إعدام شيخ زاده التركي «مصطفى» في «حريم السلطان» بين الدراما والتاريخ والحاضر

حجم الخط
1

القاهرة: من ممدوح فرَّاج النَّابي: فرضت الحلقة الأخيرة من المسلسل التركي ذائع الصيت Muhteşem Yüzyıl «القرن العظيم» أو «حريم السلطان» كما هو متداول تجاريًا في البلدان العربية، والذي يتناول قصة حياة السلطان سليمان القانوني (1494 – 1566)، الذي حكم الدولة العثمانية، لمدة 46 عامًا، في فترتها الذهبيَّة من سنة 1520، وحتى وفاته سنة 1566، حالة من الحزن الممزوج بالغضب بين جموع المشاهدين، خاصة عند رؤيتهم لمشهد إِقْدَام السُّلطان سُليمان القانوني على إعدام ابنه الأمير مصطفى (شيخ زاده مصطفى ) بعد أن تنامى إلى علمه رغبته في إسقاطه، مع أنه ليس أكبر أبناء السلطان سنًا.
منظر القتل خنقًا الذي شُوهد في الحلقة دفع الكثيرين إلى التعاطف مع الأمير مصطفي باعتبار أنَّه قُتِلَ غيلةً، وبعد انتهاء المسلسل توافدت جموع الجماهير الساخطة إلى قبره بمدينة بورصة (شمال غرب تركيا بين مدينتي إسطنبول وأنقرة) بالأزهار التي حفّت مقبرته، كنوع من إظهار التعاطف مقارنة بالقسوة التي ارتكبها أبوه. وهو الأمر الذي دعا والي بورصة(MÜNİR KARALOĞLU) منير كارا أوغلو، إلى أن يأمر بترميم الضريح وتوسيعه، في ظلِّ هذا الإقبال الذي وصل إلى 500 ألف زائر بعد إذاعة الحلقة. على الجانب المقابل أثارت الحلقة الذُّعر والغضب بين الكثيرين الذين رأوا فيما فعل السلطان الذي كان يحظى باحترام وتقدير كبيرين، جريمةً لا تُغْتَفر، أو التغاضي عنها رغم ما شهده عصره من إنجازات وتوسعات في رقعة الدولة العثمانية ومن ثمّ جاءت تسميته بالقانوني من إرسائه للعدالة وَبسنِّه أفضل التشريعات القانونية، وبقيامه بأعظم الفتوحات الإسلامية، وببسطه لحكمه في كثير من أرجاء أوروبا، ولم تتراجع دولته إلا بعد استلام ابنه الأوسط سليم مقاليد الحكم، وهو ما حدا بحسن كوز وهو من مواطني بورصة بتقديم عريضة للقضاء ودعَّمها بتقديم شَاهِدين هما أستاذ التاريخ في كلية التريبة بجامعة أنقرة، البروفسور إِلْبَر أورتَيْلا (Prof. Dr ilber ortaylı) والصحافي الخبير بالشئون التاريخية مراد بردقچى (Murat Bardakçı)، وقد أكدا على أن السُّلطان فَعَلَ هذا أيضًا مع ابنه الأمير «بايزيد» وهو في عمر السَّابعة، ثم مع ستة حفدة، وإن كان يعود الأمر إلى قانون «نامة فاتح» (Fatih Kanunnamesi)الذي أصدره السلطان فاتح محمد سلطان الشهير بمحمد الفاتح، والذي كان يُسوِّغ القتل «من أجل نظام العالم»(Nizam- i alem için) كما تقول إحدى مواده. وإن كان يشيران (أي إِلْبَر أورتَيْلا ومراد بردقچى) إلى أن هذا القانون ليس مقتصرًا على الدولة العثمانية وفقط، بل كان ساريًا شبيه له في كل الممالك الأوربية. وفي نهاية قوله أكّد «كوز» على إصراره على زيارة قبر الأمير مصطفى ووضع وردة بيضاء كلّ يومٍ حتى تفصل المحكمة في القضية.
