إعادة عائلات الدواعش بين المخاوف الأمنية والاستغلال السياسي

مصطفى العبيدي
حجم الخط
1

بغداد ـ «القدس العربي»: إثار قرار إعادة الآلاف من العائلات العراقية من مخيم الهول السوري، ردود أفعال متناقضة وخلافات بين القوى السياسية العراقية، بين الرفض والقبول، وسط تحذيرات دولية من كون القضية مأساة إنسانية وأمنية تتطلب تحركا عراقيا ودوليا، لاحتواء وإنقاذ سكان المخيم المتهمين أغلبهم بارتباط أبنائهم بتنظيم «داعش» الإرهابي.

وتشهد الأوساط السياسية العراقية منذ فترة جدلا واسعا بين الرافضين لإعادة آلاف العائلات المتهمة بارتباط بعض أبنائها بتنظيم «داعش» وبين الداعين إلى حتمية إعادة سكان المخيم، إلى أوطانهم، مع التعامل الأمني والإنساني المناسب معهم واحتواءهم وعدم تركهم تحت رحمة الإرهاب وتأثيراته، حيث ان هذا التجمع سيبقى بمثابة قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت إذا لم يتم التعامل معها بحكمة.
وقد بدأت المئات من العائلات العراقية مؤخرا بالوصول من مخيم الهول، إلى مخيم بديل في العراق، في وجبات متتالية، بموجب قرار الحكومة العراقية استعادة العراقيين الموجودين في المخيم المذكور. وذلك بعد مطالبات متكررة من الأوساط الشعبية والأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية، وسط اعتراض بعض القوى السياسية على هذه الخطوة.
وتعد بعض القوى الشيعية والكردية من أشد منتقدي إعادة العائلات من مخيم الهول، التي تتهمها بأنها متأثرة بفكر تنظيم «داعش» وان إعادتها ستثير غضب العائلات التي تضررت من التنظيم، كما تحمل الحكومة مسؤولية انتشار الإرهاب في المدن العراقية حسب زعمهم. والحقيقة ان ملف إعادة العائلات من مخيم الهول أصبح ورقة مزايدة بيد بعض القوى السياسية التي تنتقد إجراءات الحكومة، وخاصة في هذه الفترة التي تشهد صراعا سياسيا شديدا حول تشكيل الحكومة.

الموقف الحكومي العراقي

وازاء الأصوات المعترضة على إعادة العائلات العراقية من مخيم الهول إلى العراق، فإن الحكومة العراقية حرصت على توضيح موقفها من الموضوع، حيث أشار مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي، إلى وجود أعداد من العراقيين في مخيم الهول، مبينا «ان تركهم من دون معالجة سيكون له مردودات سلبية مستقبلية على البلد». وأوضح في بيان، أن «العراقيين يشغلون أكثر من نصف سكان مخيم الهول ومعظمهم من النساء والأطفال، والظروف غير الملائمة في المخيم يمكن ان تنشئ جيلا من العصابات المتطرفة التي تتغذى على العنف والعداء». وأكد الأعرجي، انه «في عام 2021 تم الإبلاغ عن حوادث خطيرة داخل المخيم شملت الكثير من العراقيين». وأشار إلى «عودة 400 عراقي من المخيم وهم من العوائل التي كانت موجودة في قسم منفصل عن مخيم الهول في سوريا منذ عام 2017 ويشكلون الوجبة الأولى من الذين سيعودون إلى العراق خلال الأشهر المقبلة» مبينا ان «جميع العائدين والذين سيعودون مستقبلا هم من فئة النساء والأطفال، وتخضعهم الحكومة للفحص الأمني قبل عودتهم». وأكد مستشار الأمن القومي «التزام حكومة العراق بسلامة جميع العراقيين وستعمل لضمان حماية مواطنيها، وأيضا التزامها بإعادة الاندماج الآمن لجميع العراقيين، من خلال برامج معدة لهذا الغرض». وفي نفس الوقت، دعا الأعرجي الاتحاد الأوروبي إلى ضرورة تسلم أكثر من 10 آلاف إرهابي من رعاياها في المخيمات وسجون المعارضة السورية، مشيرا إلى أن هؤلاء النزلاء يشكلون خطرا على العراق.
أما وكيل وزارة الهجرة والمهجرين كريم النوري، فأشار إلى إن غالبية قاطني مخيم الهول من العراقيين ليسوا من تنظيم الدولة، مبينا أن هناك ما يقرب من 20 ألف عراقي (من مجموع 30 ألفا) من الأطفال ومن من هم دون 18 عاما. وأوضح النوري أنه لم يكن أمام الحكومة العراقية إلا ثلاثة خيارات، تركهم في مخيم الهول بما فيه من مخاطر في ظل وجود 10 آلاف فرد من التنظيم في المخيم وفي ظل وجود عدد كبير من الأطفال، أو تركهم في الصحراء السورية لوحدهم، أو إعادتهم إلى بلدهم العراق مع العمل على إعادة تأهيلهم نفسيا ومجتمعيا تحت أنظار الحكومة العراقية.
وفي السياق، أعلنت مستشارية الأمن الوطني ان العراق استلم 1839 عنصرا من تنظيم «داعش» من قوات قسد في سوريا، فيما تم وضع عائلات الدواعش العائدة إلى العراق من سوريا، في مخيمات خاصة لإعادة تأهيلهم وإبعاد أفكار داعش عنهم، إضافة إلى إخضاعهم إلى الفحص الأمني الدقيق.
وفيما تقدر أوساط حكومية عراقية وجود نحو 30 ألف عراقي في مخيم الهول، فإن قائممقام قضاء القائم في محافظة الأنبار أحمد المحلاوي، أعلن أن «عدد أسر عناصر داعش الذين تم نقلهم من مخيم الهول في سوريا منذ أيار/مايو 2021 إلى مخيم الجدعة في الموصل، يصل إلى نحو 13 ألف أسرة ويشكلون ما يقارب 31 ألف نسمة».

أوضاع المخيم البديل

وقد اختارت حكومة بغداد مكانا لتجميع عائلات عناصر داعش في مخيم الجدعة للاجئين الذي يقع جنوب محافظة نينوى، ويدار من قبل وزارة الهجرة والمهجرين بالتعاون مع منظمات إنسانية دولية، حيث تساهم هذه المنظمات في توفير بعض المستلزمات والاحتياجات الإنسانية لسكان المخيم. وتتم عملية إعادة الأسر من مخيم الهول السوري إلى مخيم الجدعة، وسط إجراءات أمنية مشددة سواء أثناء نقلهم من سوريا، أو بعد وصولهم إلى المخيم. وتشرف على العائلات العائدة من مخيم الهول، لجنة أمنية مشتركة من جميع أجهزة الدولة الأمنية، استنادا إلى قاعدة بيانات كاملة، حيث تقوم بتدقيق أسماء كل وجبة وتحديد من هم الأفراد المنتمين منها إلى داعش، وفي حال وجدت بين النساء من عليهن مؤشرات أمنية، يتم نقلهن إلى السجن ويقدمن للمحاكمة.
وتشير المصادر المطلعة أن الحكومة العراقية لا تنوي جعل مخيم الجدعة مقرا دائما لهذه العائلات، وإنما هو أشبه بمحطة مؤقتة لإعادة تأهيل بعض هذه العوائل التي من الممكن دمجها في المجتمع مرة أخرى بعد التأكد من أنها لا تحمل الفكر المتطرف، حيث إن عائلات الدفعة الأولى أعيدت إلى مناطقها الأصلية في محافظات صلاح الدين والأنبار ونينوى بعد إكمال كافة الإجراءات التدقيقية والتحري وإعادة التأهيل النفسي.
وكان محافظ نينوى نجم الجبوري أعلن في مؤتمر صحافي، «ان هذه الوجبة من العوائل ليست من عوائل عناصر داعش إنما كانت عوائل قد هاجرت إلى الأراضي السورية بسبب الحرب وانتهى بها المطاف في مخيم الهول». كما تمت إعادة بعض العائلات من المخيم إلى مناطقها الأصلية، بعد ان تعهد شيوخ ووجهاء المناطق برعايتها والاهتمام بها، لكونها من أقاربهم أو معارفهم ممن لم يتورطوا في جرائم «داعش».

مخيم الهول

وأما عن مخيم الهول السوري، فتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن هذا المخيم يؤوي نحو 65 ألفا، من بينهم نحو 28 ألف سوري و30 ألف عراقي ونحو 10 آلاف من جنسيات متفرقة. ويعد الهول أحد أكبر مخيمات اللاجئين في شمال شرق سوريا وتسيطر عليه المعارضة السورية «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد). وكان المخيم قد أنشأته الأمم المتحدة عام 1991 إبان حرب الخليج الثانية وغزو الكويت، حيث فرت العديد من العائلات العراقية تجاه سوريا حينها. وعقب ظهور تنظيم داعش عام 2014 وأثناء معارك القوات العراقية والمعارضة السورية معه، تدفق إلى المخيم أعداد كبيرة من النازحين من المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة التنظيم.
وقد شهد مخيم الهول عام 2021 وقوع العديد من جرائم القتل لأشخاص أغلبهم من اللاجئين العراقيين على يد عناصر التنظيم. فيما أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» مؤخرا، إن 8 أطفال توفوا في مخيم الهول، وإن أطفالا من 60 دولة يعانون، نتيجة نقص الاحتياجات الإنسانية والخدمات في المخيم، التي فاقم أوضاعها، انتشار فيروس كورونا بين السكان والعاملين فيه.
ولكون المخيم يشكل قلقا أمنيا للعديد من دول العالم، فإن الحكومة العراقية، وبالتنسيق من الأمم المتحدة ودول عديدة، أصدرت قرارا في نيسان/ابريل 2021 باستعادة العراقيين الموجودين فيه، وذلك لتشجيع دول العالم الأخرى على سحب رعاياها منه ضمن خطة لإفراغ المخيم من اللاجئين.
وبلا شك فإن وجود عناصر وعائلات تنظيم داعش في مخيمات اللاجئين والسجون، تعد مشكلة دولية مقلقة ومعقدة، وذلك بسبب رفض أغلب الدول إعادة رعاياها الموجودين في المخيم إليها تهربا من المسؤولية الإنسانية وبحجة المحاذير الأمنية، ولذا فإن الحكومة العراقية، تطرح باستمرار على الأمم المتحدة والدول التي لها رعايا في المخيمات والسجون الحكومية، ضرورة إعادتهم. ورغم ان بعض الدول أقدمت على سحب بعض رعاياها من النساء والأطفال، إلا أن دولا أخرى مثل فرنسا، ترفض إعادة المئات منهم ما زالوا موجودين في العراق وسوريا وخاصة من الذين تورطوا بجرائم وانتهاكات ضد العراقيين وغيرهم.
والمؤكد ان قضية عائلات الدواعش إحدى أخطر الافرازات الإنسانية والأمنية جراء سيطرة التنظيم الإرهابي على مساحات واسعة من الأراضي والمدن العراقية والسورية من 2014 إلى 2017 خضع خلالها سكان تلك المناطق إلى سطوة تنظيم «داعش» واجبر الكثير منهم على التعاون أو التعامل معه، فيما يعد العنف الطائفي والحروب التي سادت في المنطقة، سببا رئيسيا لظاهرة اللاجئين وبالتالي فإن معظم سكان المخيمات كانوا مجبرين على ترك ديارهم وأوطانهم، وسط مخاوف من ان تتحول قضية المعاناة الإنسانية للعائلات النازحة والمخاطر الأمنية، إلى ورقة بيد القوى السياسية للضغط والابتزاز والمزايدات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية