إعداد المسرح

حجم الخط
0

عزت القمحاوي على الرغم من أن محاكمة ‘قتل الثوار’ رخوة ولم تصل إلى نتيجة بعد، فقد كان الإعلام المصري أكثر حظًا من المسؤولين المتهمين في القضية. أفلت بالكامل من تهمة التحريض على القتل، واستمر خلال الفترة الانتقالية السند الأكبر للعسكر في الالتفاف على الثورة، وبعد انتخاب رئيس إخواني عمد إلى تكسير عظامه بالباطل قبل الحق، وبدلاً من أن تعمل الجماعة على إصلاح الإعلام انشغلت بتغيير قياداته مع الإبقاء على فساده، لأن الإخوان يعرفون أن هذا الفساد هو الذي يضمن السيطرة عليه وتحويل الدفة في الاتجاه المعاكس بشكل فوري. لا يعاني الإعلام المصري من تدني الكفاءة فحسب، بل إنه يجمع بين نوم الإعلام السوفيتي ولؤم الإعلام الأمريكي، لأن الساحة الإعلامية اتسعت للنوعين: وسائل الإعلام المملوكة للدولة وتلك المملوكة للقطاع الخاص، وقد استغرق الأمر نحو عقدين من العمل الدءوب لإعداد المسرح للعرض المرعب.’ ‘ ‘ذات يوم، وافق حسني مبارك على موعد مع صحافي عربي. وتمت المقابلة ونسي مبارك أمرها حتى وضعوا أمامه جريدة ‘الحياة’ وكان سعيدًا بالمقابلة المكثفة التي تقدمه في صورة شديدة الإيجابية. ولفت نظره أن توقيع الصحافي الذي أجرى المقابلة منشور ببنط عشرة (البنط الصغير المستخدم في كتابة المتن) وعندها سأل عن وظيفة جهاد الخازن في الصحيفة؛ فقالوا له إنه رئيس تحريرها، ولم يكن منه إلا أن ذكر أم رئيس تحرير أهم صحيفة بما يشين، لأن رئيس التحرير ذاك يوقع على مواده التافهة ببنط العناوين (وصفه مبارك بـ ‘قد فردة الجزمة’)!كان مبارك قد بدأ منذ أوائل التسعينيات يدرك حقيقة تدني المستوى الذي وصل إليه إعلامه، متجاهلاً أن هذا الإعلام لا يمكن أن يخترع الإنجازات، لكنه مع ذلك كان محقًا بشكل جزئي، حيث كانت الصحافة قد بلغت من البؤس أعظمه، وهذا طبيعي، فهو كان يختار حراسًا بلطجية لا رؤساء تحرير. وكان حال التليفزيون أسوأ من حال الصحافة؛ فالتليفزيون الذي انطلقت قناته الأولى عام 1960 صار الأسوأ عربيًا، والبرج الضخم الذي يحتله على النيل مثقل بثلاثين ألف موظف ومئات المديرين الذين يمنحون أنفسهم مكافآت ضخمة، بينما ينفق أقل القليل على التدريب وإنتاج المواد التليفزيونية فلم يعد يشاهده أحد.المنافسة مع الصحف العربية كانت محكومة بقرار من السلطات، لأن قانون الرقابة على المطبوعات الأجنبية يقنن دخول الصحف والمجلات ويمنع ما يراه خطرًا على الحكم فمنعت صحيفة ‘القدس العربي’ المناوئة، بينما تكفلت ذائقة القاريء المصري التي تميل إلى المحلية بتحجيم انتشار الصحيفتين العربيتين الأخريين: ‘الحياة’ و’الشرق الأوسط’ اللتين لا تعطيان الصدارة للشأن المصري.وكان الأمر مختلفًا في حالة التليفزيون، حيث لا يستطيع قانون المطبوعات أن يمنع موجات الأثير. وجاء مولد قناة الجزيرة عام 1996 بمثابة الكابوس بالنسبة لحسني مبارك. وكان دائمًا ما يحملها مسئولية القلاقل التي بدأت تواجه حكمه.بالطبع لا يوجد إعلام يقوم على نظام الجمعيات الخيرية، بل إن هذه الجمعيات ذاتها لا تمنح أموالها من دون أغراض. ولكن إعلام العالم كله لا يستطيع قلب نظام الحكم في إمارة موناكو. وهذا ما لم يدركه مبارك ولم يدركه صفوت الشريف، وزير إعلامه المزمن. ولم تكن الجزيرة وحدها التي سلبت الإعلام المصري مكانته؛ ففي التوقيت ذاته كانت محطات الدراما السعودية تشتري تراث السينما المصرية من الأفلام، حتى لم تعد دولة الريادة الإعلامية الكاذبة تتحكم في ريادتها السينمائية الحقيقية. ‘ ‘ ‘كان النظام يبدد من التاريخ بقدر ما يبدد من إمكانات الماضي والمستقبل. وقد وجدت الصحافة المسكن لآلامها في الصحف المستقلة، ابتداء من عام 1995 وهو تاريخ انطلاق جريدة ‘الدستور’ الصحيفة الأشهر بين موجة الصحف التي صدرت بتراخيص من قبرص، وكانت تعتبر مخالفة قانونيًا، ومن الممكن إغلاقها في أي وقت، وهو ما حدث فعلاً بعد ثلاث سنوات بسبب نشرها بيان لجماعة سلفية تهدد باستهداف استثمارات الأقباط، لتعاود