بين ليلة وضحاها نبش المسلسل الماضي مِن جديدٍ، فخرجت المظاهرات في إسطنبول عند مسكن أحد حفدة السلطان المعزول عبد المجيد آخر سلاطين الدولة العثمانية قبل سقوطها على يد النظام الكمالي (نسبة إلى مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك)، تُندِّد بما حدث في الماضي، وهو ما أعاد إلى الأذهان حالة الجدل التي صاحبتْ عرض الجزء الأوّل وأعادت المسلسل إلى دائرة السّياسة التي دخلها مِن قبل يوم أن اعترض رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على مضمونه ووصفه بأنّه «إهانة للسلطان ويشوِّه التاريخ التركي أمام الأجيال القادمة»، وإن كان اعتراضه جاء عقب عتاب الرئيس المصرى المعزول محمد مرسي أثناء زيارته إلى مصر بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، قائلاً له: «إنه من غير اللائق أن يصوَّر السّلاطين العثمانيون بهذه الصّورة، داخل قصور فارهة يتلاعب بهم حريمهم وأبناؤهم، وأن التاريخ العثماني جزءٌ من تاريخ الأمة الإسلاميّة الذي يعتز به المسلمون جميعًا» وهو ما استغله جيدًا رئيس الوزراء فقام بمهاجمة العمل في معرض دفاعه عن التقاليد التركيّة والقيم والمبادئ التي يُسوِّق بها لسياسته ولحزبه التي لاقت قبولاً كبيرًا لدى المجتمع التركي.
لم يقتصر الجدل على السياسيين وفقط، بل شمل أطيافًا عِدّة، فأساتذة التاريخ الإسلاميّ انقسموا أيضًا بين رأي يؤكّد هذا الجانب في شخصية السُّلطان سليمان القانوني مع اعترافهم بإنجازاته السياسيّة والحربيّة والتوسعيّة، وبين آخر مُنْكِر للأمر تمامًا، واصفًا أحداث المسلسل بالمبالغة وعدم المنطقية، أما على مستوى الأوساط الشعبية التركيّة خاصَّة بين طلاب مدارس الأئمة والخطباء وكليات الإلهيات، فثمة إجماع على رفض ما جاء في المسلسل جملة وتفصيلاً، بل يصفون أحداثه بالكذب والافتراء على سلطان يصفون عصره بأنه عصر العظمة، وفي أحاييت كثيرين تصل حالة الرفض إلى الغضب الشَديد بمجرد ذكر اسم المسلسل. وهو ما قاد أنصار هذا الفريق في وقت سابق إلى رشق القناة التركيّة (Show TV) التي كانت تعرضه بالبيض، وفي ذات الوقت تمّ تقديم أكثر من 750 ألف عريضة ضد المسلسل، بحجّة تشويه التاريخ، وتحت الضغط الشعبي وقبلها الرّسمي أصدر المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون التركي (RTÜK) بيانًا جاء فيه «أن المحطة التي تعرض المسلسل بثّت حقائق مغلوطة عن حياة السلطان الشخصية، وبالتالي لا بدّ مِن تقديم اعتذار للشعب التركي»، وهو ما جعل أصحاب العمل يخرجون عن صمتهم بالدفاع عن المسلسل.
وفي ظلّ أزمةٍ سياسية داخلية كانت تجتاح البلاد سبقت الانتخابات البلدية (التي فاز بها حزب أردوغان بنسبة تفوق التوقعات الداخلية والخارجية أكثر من 46%)، بدأت عواصفها مبكرًا منذ أحداث حديقة جيزي في حزيران الماضي، ثم ما تلاها من إعلان رئيس الوزراء الحرب على الجماعات الدينيّة خاصة الحركة التي يتزعمها «فتح الله گولن» المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، كان أشدُّها وطأة هي سلسلة الفضائح التي ظهرت على السطح بعد توجيه اتهامات رسيمية لبعض وزراء ضالعين في حكومة حزب العدالة والتنمية، بالفساد واستغلال النفوذ، وهو ما قابله رئيس الوزراء بتغيير وزاري محدود، ثم أعقبه بحركة تطهير واسعة شملت جهازي الشُّرطة والقضاء بتغيير المدعي العام، وقد سبقها استقالة لاعب الكرة الشهير خاقان شُكور(Hakan şükür) من الحزب. وفي هذه الأحداث الملتهبة والمتلاحقة التي سبقت الانتخابات، طفى مشهد القتل مِن جديد، حتى أن أحد المنتمين للمعارضة حاول استغلاله بإسقاط هذه الحادثة التاريخية على ما يجري حاليا في تركيا.
ردود الفعل حول الحلقة الأخيرة، أخذت أبعادًا أخرى في برامج التوك شو، حيث تساءل البروفسور Ahmet şimşirgil أحمد شِمْشِرقل أستاذ التاريخ في كلية الآداب والعلوم بجامعة مرمرة، في حلقة خُصصت بالكامل عن «لماذا أُعدم الأمير مصطفى؟» في برنامج أسبوعي بعنوان «التاريخ والحضارة» وقد دلَّل البروفسور عن أسباب القتل وأرجعها إلى تنامي الإشاعة برغبة الأمير مصطفى في خلافة أبيه بإسقاطه، وهي ما أيدها برواية الصدر الأعظم «روستم باشا» (1500 – 1561 م) عند مرض السلطان ورفضه توليته مَن ينوب عنه قيادة الجيش كعادته، فلما وجد تذمّر الجيش ومطالبتهم بمصطفى عاد روستم باشا دون أن يُكْمل مهمته إلى الشرق (إيران)، إضافة إلى دور روستم ذاته بأن أوغر صدر السلطان ضد ابنه عندما كان مصطفي يقود جيش الدولة العثمانية في محاربة الصفويين، فأرسل له رسالة أخبره فيها «بأن ابنه يعتزم اغتصاب الخلافة كما فعل جده سليم الأول بأبيه بايزيد وهو يحرِّض الإنكشارية على ذلك». ومنها أيضًا ورود بعض الرَّسائل الخاصة إلى والي «ديار بكر» في أقصى الجنوب موقَّعة مِن الأمير مصطفى يسأله «مَع مَنْ أَنْتَ؟» وهو ما تكرّر مع والي «أرضروم»، كُلّ هذه الدوفع كانت سببًا لاتّخاذ السلطان القرار، الذي دفعه إليه قائد الجيش روستم باشا وزوجة السلطان حُرَّم سلطان (Hürrem sultan) نفسها، وعَسْكَر الجيش وقبلهم رغبة مصطفى نفسه عندما أفصح لأبيه عن قدرته إذا توَلَّى أمر الجيش بإحضار الشرق كله تحت قدميه وهو ما أغضب السلطان ونهره بألا يتحدثّ في هذا الأمر. وختم البروفسور أن ظروف الإشاعات كانت مهيّأة منذ عام 1542 لقتل مصطفى ومع إن السلطان كان يدفع الفكرة عن عقله دفعًا شديدًا، إلا أنه امتثل للأمر خوفًا على تداعي وانهيار الأمبراطورية بالتأمرات التي قادها مصطفى من خلفه حسب الرّسائل التي يؤكِّد البروفسور على أن معظمها كان مدسوسًا وليس صحيحًا. ومازال حتى اليوم الجدل قائمًا بين مؤيد للإعدام وبين رافض له، إلا أن كليهما يؤكدان بشاعة المشهد، خاصة كما تقول الوثائق أن السلطان كان على رأسه.
الجدير بالذكر أن إدارة الإنتاج بصدد إنتاج فيلم عن الأمير مصطفى (شيخ زاده) بعنوان الأمير المظلوم سيكون بمثابة ردّ الاعتبار للأمير الذي فَقَدَ حياته على يديّ أبيه .
عن أحداث المسلسل وتصويبات :
المسلسل تناول قصة حياة السلطان العثماني سليمان القانوني، في القرن السّادس عشر. مُسلِّطًا الضوء على حياته الشَّخصية والخفايا التي كانت تدور في قصره، وصراع الجواري داخل الحرملك. وهو من تأليف كاتبة الدراما التركية الرَّاحِلة «ميرال أوقاي» (Meral okay)، التي توفيت قبل سنة عن عمر يناهز 52 سنة. ومن إخراج الأخوين يغمور ودورال تيلان(yağmur taylan,ve durul taylan). أما البطولة فيتقاسمها الممثل التركي القدير خالد أرغنش (Halit Ergenç)، الذي جسّد دور السلطان سليمان القانوني، والممثلة الألمانية ذات الأصول التركية مريم أوزيرلي (Meryem Uzerli)، التي جسّدت دور الجارية الروسية «روكسلان – اكسندرا» التي عرفت بـ «حُرّم سلطان»، وإن كانت مشهورة في النسخة العربية بالسلطانة «هويام»، ونظيرًا للنجاح الذي حققته السلسلة شارك النجم العالمي «براد بيت» كضيف شرفٍ يظهر في بعض مشاهد العمل ويؤدّي فيها دور أحد أمراء الحرب الأوروبيين الذين يحاربهم السلطان سُليمان، وقد قالت الصحف التركية أن براد بيت سيحصل على 2 مليون دولار مقابل مشاركته في هذا العمل، بالإضافة إلى نجوم الدراما التركية. يعدُّ المسلسل من أضخم المسلسلات التركية إنتاجًا، حيث تبلغ تكلفة الحلقة الواحدة 500 ألف دولار في المتوسط،.فبعض أحداث المسلسل صورت في كان بفرنسا. كما يحتوي ديكور قصر «توب كابي» الفخم المكوَّن من 15 غرفة على أرضيات من الرخام الحقيقي، وأعمال خشبية مصنوعة يدويًا، وقاعة عرش أوروبية مقلَّدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية