريبتوم سنة 1976 التي ينشرها متحف الأدب الروماني، بيّن إلي أي حد كان إستراتي عدوا للنظام الروماني وبأنه كان ينعت بالرجل الخطير علي أمن الدولة، وقد تم تتبعه في كل حركات وسكنات حياته. وقد وصل إلي لوبيني بوادي جيو سنة 1929، مع صديقه الكاتب الروماني سيوفليك لمساندة حركة وإضراب عمال المناجم الرومان وشجب عاليا المجزرة التي ارتكبت في حقهم آنذاك. كما أن مجهوداته البالغة وصراخه العالي ضد السوفييت في قضية صهر فيكتور سيرج روساكوف الذي زج به في معمعة بلا نظير، أي تلك التهم التي تلفق ضد من اعتبروا أعداء الثورة لأنهم حماتها، غير أنه أعزل مثل غيره. كتابه إذن، أو اعتراف مقهور أو منهزم، كان بابا آخر يفشي فيه ضيقه الدائم علي تلك العدالة التي تنفلت دوما، ويفاجئه ظلم ذوي القربي حسب طرفة، من حيث لا يحتسب. وقد كان من الذين لم يخشوا لومة لائم في نقده لانحراف الحزب عن مبادئ الثورة قبل أن يجيء أرثور كوستلير ولا حتي كاتب أرخبيل الغولاغ رغم اختلاف نواياهما عن إستراتي واختلاف مصدر ومنبت نقدهما عن نقده هو. سبق له أيضا أن انتقد بشدة تفسخ الحضارة الغربية وخيانة فرنسا لرجال أنوارها السابقين ـ و أعجب ماذا سوف يفعل إستراتي لو قدر له أن يعيش في فرنسا اليوم! وإن كنت أدرك أنه لن يصمت أبدا، أبدا! لأن الصمت لديه هو انخراط في الجرائم التي تقترف حوالينا. وأعتقد أن ما كتبه آنذاك ما يزال يصدق عليها إضافة إلي كل تراكمات مساوئها بعيدا عن مبادئ أبخس ديمقراطية. ونجد صرخته في الرسالة التي عنونها بـ ثقة ومقاله الذي كتب جراء طرده من مصر: لأنني أحببت الأرض . و مهما حدث فإن إستراتي يتشبث بصداقته لرومان رولان باعتباره أباه الروحي أو لنقل معلمه دون أن ننساق مع بعض طروحات التحليل النفسي التي تري في كتابة بانايت تمظهرا لاستعارة أبوية، وذلك في طيات أطروحة دكتوراه أولي تتناول إستراتي في فرنسا أنجزتها إليزابيت غيبليسكو تلميذة لاكان أواخر ثمانينيات القرن الماضي.أو كون بانايت يحمل عبء أخ بكر يموت مبكرا، بعد أن منح له اسم الأب غيراسيم ، هذا الاسم الذي سوف يطلق علي بانايت في سنواته الأولي ليتخلص منه سريعا. ليس لأن هذه التعقيدات الوجودية غير ذات بال علي نفسية بانايت ولكن لأن ذلك لن يرغمنا علي الاعتقاد بأن تكون هي من يقود حياة واعية إلي أبد.ثمة منذ كتابه الأول تظهر السمات البارزة لرجل سيظل كذلك حتي الأخير. في المقدمة يذكر كذلك رومان رولان، ويؤكد له بأنه ليس كاتبا بالحرفة أو كما يقول ليست مهنة الكاتب مهنتي، ما يعني كل ما يعنيه، سواء إذ قال أنه يتقن أعمالاً كثيرة متنوعة وفي متناول الجميع. هو من مارس مهنة الصباغ والمصور المتجول والنادل وغيرها من الأعمال البسيطة والتي تضمن له اللقمة. ولقد نري فيما بعد أنه استعمل كذلك نفس العبارة كي يقول بأنه ليس ثوريا بالمهنة أو ليست مهنة الثوري مهنتي ما ليس في العمق بسيطا وإنما يريد أن يؤكد في الحالتين بأنه ليس يمتهن ما يشكل بالفعل أس ذاته وأنه يتصرف تبعا لما يضطرم في عمق شخصه وليس لأن الأمر واقع ضمن اختصاص حرفي.