الصدور عام 2005. بعد سنوات من غض الطرف عن الظاهرة القبرصية كبيرها وصغيرها سمحت السلطات بالصحف التي تقوم على مستثمرين رئيسسيين طبقًا لنظام الشركات ولكن مخالفة لقانون سلطة الصحافة التعجيزي الذي وضعه السادات عام رحيله، حيث يشترط ذلك القانون ألا تزيد مساهمة الأسرة في رأسمال الصحيفة عن خمسمائة جنيه مصري. ومن التجارب المؤثرة في هذا النوع من الصحف جاءت تجربة ‘المصري اليوم’ عام 2004 بمستثمر رئيسي هو توفيق دياب وحصة متميزة للمستثمر نجيب ساويرس، ثم كانت جريدة ‘اليوم السابع’ عام 2008 ومستثمرها الرئيسي وليد مصطفى. علمًا بأن عدم الشفافية يكتنف عمل الصحافة الخاصة، فهذه الأخيرة يتردد أن صاحبها الأساسي هو أشرف صفوت الشريف بعد أن طاردتها أيام التأسيس شائعة تبعيتها لممدوح إسماعيل المستثمر الذي كان هاربًا في لندن عقب غرق العبارة السلام المملوكة له.وقد خلق العدد الكبير من الصحف خليطًا مربكًا من الرسائل الإعلامية التي صارت مثل ضجة القطار. فتت هذا الإغراق كتلة القراء بين العديد من الصحف، وباتت كل رسالة مهما كانت خطورتها توزع في عدد محدود، وتجد من ينفيها في مطبوعات أخرى. وظل التليفزيون جرحًا مفتوحًا؛ فلم تمثل الفضائيات التي أطلقت سوى إضافات كمية للقنوات الحكومية الأرضية البليدة، وفي العام 2001 تم إطلاق قناتي ‘دريم’ اللتين حملتا الاسم ذاته للمشروع العقاري للمستثمر أحمد بهجت، ثم توالت القنوات وأهمها ‘أون تي في’ لنجيب ساويرس و’المحور’ لحسن راتب ثم ‘الحياة’ للسيد البدوي رئيس حزب الوفد. وكل هؤلاء ظهروا فجأة باستثناء نجيب ساويرس الذي كان لأسرته نشاط قديم ومستمر في إدارة استثمارات معقولة.لم تعالج الصحافة الخاصة ولا القنوات التليفزيونية الخاصة خلل العدالة الرهيب الموجود داخل المؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة. ظل الفارق شاسعًا بين رئيس التحرير والمحررين الذين يعدون الوجبة، وظل التقتير نفسه في الإنفاق على العمل المهني. وكذلك كان حال التفاوت بين مقدمي البرامج وجيوش المعدين في القنوات التليفزيونية، وسواء تطابقت ملكية القناة والصحيفة لذات المستثمرين أو اختلفت، تعيش الفضائيات عالة على الصحف الخاصة. رؤساء التحرير يتصدرون شاشاتها بمكافآت ضخمة، أو يحملون صفة مستشار، وهي صفة يحملها صحافيو وإعلاميو الحكومة لدى وزارات لا تستشيرهم في شيء، حيث الاستشارة هي اللفظ المهذب لشراء الصحافي، وضمان تواجد صورة الوزير.المقدمون والمستشارون في قناة هم أنفسهم الضيوف في قناة أخرى، أي مجتمع ‘القلة التي تعرف بعضها بعضًا’ كما يقول بيير بورديو. يبدأون يومهم بعد الظهيرة في الصحف ثم الحلقة التليفزيونية في المساء وينتهون في سهرة مشتركة بأحد فندقين متواجهين على النيل: الفور سيزون وشيراتون الجزيرة، وأصبح إطلاق اسم أحدهم على طاولة محددة علامة تميز.لم تنفق القنوات المصرية الخاصة الكثير من الأموال على إعداد المواد والتحقيقات المتميزة وليس لها شبكات مراسلين، وإنما اختصرت وجودها في برامج ‘التوك شو’. التداخل المالي والمهني لكل قناة مع صحيفة جعل الأخبار والتحقيقات المنشورة في الصحيفة الصباحية تصبح موضوعًا للحوار في التوك شو المسائي، وتصريحات ضيف مهم (من وجهة نظر هذه القلة المغلقة) في التوك شو المسائي تصبح عناوين بارزة في عدد اليوم التالي من الصحيفة. القناة التليفزيونية ترسخ وجود الصحيفة من خلال التنويه بها، وبالأحرى، تنويه رئيس التحرير (المقدم) وتنويه المحرر (المعد) بنفسيهما، والعكس صحيح كذلك، إذ يعرف قاريء الجريدة الذي نام مبكرًا أن هذا النجم ‘المالتي ميديا’ قابل في المساء كاتبًا كبيرًا أو وزيرًا مخيفًا، وقد حقق هذا التداخل دورانًا عجيبًا للمادة الإعلامية.على أن مصالح العاملين في الإعلام ليست شيئًا بالمقارنة بمصالح أصحاب رأس المال أو توجيهات النظام بأجنحته السياسية والأمنية، وكل هذا يجعل الإعلام خنجرًا مسمومًا في قلب الثورة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية