لندن ـ «القدس العربي»: اشتعلت موجة من الغضب والجدل الواسع على شبكات التواصل داخل الأردن وذلك بعد انتشار خبر الاعتداء على طفل داخل إحدى المدارس من قبل مجموعة من زملائه التلاميذ الذين قاموا بسكب مادة سائلة قابلة للاشتعال عليه داخل المدرسة، ومن ثم قاموا بحرقه، قبل أن يتم إنقاذه إلى المستشفى وعلاجه، حيث سرعان ما تحولت الحادثة وتفاصيلها إلى قضية رأي عام تشغل الشارع الأردني منذ عدة أيام.
وسرعان ما انهمك النشطاء والمستخدمون على شبكات التواصل الاجتماعي في نقاش الحادثة المرعبة التي هزت وجدان الأردنيين، خاصة بعد أن تبين بأن الطفل المعتدى عليه يتيم ويعيش وحيداً مع أمه، حيث تم نقله إلى المستشفى وسرعان ما تداولت الكثير من الحسابات على شبكات التواصل صوراً له، فيما سارع العشرات من المعلمين ووجهاء المجتمع الأردني إلى زيارته في المستشفى وتقديم الدعم المعنوي له.
وحسب التفاصيل التي جمعتها «القدس العربي» من مصادر متعددة فقد أقدم طالبان داخل إحدى مدارس لواء الرصيفة التابعة لمحافظة الزرقاء في الأردن على سكب مادة الكاز على زميلهم محمد الحميدي (11 عاماً) وأشعلا النار في جسده داخل المدرسة، ما أدى إلى تعرض الطفل لحروق خطيرة، حيث تم نقله إلى المستشفى بعد أن تدخل المعلمون في المدرسة من أجل ذلك.
وكان المعلمون هرعوا إلى المطبخ فور سماع الصراخ، وتمكنوا من إطفاء النيران التي التهمت جسد الصغير قبل نقله بسرعة إلى المستشفى لتلقي العلاج.
وسرعان ما تداول العديد من الأردنيين على مواقع التواصل مقطع فيديو للطفل محمد يروي فيه تفاصيل ما جرى معه، حيث قال إن الحرق الذي تعرض له كان نتيجة لسكب مادة «الكاز» عليه، وإحراقه من قبل طالبين آخرين في المدرسة ذاتها. وأشار إلى أن مدير المدرسة طلب منه الادعاء أنه أحرق نفسه بنفسه، وليس بفعل فاعل.
وأوضح الطفل اليتيم أنه كان في الصف عندما طلب منه المعلم إحضار مكنسة لتنظيف الغرفة الصفية، فدخل المطبخ المدرسي، ليتفاجأ بزميلين أمسكاه بدون سابق إنذار، وسكبا عليه الكاز وأشعلا النار في جسده. وأضاف قائلاً «لم أفعل لهما شيئاً، لماذا فعلوا بي هذا.. أنا يتيم، ولم أؤذِ أحداً».
وسرعان ما هيمنت هذه الحادثة على الجدل في أوساط الأردنيين على شبكات التواصل الاجتماعي، وسط مطالبات واسعة بتشديد الرقابة على المدارس، وتكثيف العقوبات على الطلبة الذين ينخرطون في مشاكل ويفتعلون الأزمات داخل مدارسهم، فيما ذهب الكثير من المعلقين إلى المطالبة بمعاقبة إدارة المدرسة ومحاسبة القائمين عليها بسبب فشلهم في منع حدوث مثل هذه الحادثة المأساوية داخل المدرسة. وكتب الناشط الأردني وعضو المجلس البلدي في مدينة الكرك المهندس أسامة الضمور معلقاً على الحادثة: «لا حول ولا قوة إلا بالله.. قضية حرق طفل الرصيفة داخل المدرسة هي ناتج طبيعي لما يراه الأطفال من مقاطع على الإنترنت وناتج طبيعي أيضاً للترهل الإداري وإنعدام المسؤولية الناتج عن عدم وضع الشخص المناسب في مكانه الصحيح، وطبعاً لا ننسى تربية الأهل».
وعلق أحد المتابعين على شبكة «إكس» قائلاً: «الوظيفة الأساسية للمدرسة هي حماية الطلبة خلال تواجدهم في داخلها، وهذا يشمل حمايتهم البدنية، وحمايتهم من أي مخاطر معنوية ونفسية أو مخاطر انحراف أخلاق. فكيف حصل الطلبة على مادة حارقة داخل المدرسة؟ ومن أدخل المحروقات للمدرسة؟ وكيف لم يعلم بهذا كادر التدريس ولا الإدارة؟ كيف حصل الأطفال على ولاعة؟ ولماذا كانت بحوزتهم وكيف لم يتم اكتشافها؟ كيف بلغ الأطفال إلى هذا المستوى من العنف بدون أن يكون حولهم بالغون من المعلمين والمشرفين؟ الخلاصة: هذه مدرسة يتوجب إغلاقها، وطرد كافة العاملين فيها مع قطع رواتبهم نهائياً، ومنعهم من العمل في القطاع التعليمي مستقبلاً».
على من نضع اللوم؟
وكتب رأفت الزعبي: «جريمة تهز الشارع الأردني في منطقة الرصيفة. عندما يقوم طفل بحرق طفل آخر ويتيم الأب، بوضع مادة الكاز على جسمه ثم إشعالها، وفي حرم مدرسة حكومية. برأيك: على من نضع اللوم؟ ما نوع عقلية الطفل الذي يملك هذا السلوك؟ هل الموضوع له علاقة بمشاكل أسرية ثم انعكست على الطفل الجاني؟».
ونشر الناشط فراس الماسي تدوينة قال فيها: «بخصوص حادثة الطفل محمد، أتمنى ان لا يكون الأمر ترنداً من قبل البعض، يجب عمل آلية لأجل حماية جميع الطلاب من بعض المشكلات التي تحدث داخل المدارس، وتوفير بيئة آمنة داخلها».
وكتب كمال محمد: «الموضوع كقساوة في التعامل مع الآخر تربية أسريّة وليس تربية مدرسية، البيت هو الأصل في تعليم القيم وعدم إيذاء الآخر».
أما الناشط ماجد الفاعوري فنشر تدوينة يُعلق فيها على الحادثة قائلاً: «حين يدفع الضعيف ثمن خطأ القوي فإن العدالة تصبح شكلية والمحاسبة تفقد معناها. إن حادثة احتراق الطالب محمد الحميدي والذي يرقد على سرير الشفاء شافاه الله وعافاه وحفظه لأهله تطرح تساؤلات عميقة حول توزيع المسؤوليات داخل المدارس حيث تم إيقاف المستخدم وليد عبدالرحمن سبتي جادالله على ذمة القضية بتهمة الإهمال حسب ما ورد من أسرته رغم أنه مجرد موظف على حساب الفئة الثالثة يؤدي مهام خدمية وإدارية بسيطة كتنظيف المرافق وتجهيز الصفوف وليس من ضمن صلاحياته ضبط سلوك الطلبة داخل الغرف الصفية أو متابعة تصرفاتهم، هذه المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على المعلم داخل الصف فهو الشخص المخول بحفظ النظام خلال الحصص الدراسية، ثم الهيئة التدريسية والإدارية التي يجب أن تراقب الطلبة في الممرات والساحات، وأخيراً الإدارة المدرسية التي يقع على عاتقها وضع القوانين والأنظمة التي تضمن بيئة تعليمية آمنة والتأكد من التزام الجميع بها».
وأضاف الفاعوري متسائلاً: «إذا كان هناك إهمال داخل المدرسة، فمن المسؤول عن متابعته؟ وهل هناك رقابة حقيقية على أداء الإدارة والمعلمين أم أن المساءلة تُطبّق فقط على الحلقة الأضعف؟ إن تحميل المسؤولية للمستخدمين البسطاء بدلاً من مساءلة الكادر الإداري والتدريسي نهج غير عادل، فالمسؤول عن سلامة الطلبة هو من يملك الصلاحيات لاتخاذ الإجراءات الوقائية لا الموظف البسيط الذي يعمل ضمن توجيهات محددة. والمحاسبة الحقيقية تقتضي أن يُحاسب كل شخص وفق نطاق صلاحياته، لا أن يتحمل الأضعف أخطاء الأقوى فقط لأنه لا يملك نفوذاً أو صوتاً يدافع به عن نفسه.. نؤمن بقضاءنا العادل النزيه ونؤمن بهيئة المدعي العام المختص بانصاف المظلومين ورفع الظلم عن كل مظلوم في دولة العدل والقانون».
جريمة لا يمكن السكوت عنها
وعلقت جمانة: «المدارس الحكومية سيئة جداً لا تربية ولا تعليم خصوصاً مدارس الذكور، وممكن الواحد يكون متربي لكن البيئة المدرسية السيئة أثرت على تنشئته وأخلاقه».
أما عنان دادر فكتب يقول: «هذه هي نتائج إنعدام التربية وإنعدام الرقابة من قبل الأهل على أطفالهم بشكل عام، ونتائج الأخلاق الفاسدة الله المستعان».
وقالت رزان أبو الفول: «نتمنى من دولة رئيس الوزراء الأكرم تسليط الضوء على حادثة الحرق التي تعرض لها طالب المدرسة اليتيم في وضح النهار في رمضان. ونطالب بالتحقيق مع مدير المدرسة الذي حاول إقناع الطالب اثناء إسعافه أن يقول: قول انت حرقت حالك.. طلاب ومادة مشتعلة وقداحة أين المدير أين الوزارة والرقابة».
وكتبت سونيا الزغول: «توقيف مدير المدرسة ومساعده في مركز إصلاح ماركا (سجن أردني) إثر حادثة حرق طالب في مدرسة بالرصيفة، وحرق طالب بالكاز يثير إستنفاراً في الأردن».
وعلق حساب يُدعى «المفتش العام» على شبكة «إكس» قائلاً: «ما حدث مع الطفل في المدرسة لا يقبله عقل ولا دين، فكيف لطلاب في المرحلة الابتدائية أن يقدموا على فعل يندى له الجبين مثل حرق زميل لهم؟ هذه جريمة لا يمكن السكوت عنها. يتوجب على الحكومة فتح تحقيق شامل لمعرفة جميع ملابسات تلك الواقعة الأليمة. كما أطالب وزارة الصحة بأن تتكفل بعلاج هذا الطفل يتيم الاب، فهو بحاجة ماسة للدعم والرعاية. إن أي تجاهل لهذا النداء سيكون له عواقب وخيمة، سيشعل نار الغضب في قلوب المواطنين ويؤكد على فشل المسؤولين في مهمتهم. إذا ثبت أن وزير الصحة لم يستجب لمطالبنا المشروعة، فعليه أن يدرك أنه قد فتح على نفسه أبواباً من الجحيم، وعليه أن يتحمل نتائج تقصيره. الأطفال هم أمل المستقبل ولا يجوز تركهم ضحية للإهمال أو عدم الاكتراث».
وقالت منى بداح: «حرق الطالب من زملائه (المجرمين) أحرق قلوب الأردنيين جميعاً، ما هذا الذي يحصل في مدارسنا، وهل هي ظاهرة فردية أم شيء جديد علينا، ظاهرة خطيرة جداً جداً وعلينا جميعاً الحذر».
وكتبت آلاء التميمي: «حادثة احتراق طالب بسبب الكاز ليست مجرد إهمال مدير أو معلمين، بل هي نتيجة لقرار أكبر وهو وضع الطلاب في دائرة الخطر. الإدانة الحقيقية يجب أن تطال المسؤول الأول: هو الذي سمح بدخول الكاز والمدافئ، المسؤولون هم الذين عرضوا أبنائنا للخطر بمدافئ الكاز».
وقال مهند عواملة: «يُستغرب حقيقة أن المجرم الذي قام بالفعل الاجرامي وحرق الطالب لم يتم معاقبته وتم معاقبة الإدارة.. لماذا لم يتم معاقبة فورية لمن قاموا بالايذاء حتى يكونوا عبرة لغيرهم؟!».
وكتبت نثيلة ريحاني: «طفل يتيم يذهب للمدرسة ليحمل القلم لا مكنسة ولا ليُحرق بوحشية، هذه ليست جريمة عابرة، بل نتيجة تربية قائمة على العنف وسط تسيّب إداري مخز، كيف يصل أطفال لهذه الدرجة من الإجرام؟ كيف يتواطأ مدير مدرسة على طمس الحقيقة؟ المحاسبة واجب، السكوت مشاركة بالجريمة».
وقال معاوية السعيدات: «قضية الطفل الذي تم حرقه في المدرسة: تم فصل آذن المدرسة (العامل المستخدم)، وكالعادة تم تطبيق القانون على الحلقة الأضعف، بينما نجا الأقوياء وكأن شيئاً لم يكن. العدالة الحقيقية لا تقتصر على معاقبة طرف واحد، بل تكمن في محاسبة كل من شارك، مباشراً كان أو متواطئاً بصمته. ننتظر باقي التفاصيل».
يشار إلى أن الأجهزة الأمنية أوقفت كلاً من مدير المدرسة ومساعده وأحد الموظفين على ذمة القضية، حيث قرر مدعي عام شرق عمَّان توقيف الثلاثة لمدة 7 أيام على ذمة التحقيق في سجن ماركا، وذلك على خلفية تعرض الطالب محمد الحميدي للحرق داخل مدرسته، بعد أن أقدم طالبان على سكب مادة الكاز على جسده وإشعال النار فيه.
وأسند المدعي العام للموقوفين تهمة ارتكاب جرم الإهمال في واجبات الوظيفة، الإهمال في رعاية قاصر، والتسبب في الإيذاء، كما تم توقيف الطالبين المتورطين في الحادثة في دار تربية الأحداث (سجن خاص بالقاصرين).