الفلسطينيون شعبا وفصائل ورسميا حولوا هذه الجريمة المؤلمة إلى أكبر موجة لإدانة الاحتلال، كما أنهم تمكنوا من جعل الحدث أداة لتوحيدهم كمواطنين وأحزاب وأديان وجغرافيا.
رام الله ـ «القدس العربي»: يسأل الشاعر والكاتب الفلسطيني تميم البرغوثي: «منذ متى تخجل إسرائيل من الجرائم؟» ويجيب إنها تقتل الصحافيين ليس لكونها تمارس الجرائم وتريد إخفائها بل لأن تغطيتهم الصحافية تجعلهم يكشفون فشلها.
ويضيف البرغوثي في فيديو قصير، أن الشهيدة أبو عاقلة قتلت أثناء تغطية فريق «الجزيرة» لاقتحام مخيم جنين عام 2022 وقبل 20 سنة وتحديدا في عام 2002 كان فريق «الجزيرة» يغطي اقتحام قوات الاحتلال لمخيم جنين، وكل اقتحام جديد يقوم به جيش الاحتلال هو دليل على فشل الاقتحامات التي سبقته، ويمكن القياس على ما تفعله إسرائيل في كل سياساتها، حيث تعتبر جميعها مكررة، فيما يعتبر تكرارها دليل فشله.
وبرأي البرغوثي فإن قتل أبو عاقلة لا يخلو من عُصاب، فكل حكومة إسرائيلية تقتل وتمارس القمع الوحشي كي تكسب ود ناخبيها كي لا يصبح مصيرها نفس مصير سابقتها.
وأكد أنه عندما عجزت إسرائيل عن التعامل مع حالات المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس، قررت أن تقتل من يقوم بفضح حالة عجزها، مشيرا إلى أن إسرائيل كفكرة فشلت، فإن تعمل على مدار 20 سنة على اقتحام نفس المخيم هو دليل فشل.
وحالة فضح الفشل الإسرائيلي اليومية التي قامت بها الشهيدة شيرين أبو عاقلة أسوة بوسائل إعلامية فلسطينية وعربية هي السبب الرئيسي لاستهدافها ولمحاولة تغييبها وإخفاء صوتها. وبالتالي يكون السؤال حول: ماذا يفعل الفلسطينيون لأجل استعادة هذا الصوت وتلك الروح الشجاعة؟ أو كيف واجه الفلسطينيون هذا التغييب القسري والمؤلم والمفجع؟ وكيف قرأ الخبراء والمهتمون سلوك الفلسطينيين أنفسهم في تعاملهم مع رحيلها؟
من تابع تعاطي الفلسطينيين شعبيا وفصائليا ورسميا سيجد أنهم حولوا هذه الجريمة المؤلمة إلى أكبر موجة لإدانة الاحتلال، كما أنهم تمكنوا من جعل الحدث أداة لتوحيدهم كمواطنين وأحزاب وأديان وجغرافيا فلسطين التاريخية.
فالقدس، مسقط رأس الشهيدة، والتي كانت أمنيتها أن تراها دوما مدينة سعيدة بأهلها وزوارها، لم تكن عربية مثلما حدث يوم التشييع المهيب والحاشد رغم كل إجراءات الاحتلال، وهو يوم وصف فيه أستاذ الإعلام الفلسطيني نادر صالحة جنازة شيرين بمثابة «قُداسُ أَحد كَبير في يوم الجمعة».
الباحث معز كراجة رأى أن ما أنجزه الفلسطينيون اليوم «أكثر من جنازة». إنه بيان سياسي موقع من الشعب الفلسطيني، يعاد فيه تعريف فلسطين كاملة مكتملة، بعيدا عن الشرذمة.
ويقصد كراجة هنا مطالب الاحتلال واملاءاته فيما يخص سياسات رفع العلم الفلسطيني على جثمان الراحلة ورفض نشر بوسترات نعيها.
وتحولت شيرين رمزا وطنيا تماما كما هو العلم، وإلا كيف يمكن تفسير قيام قوات الاحتلال منذ بعد عصر الخميس الماضي بمطاردة كل من يقوم بتعليق منشورات تحمل صور الشهيدة؟
أما الكاتب الفلسطيني محمود أبو هشهش فيعود للوراء قليلا لقراءة مشهد التشييع لأبو عاقلة فيقول إن الروح العظيمة التي بعثتها هبة الشيخ جراح في الشعب الفلسطيني أيار/مايو عام 2021 لم تستحضرها شيرين من جديد فحسب، بل دفعت بها أعلى وأعلى، وعززت ثقة هذا الشعب بنفسه وشحنته بالمعنى، وأنه قادر على فعل ما كان يبدو، حتى وقت قريب، ضرباً من المستحيل.
وتابع أبو هشهش: «اليوم أمست شيرين محطة تاريخية هامة، وجزءاً أصيلاً من ذاكرتنا الجمعية، وسوف نظل نشير إليها غداً كلما أردنا استحضار بطولة هذا الشعب وعظمته، ووحشية الاحتلال وهمجيته».
وبالنسبة لصديق أبو عاقلة الصحافي محمد دراغمة فإن جنازة شيرين كانت حدثا وطنيا وسياسيا وإنسانيا وإعلاميا ودبلوماسيا.
وأكد دراغمة أن إدارة الجنازة كانت شكلا من أشكال الصراع على هوية القدس ومظاهر السيادة فيها، لهذا حاولت السلطات إزالة كل علم فلسطيني ومنع كل هتاف لفلسطين وضد الاحتلال، كما كانت الجنازة فعلا وطنيا على مدار أيامها الثلاثة، حيث شاركت فيها مختلف فئات وطوائف وقوى ومؤسسات الشعب الفلسطيني.
وتابع: «في الجنازة دقت أجراس الكنائس من مختلف الطوائف في وقت واحد وأدى فيها المسلمون صلاة الغائب على روحها. وإنسانيا؛ كانت جنازة شيرين بحرا من الناس وبحرا من الدموع».
وفيما يخص الشق الإعلامي عكست جريمة اغتيال أبو عاقلة صراعا طويلا على الرواية والحقيقة، صراعا غالبا ما كان الفلسطينيون ضحاياه وتحديدا على المستوى الدولي.
وأكد دراغمة أن الصراع على الرواية هذه المرة كان عبارة عن ساحة إعلامية مفتوحة على مصراعيها على العالم من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه. وهو أمر تكثف في الشق الدبلوماسي، حيث كان الحضور الدبلوماسي الدولي في الجنازة وطبيعة الردود الدولية كافية للدلالة على المأزق الدبلوماسي الذي وجدت إسرائيل نفسها فيه بعد هذه الجريمة.
أما الناطق باسم الحكومة الفلسطينية إبراهيم ملحم فاعتبر أن كل سياسات الاحتلال بحق أبو عاقلة هي فعل ملاحقة واغتيال من القتلة، بينما ترقد هي بسلام في نعشها.
وسأل ملحم ما الذي كانت لتقوله شيرين لو أنها نهضت من نعشها، ورأت قتلتها المجرمين المعروفين بسيمائهم، وهراواتهم، وأحقادهم، يلاحقونها حتى وهي في نعشها تزف إلى مرقدها راضية مرضية في شوارع المدينة المقدسة التي ولدت فيها وتوسدت مخدة من تراب أرضها الطهور؟
وأضاف: «كيف لا يغتاظ قتلتك منك وقد ظنوا أنهم بقتلهم لك قد تخلصوا منك وإذا بك تقاتلينهم وتربكين كل أدوات دعايتهم، وتكشفين للعالم زيف روايتهم المثقوبة، وهشاشة مواقفهم المرتبكة؛ التي جعلتهم موضع سخرية، وتندر بين العالمين».
ومن على قبر أبو عاقلة في مقبرة جبل صهيون بالقدس وقف ملحم إلى جانب حشد كبير من الصحافيين مؤكدا أن المجد من نصيب أيقونة فلسطين، فارسة الإعلام والوطن. وفي رأي المحلل السياسي عصمت منصور فإن أبو عاقلة فصل طويل جدًا ومؤثر في حياة كل فلسطيني. ليس فقط في حياتها وسيرتها بل واستشهادها وجنازتها.
وأضاف: «شيرين حتى بموتها وجنازتها قدمت لشعبنا رمزا نتوحد خلفه، وقدمت للقدس لحظة جسدت عروبتها ولبست فيها هويتها مثل ثوب مطرز بكل معاني وجودنا، كما قدمت للسياسيين الفلسطينيين نقطة انطلاق متقدمة، واهتماما دوليا وإعلاميا ومؤسساتيا غير مسبوق».
وفي الجانب الآخر والحديث لمنصور «حشرت شيرين المجرمين في أضيق زاوية وعزلتهم، وهو ما يجعلهم بحاجة لمن يمدهم بحبل النجاة كي ينقذهم وهو أمر قد يحدث في حال كانوا جزءا من التحقيق في جريمة إعدامها».
وأكد أن «انهيار الرواية الإسرائيلية، لن تقتصر تداعياتها على قضية أبو عاقلة بل على مجمل سردية الاحتلال».
ويرى خبراء إعلاميون أن هذا المدخل يعتبر مكسبا ثمينا للقضية الفلسطينية على اعتبار ما جرى لأبو عاقلة حدثا فارقا يمكن أن يبنى عليه ليس إدانة قتل الصحافيين والاعتداء عليهم بل وإدانة الاحتلال القمعي في الأراضي المحتلة.
في انتظار التحقيق
وإن كانت فلسطين قد انتصرت في أيام تشييع جنازة الشهيدة فإن معركة مقبلة لا محالة ستدور رحاها في المحافل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية في محاولة إدانة الاحتلال ومنعه من الإفلات من العقاب كما في المرات السابقة، وهو الأمر الذي يشدد عليه مراقبون ومهتمون بضرورة عدم التهاون معه أو التساهل أو الانصياع للضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
وبدورها أكدت النيابة العامة الفلسطينية على استمرار الإجراءات التحقيقية في الجريمة التي وصفتها بـ«النكراء» حيث خلصت التحقيقات الأولية الى أن مصدر إطلاق النار الوحيد في مكان الجريمة كان من قوات الاحتلال لحظة إصابة شيرين أبو عاقلة.
كما أشارت التحقيقات إلى تعمد قوات الاحتلال ارتكاب جريمتها حيث تبين من خلال إجراءات الكشف والمعاينة لمسرح الجريمة وجود آثار وعلامات حديثة ومتقاربة على الشجرة التي أصيبت قربها شيرين ناتجة عن إطلاق النار بشكلٍ مباشر باتجاه موقع الجريمة، وكذلك تمركز أقرب قوة احتلالية كانت تبعد عن أبو عاقلة عند إصابتها حوالي 150 مترا وكانت ترتدي الزي الصحافي والخوذة الواقية، وان إطلاق النار تجاه المكان استمر إلى ما بعد إصابتها ما أعاق محاولات الوصول إليها لإسعافها من قبل زملائها والمواطنين.
وأكدت النيابة العامة أن نتائج التقرير الأولي للطب العدلي تشير إلى ان سبب الوفاة المباشر هو تهتك الدماغ الناجم عن الإصابة بمقذوف ناري ذو سرعة عالية نافذ إلى داخل تجويف الجمجمة من خلال جرح المدخل ومن ثم خرج المقذوف من داخل التجويف من خلال جرح المخرج وارتطم بعد خروجه في الناحية الداخلية من الخوذة الواقية وارتداده ليستقر داخل الأنسجة المتهتكة داخل الجمجمة.
مبادرات باسم الراحلة
وبعكس ما أراد الاحتلال الذي أعدم أبو عاقلة فإن ردود الفعل الكثيرة تتوالى في محاولة من مؤسسات ونقابات وجهود شعبية ورسمية تعزيز بقاء اسمها المرموق حاضرا بعد أن غيب الاحتلال جسدها.
وأول المبادرات كان إطلاق نقابة الصحافيين الفلسطينيين «مؤسسة شيرين أبو عاقلة الدولية لدعم الصحافيات» حيث أعلن نقيب الصحافيين ناصر أبو بكر أن «إطلاق هذه المؤسسة يأتي تكريما ووفاء لروح الصحافية الشهيدة لتلتحق بكوكبة من الشهداء الصحافيين الفلسطينيين الذين ارتقوا برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي وصواريخه».
وأوضح أبو بكر أن إطلاق هذه المؤسسة جاء بالتنسيق مع الاتحاد الدولي للصحافيين، وستعمل على دعم الصحافيات في فلسطين والوطن العربي والعالم وتمكينهن، وتخصيص جائزة سنوية باسمها.
ودعا أبو بكر إلى تضافر الجهود بين الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية، وعلى رأسها شبكة «الجزيرة» الإعلامية، لدعم هذه المؤسسة، وأن تكون شريكا في مجلس إدارتها الذي سيضم مؤسسات وشخصيات محلية وعربية ودولية.
وأكاديميا، أعلنت جامعة بيرزيت عن إطلاق جائزة «شيرين أبو عاقلة للتميز الإعلامي» لتكون جائزة سنوية تستهدف الإعلاميين الفلسطينيين، وتحفيز الإبداع والعمل الإعلامي النوعي الذي يتناول قصة فلسطين.
وتأتي هذه الجائزة التي سيعلن عنها في 11 أيار/مايو من كل عام، وهو تاريخ استشهاد الصحافية شيرين أبو عاقلة، كتكريم لدورها الوطني والإعلامي، حيث ساهمت في إيصال الصوت الفلسطيني للعالم عبر تغطية اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي المتواصلة على شعبنا.
كما أعلنت الجامعة عن تخصيص منحة دراسية سنوية باسم شيرين أبو عاقلة لإحدى طالبات الإعلام المتميزات أكاديميا، كتشجيع للتميز الأكاديمي الإعلامي بعنوان «منحة الشهيدة شيرين أبو عاقلة للتميز الأكاديمي في مجال الصحافة والإعلام». كما وأعلنت مؤسسة منيب وانجلا المصري عن تخصيص منحة جامعية باسم الشهيدة شيرين أبو عاقلة لدراسة الصحافة والإعلام لطالب واحد في كل جامعة فلسطينية بالإضافة إلى منحة دراسية أيضا في الجامعة الأمريكية في بيروت. وفي السياق ذاته أطلق اسم الشهيدة أبو عاقلة، على شارعين في مدينتي رام الله وجنين، بالضفة الغربية المحتلة. وما بين 11 أيار/مايو يوم إعدام أبو عاقلة و2 تشرين الثاني/نوفمبر حيث اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين، حديث كثير عن الحقيقة التي غابت بمقتل أبو عاقلة وعن الحقائق التي كشفتها الجريمة.
وسيكون أمام الفلسطينيين يوم اغتيال أبو عاقلة ذكرى مؤلمة، وفي اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب درس وتجربة مؤلمة وهو ما سيجعلهم يعملون جادين من أجل ضمان معاقبة القتلة. وإلا فسيكون الصحافيون الفلسطينيون بانتظار الجريمة المقبلة التي قد تغيب أي منهم.
وبحسب بيانات وزارة الإعلام الفلسطينية فإن عدد الصحافيين الذين اغتالهم جيش الاحتلال منذ الانتفاضة الثانية عام 2000 حتى اليوم 45 وصل إلى شهيداً. وتضمّ قائمة الشهداء على مدى 22 عاما، فيما توثق أرقام أخرى صادرة عن نقابة الصحافيين الفلسطينيين أن الصحافيين الذين استشهدوا على يد الاحتلال تجاوزا 55 صحافيا.
ولن تنتهي حكاية أبو عاقلة بعملية الدفن، فهناك بيوت عزاء في عموم مناطق فلسطين التاريخية وهي تعلن حقيقة أن فلسطين جسد واحد، وخلالها ستذكر مناقب الراحلة، وسيبدع الفلسطيني في تخليد من وحدته وخدمته من قلبها وبمهنية عالية.