يكتب مرة أخري بعد أن حدثت القطيعة بينه وبين معلمه الأول لما رأي أن الثورة البلشفية أساء إليها أبناؤها أكثر مما يمكن أن يسيء إليها أعداؤها. يذكره في رسالة موجهة إليه نشرها في مجلة فريديريك لوفيفر les nouvelles lieraires أثناء قطيعتهما، ما دام ليس بوسعه أن يكتب إليه مباشرة، يقول: كنتُ إذ ذاك في الأربعين، ولربما بخنجر ضخم في حزامي. نزعتَه مني، وأنت تربت بكل بساطة علي جبهتي، وقلت لي: اضرب بكلمتك، أحسن لك، ولسوف تنعتق .من المعروف عن بانايت في البدء أنه كان بوهيميا متشردا ينام ملتحفا السماء ويتنقل في كل مكان، بين مصر واليونان وغيرها قبل أن يدخل عالم الكتابة ويزداد شغفه بالتنقل أكثر فأكثر.وما دامت كتاباته تستقي مادتها من الأوتوبيوغرافيا بالدرجة الأولي فإن أغلب المعطيات يمكن أن نلتقطها عن حياته وعمله الأدبي من الخيط الرفيع الذي ينسج به شغفه بالحياة وبالحرية والعدالة وبتعطشه الدائم إلي صداقة حقيقية. في كتابه الأول رأي بأنه لا يعمد سوي إلي الاستماع إلي حكايات الآخرين في انتظار أن تنضج حكايته الخاصة. ثمة نراه يشي بقدرة هائلة علي الحكي وشد القارئ إلي حكايته مستدرجا إياه بطرق خاصة كأن نجد دوما في منعطف ما من يطلب من أحد أن يقص له خبرا ما، أو بالصيغة التي يتساءل فيها شخص فيما إذا كان الآخرون المحيطون به علي علم بأمر أو بآخر، كي يندفع هو أو من هو كفؤ لحكي تام. هكذا يظل ذلك التناوب في شد خيط الحكي في النص كي لا يتوقف. ما يذكرنا ببعض الكتب التراثية خاصة كتب النوادر وكذا تقنية المقامات التي تعتمد في جانب مهم منها هذا العنصر البلاغي الهام البيان في القبض بعد ذلك علي هدف وجدوي أن يكون المرء فصيحا في مواقف يكون الهلاك هو ما يحدث لو افتقد الشخص المعني تلك الفضيلة الهامة. أحيانا نحس بقلق ما علي جمالية النص، غير أن لبانايت القدرة، في كل الكتب التي يكتب، علي تطوير تقنياته معتمدا بعد ذلك راويا وراويا فاعلا أحيانا دون أن يحتاج دائما إلي حكواتي ما وإن لم يكن حكواتيا ممتهنا. وكذا بثه هنا هناك كثيرا من المفردات الرومانية، وليس عن جهل بمرادفاتها الفرنسية ولكنه اختيار ذاتي له ما لتلك الكلمات من صدي النوستالجيا إلي المنبع.كذلك نجد مثلا تلك الصيغة الجميلة في السرد والتي تبلورت بشكل جميل وبنفَس خاص في كودين وبعد ذلك في ميخائيل . وإن كنت أجد متعة كبري في التمعن في جزء هام من الخال أنغيل .إن كان أدريان زوغرافي في الكتب التي تندرج في حلقة زوغرافي هو بانايت نفسه، وإن كان شاهدا علي تلك العدالة التي تنفلت دوما ولا تطأ أرض الإنسانية فإن بانايت هو شهيدها إن وظفت قولة أرثور أداموف في هذا السياق. ولقد كتب بانايت قبل أن يموت تماما بأن الاتحاد السوفييتي هو من قتلني !! وقد لامسنا قليلا دلالة إحالته تلك.لن ننصف الرجل لو قلنا فقط بأنه حالم كبير أو بأنه رجل اليوتوبيا بلا منازع. بملابسه الرثة البسيطة يخرج من بلدته بريلا يبحث عن ملاقاة أناس آخرين، يرغب في صداقات مثالية وعن أشخاص يفهمونه تماما ويبحثون في الكتب عن معني آخر لحياة الإنسان علي الأرض (عالم كتاب ميخائيل ). يهرع إلي الشرق والغرب من أجل لقاء مستحيل وعدالة مستحيلة. يكتب منذ كتابه الأول كيرا كيرالينا علي لسان ستافرو عن ألم أن لا ننظر بعين الشفقة إلا لمن يكون ذا يد أو رجل مبتورتين، غير أن لا أحد يقترب ممن تكون روحه مَن تعاني من ذلك البتر الفظيع، أن تُبتر الروح!!… ومع ذلك فإن عمود الحياة هو ما ينقصه !بانايت نفسه هو من يتألم من جرح الروح ذاك، ولو لم يكن ممزقا من الأعماق لمََاَ غادر بلدة بريلا مثل كل الأنبياء!ألم يكتب عنه صديقه كازانتزاكي إلي إليني ساميوس من مدريد سنة 1933 …بانايت هو مثل مجنون، نعذره في كل ما يفعل ! ولم يكن سوي بصدد قسوة بانايت في ما كتب عن ماري لويز بود بوفي المعروفة بـ بيليللي بعد أن افترقت عنه. وإن كانت رسائل كازانتزاكي تثير كثيرا ذلك الوجه الآخر من بانايت، ذلك الذي لا يحسن التصرف في المال إذ ينفق كل ما يقع في يده ويعطي دون حساب وإن كان مصدر ذلك كله آت من حقوقه عن الكتب المطبوعة والمترجمة وعن السيناريوهات وغير ذلك من مقالات. كما أن مزاجه يثير كثيرا من القلق لرفيق رحلته عبر الاتحاد السوفييتي كازانتزاكي ورفيقة هذا، ساميوس، التي كتبت بأن ليس من النادر أن يخرج بانايت تحت مطر غير محتمل يعبر جسر نينيجي باحثا بإلحاح جنوني عن ليمون لشايه المفضل! أو أن تتحدث عن بانايت وكون جيوبه دوما ملآنة بقوارير ما، يخرجها دوما لدي الحاجة، مثلما ذكر عنه كازانتزاكي اليوم الذي ذهبوا فيه لملاقاة مكسيم غوركي، وثلاث زجاجات من خمر أرميني جيد تبدو أعناقها من جيوبه وهما في الطريق إلي الموعد. يومها طلب من كازانتزاكي إن لن ينزعج لو يشربا الخمر مباشرة من الزجاجة لانعدام الأقداح. شربا. غدا ستعرف من منا الصدي ؟ طرفة بن العبد. يعود كازانتزاكي كي يلوم بانايت قبيل وفاته، في رسالة، مخاطبا إياه بتحبيب جميل: بانايتاكي. يعاود معه كونه كان قاسيا، كما ذكرت، مع بيليللي: غير عادل مع بيليللي، كنتَ قاسيا جدا، وإن أردت، جد عادل، ما يعادل لدي النساء الظلم المطلق. النساء كما تعرف ذلك جيدا لهن عالمهن الخاص ـ ماديا وروحانيا وثقافيا ـ . روحهن مفعمة تنضح بالشهوة، فهن بريئات، حتي ولو في خياناتهن الكبري (خاصة في هذه الحالة) فهن يخضعن لنزوة خفية، بدائية وعميقة. كلهن وفيّات لهذه النزوة ـ و لهي ثمة فضيلتهن الكبيرة والمؤلمة. يقدر الرجل أن يكون حرا أحيانا، في لحظة بطولة أو ثمالة، أما المرأة فأبدا. حرية من ذلك النوع ـ تشكل شرف الرجل ـ تكون بالنسبة لها تمردا علي قدرها ـ تكون عارا. لهذا أري سخطك علي بيليللي ظلما. ثم: أليس يمكن أن نغفر كل شيء لامرأة منحت لنا لحظة سعادة ؟.. .لم يتخل قط كازانتزاكي عن صديقه بانايت في قرارة نفسه وإن كانت عواصف الحياة كثيرة وتمرد بانايت مشرع القلاع أبدا، في الوقت الذي يصمت فيه الأول، ينتظر ثم وهو يتأمل يفكر بكل حكمة اليونان القدامي ويكتب أوديسته الضخمة. يذكر في مذكرات أسفاره لقاءه الأول مع بانايت في فندق باساج بموسكو لما دعيا إلي الذكري العاشرة لثورة أكتوبر(مثلما كتب بانايت نفسه عن لقائهما ذاك)، خاطبه بانايت قائلا: سوف نصير أصدقاء، لقد انتابتني رغبة عارمة في أن نتعارك. أتعلم أني لا يمكن أن أتصور صداقة دون لكمات. يجب أن نتعارك من حين لآخر وأن نهشم الضلوع، أسمعت ؟ كُتب بانايت إستراتي هي بحق كتب التكوين بمعني الكتابة التي تنفتح علي ممرات الحياة التي نجهل ونكتشف شيئا فشيئا كل متاهاتها أو كونها كلها مجرد مجاهل. أجد كم هو رائع كيف يتساءل حول بعض مسلمات الدين وكيف يُري إلي أي حد ليس جرما جللا أن نتسلح بعقل نقدي إن كانت المعرفة يوما أربنا وشأونا الأول.يثير مثلا كيف أن مرتل إحدي الكنائس، جواشيم الذي اضطلع بمهمة تلقين اللغة اليونانية لفلوريتشيكا التي سوف تقود فريق الهايدوك فيما بعد، تنطلي روحه علي كيان مضطرم ومهتز من جهة ضيقة من القوقعة التي انسدت عليه في عالم الحرمان من فضائل الحس والجسد. أبان كما تقول فلوريتشيكا عن أخلاق رجل طيب ونقي وذي نوايا نُبْل، سواء تواجدا علي انفراد أم لا. غير أنه ذات مرة، دون أن يوقف الدرس، وهو ينظر إلي بعينيه الطيبتين مثل عيني ثور، وضع يديه علي بطني ثم علي نهديّ واعتذر قائلا:لم أضع قط يدي علي أشياء حلوة جدا ولا أرغب في أن أموت دون أن أعرف دفء هذه الأشياء. اسمحي لي بذلك يا فلوريتشيكا. كل الأغبياء يدركون هذا دون أن يقدروه، غير أنني أقدره دون أن أعرفه! لقد رددتني مسرورا بخسارة أقل. فيما بعد سوف تُراودي كثيرا دون أدني تقدير. ولا تخشي ألا أمضي قدما في هذه السعادة، فإن صدق الكتاب لما قال: آخر الشيء أفضل من أوله، ليس ذلك أقل صدقا منه سوي علي انطباقه علي الحياة، فكثيرا من البدايات لا تضاهي نهاياتها. صحيح أيضا أنه من أجل ذلك يلزم أن نري الحياة بعين أخري من دون السفر الديني . ص .333 كانت فلوريتشيكا تنتظر منه أن يراودها بعد ذلك، غير أنه لم يفعل قط. تعلمتْ منه الكثير وشاءت، قبل أن تغادر، أن، لو أمكن، تترك له أثرا جميلا يثبت رأي الذهن ذكراها. ماذا؟ ـ يباغتها ـ سلة بيض طرية؟ دجاج؟ أم جرة سمن؟ . يبدو أن جواكيم ليس ذلك ما ينقصه، بل يرغب في أن يفشي لتلك المرأة أن ما أرغب فيه وما قد يدخل علي فرحا أزليا، لا يستطيع الرب أن يمنحه لي ولا أنت. إنه جسد، وجه يليق بصوتي وبفؤادي. ما يمكّنني من أن أحيا وإلا سوف أموت في قوقعة الحمار هذه! لم يرد الرب أن يمنحني هذا. لم يرد أن يمنح البلبل ريش الطاووس. لربما قد أحسن في الأمر، لأنه كما يقال، لو كانت للخنزير قرنان لقلب الأرض .ثمة أيضا حكاية طريفة في نفس المنحي في ص .72 ص .73 من كيرا كيرلالينا ، تقول أن ثمة أسقف بوخاريست كان لزاما عليه أن يحضر حفلة رسمية في مدينة أخري. أحضرت له أجمل العربات لنقله، غير أن الخيل لم ترد أن تسرع في عدوها بل تتلكأ علي غير عادتها. يعرف الحوذي تماما علة ما في الأمر، إذ أن البهائم لم تتعود كي تنطلق إلا بإيعاز من أفظع الشتائم كأفضل مهماز. أحجم كثيرا عن الأمر حتي نفذ صبره وتوقف لأنه لم يتجرأ أن يشتم الخيل في حضور قداسة الأسقف. قلق الأسقف وتساءل عن سبب ذلك الوقوف القسري. أخبره عن مكنون الأمر فبادره: أصرخ لها: هيا هيا أيتها الخيول الشجاعة !رددها الحوذي فعلا، غير أن الخيول ظلت في مكانها.تساءل الأسقف بعد ذلك: أليست تمضي الخيل إذا إلا بالشتم البذيء؟اشتم إذن قال رجل الدين وسوف أشفع لك عن سوئك!و انطلق الحوذي في الشتم بصوت قد يخيف حتي الموتي : هيا شباشب العذراء! كل القديسين! الأربعة عشر إنجيلا! الستين سرا كنسيا! الإثني عشر حواريا! شهداء الكنيسة الأربعين!حاول الأسقف أن ينبه إلي بعض الأخطاء المتعلقة بمعطيات دينية، مثل كون الأناجيل مجرد أربعة، وبأن الحوذي تنقصه كثيرا مبادئ المعرفة. غير أن الحوذي أكد لرجل الدين كونه لا يجهل كل ذلك وإنما تم إخضاع الدين لضرورات مهنية!ليس من السهل الغوص إلي عمق أعماق أعمال بانايت إستراتي. في نزول أول ويتيم. ذلك أنه كلما ابتعدنا عن السطح صادفنا جمالا وعنفا وتراجيديا إنسانية فريدة. لو نقرأ فقرة يوصي فيها الخال أنغيل ابن أخته أدريان/بانايت علي طولها، يقول له: تذكر أدريان، كلامي، يوم يكتوي صدرك بنفس النار الإلهية التي تكوي صدري. وقبل أن ترتمي، جسدا وروحا، في لجة التفسخ الإنساني، قم بما لم أقم به أنا: أنظر تحت سرير حسنائك، أنظر خلف أذنيها وقدميها المخفيتين داخل أحذية براقة. فإن نسيت كلامي، تذكر المقبرة التي تري هنا، سرح عينيك في خرابها، في نباتاتها البرية التي نبتت مثل لعنة (…)أبعد عنك القدر القاسي! .. .ص.187.من يقرأ الخال أنجيل سيحس بكارثة حياة إنسان طيب وكيف أن رجل دين البلدة أراد أن يقارن ما عصف بحياة أنغيل بما جري في الميثولوجيا لشخصية أيوب لكون هذا أيضا فقد أبناءه وماله وزوجته وجاء الدود ليسكن بعد ذلك جسده ويمنح لنا أجمل تأملات إستراتي عن عظمة الرأس مركز سعادة أو شقاء الإنسان . غير أن أنغيل يرد عليه قائلا أن الأموات لا يبعثون وبأن ثمة يا عم ستيفان، لا بد انه توجد أكاذيب فظيعة في حكاياتكم الدينية .ص.199. كل ما يمكن أن أخلف لك من إرث ـ يقول أنغيل لأدريان ـ أمنحك هذه النصيحة، اعترض بكل قواك، ما دام في الوقت متسع، لفرح عابر. إن ذلك ما يعرضنا أكثر للمعاناة، للأسف! هذا الفرح يطالبنا وحده بحياتنا كلها، مقابل كل البرميل من الزيت الذي يحرق يمنحنا حبة زيتون وحيدة. ذلك قليل، قليل جدا. الكلاب تعادلنا في المحبة وتفوقنا في الحكمة .ص.231. (…) فيما بعد سوف تعرف فرحا آخر، يأتيك من المرأة ويعادل الفرح الآخر. ذلك اليوم، سوف يلهو دمك وسوف تسيء كثيرا لمن حواليك . ص .243.و كأن إستراتي يرغب بالتالي في أن يمنح رؤيته الخاصة عن المرأة أو تأملاته جراء كل مخاوف حميمية تأتيه جهة حنان وقسوة واختلاف الأنثي. أين تستقي إذن قوة اندفاعتها الكونية؟ لا بد أن المرأة تخبئ خلف فساتينها سرا قد سبق خلق العالم ص.291. لربما.أما لو عاودنا عبورا سريعا لدي معابر حياة كودين الثرة، فإننا سنجد رجلا قويا وطويلا في هيئة صعلوك ذي مرأي بشع. فهو معروف في البلدة ويخشاه الجميع. إذ يبدو مجرما ( لو كانت حياتي كلها إجراما فإن رغبتي في الخير دوما متأججة ص.613.) لم يستطع الناس أن يتخطوا قشرة القبح التي غلفت فيها الطبيعة طيبته المغيبة. لذلك ظل في عزلة ويأس من عدالة الناس. صداقة أدريان له نفيسة، بل هي أكثر من ذلك أخوة خاصة، أخوة الدم والصليب ؛ تتأتي من إسالة دم وامتصاصه من قبل من يبرمان ذلك العقد الفريد والخطيرة عواقب المس به. أدريان ـ يقول كودين ـ أنت الذي لم تختبر بعد الألم الذي يأتينا من غدر الحب، كن علي يقين بأنه أفظع من الجوع الذي يقطع الأحشاء، أفظع من كيّ بحديد محمّي، أفظع من الموت! …(…) احفظ هذا في ذهنك، أدريان، وتذكر هذا فيما بعد: لن يقدر الناس أن يحبوا، لا يعرف الناس أن يحكموا!.. .ص.596. لن يكون بمقدورنا أن نثير كل تفاصيل أعمال وحياة بانايت إستراتي، ليس نرغب اليوم سوي في أن نلتفت إلي جمال أن ينشر مرة أخري تقريره الأدبي المتميز بطعمه الخاص. لقد نسي تماما منذ أن نفدت طبعة الستينيات لدي غاليمار. تنشره اليوم فيبيس ليبيرتو التي باشرت في مشروع جيد نشر روائع عالمية. ويعود الفضل في الإعداد والتقديم لأعمال بانايت إستراتي للندالي. ثلاثة مجلدات صدر آخرها شهر نيسان (أبريل)، الشهر الذي انطفأ فيه بانايت من عام 1935. في الخامس عشر من نيسان (أبريل) كتب كازانتزاكيس لإلني ساميوس: لقد تلقيت الجرائد والنبأ الفظيع لوفاة بانايت! (…) الحياة فظيعة ولا نحس بها بل نضيعها في تفاهات بائسة. وعندما يموت فقط شخص عزيز، ثمة ندرك إلي أي حد نمضي نحو الهاوية.. .شاهدة: بالقوة يمكن أن نسلب شيئا من احد ما، غير اننا لا يمكن أن نمنحه شيئا بالقوة ! بانايت إستراتي.ص.402.شاعر من المغرب يقيم في باريس0