إعدام الصوت والصورة.. إعدام العيد!
إعدام الصوت والصورة.. إعدام العيد! ألم ترَ ! ألم تسمع؟ قالواقلت: لا لم أرَ ولم أسمع.قالوا: و كيف يكون ذلك؟ ألم تشاهد كيف علقوه، كيف تقدّم.. ليلة العيد!قلت، خاب ظنهم، أن يُفسدوا بهجة يومي، كما يفعلون كل يوم، منذ فجر الصحراء، و فرات الدم ودجلة الموت، آليت علي نفسي، أن لا تهزمني الصورة، أن لا يسيّر المذيع، أيّ مذيع مسار نهاري.ـ لكنه هوي في صبيحة العيد كأضحية، العالم كله شاهد، بعضهم هلّل وبعضهم استنكر وبعضهم فُجع وصُعق. قال آخرون. ـ أنا لم أشاهد، لذا، لم يُعدم، و لم يمت، و لكن.. لا بهجة للعيد.ـ لماذا، طالما لم تشاهد؟يكفي أن جميع من أعرفهم لا تنفك ملامحهم تنكمش، وهم يتسمرون أمام أعواد المشانق. والحزن عدوي، كما أن العيد جماعة. ـ أولم تحزن؟سألني صديق مغتم.بلي، قلت. وإن كان ليس في العادة، أن أحزن لمصير الحكام، ولكني فعلت هذه المرة، فقد هالني مشهد الموت، وهو يلاحق أمماً وشعوباً، كشبح، كقضاء مستعجل، لا مفر منه. كما هزني مشهد الموت المباشر والمقطّع علي الشاشات، موتاً أرادوا أن يهز كياننا من جذوره. بلي، تعاطفت، وما ازددت إلاّ كرهاً، للسلطة والمحاكم والجيوش، والمغانم والثارات والسياسة والقبائل والغرب والشرق، والشعر والفنون، والحضارة والحداثة وما بعدها، أزداد كذلك حكمي الأصلي المبرم تجاه آلة الشؤم هذه، شاشة سجن البيوت، حابسة الأنفاس، سارقة الوقت، مخدّرة الأقدام، مُرفعة الضغط والسُكّر، قاتلة الرغبة، وجالبة القرف والسخط، تلفاز العصور الحديثة المنحطة.بدا الإعدام، بعد أنّ أصبح في كل مكان وعلي كل وجه وشاشة وبيت، كأنه مشهد لقطة تُعاد بعد أن فشلت تجاربها من قبل. إعدام أنيق المظهر، لكنه لا يليق بأحد. المحادثة مع المنفذين، الخطي المتأنية، الكلمات التي بُثت لاحقاً، كلها نمّت عن إنغماس المشاركين، كما المشاهدين في عالم الصورة، وإمكانية الترجيع والإعادة والتحسين أو التقطيع، كأننا أمام فيلم لا ينتهي، فيلم أمريكي طويل، علي حد قول أحد عباقرة هذا العصر. لم يحدث فعل الموت في نفوسنا وكأنه لم يقع بعد أو لن يقع أبداً، إلاّ مع المشاهد اللاحقة، حينها تيّقنا من موت الصورة وانعدام الصوت، كما أننا ولا شك فُجعنا في صباحنا، أنهم نجحوا كذلك في إعدام بهجة العيد وأمل العام الجديد.ناجي طاهر المانيا6