إعدام صدام قرار امريكي
د. طاهر كنعانإعدام صدام قرار امريكي إعدام صدام هو ذروة الخلاف الصاخب حول مسيرة هذا الرجل، خلاف ما فتئ يتلاطم منذ اللحظة التي أحاطت القوات الأمريكية به وأوقعته في الأسر، وعبر مجريات الدراما/المحاكمة السياسية التي أدارتها قوات الاحتلال بشخوص وممثلين من صنائعها المحليين، والتي لم تنجح سوي في إعادة الاعتبار لرجولة وكبرياء الزعيم العراقي الأسير بعد أن اهتزت صورتيهما (الرجولة والكبرياء) حين فشل في الاستشهاد لحظة وقوعه في الأسر.أما الخلاف فكان في تقييم الرجل وسيرته السياسية، والذي تقابل فيه من مواطني الأقطار العربية طرفان: أحدهما طرف نخبوي جنح إلي تقييمه تقييماً سلبياً متفاوت في الشدة مع تفاوت الحقب والأزمنة، ولكن قواسمه المشتركة هي الاستبداد والقمع الدموي في الداخل والمغامرات العسكرية في الخارج (لا سيما الحرب ضد إيران واغتصاب الكويت)، يضاف إليها إجهاض الصمود والتصدي لإسرائيل بعامل الفشل في ممارسة الحلم والصبر إلي حين استكمال القدرات التقانية ومقوّمات الفعالية الاستراتيجية. أما الطرف الآخر الذي جنح إلي تقييم الزعيم العراقي تقييماً إيجابياً فهو طرف شعبيّ وشعبويّ في غالبيته، قواسمه المشتركة ما حققه نظام صدام ـ لا سيما خلال السبعينات والثمانينات قبل اغتصاب الكويت ـ من بناء قدرات العراق لاسيما في مجالات التعليم والصحة والإسكان، ثم في استيراد واستيعاب التكنولوجيا. كذلك جيّر المناصرون له نجاحاً لا بأس به في ترسيخ الأمن الشخصي للغالبية العظمي من العراقيين المبتعدين عن السياسة وصهرهم في بوتقة حدّ أدني من المواطنة العلمانية غير الطائفية. وظهر نجاح العهد الصدامي في كبح الطائفية من خلال الأداء الوطني للجيش العراقي، وبضمنه أعداد غفيرة من العراقيين الشيعة، في الحرب ضد إيران. بعد حرب تحرير الكويت، ثم حرب الحصار الاقتصادي، وفشل السياسة الصدامية في التعامل بدراية وكفاءة مع التحديات التي تفرضها الأوضاع الدولية في ظل الهيمنة الأمريكية، جنح تقييم صدام إلي ترجيح السلبيات وإضعاف الطرف المرجّح للإيجابيات، إلي أن وصل الأمر إلي الحرب علي العراق واحتلاله تنفيذاً للأجندة الصهيونية بالقضاء علي العراق كدولة وتقسيمه إلي كل عنصر وقومية ومذهب ديني قابل للقسمة، حتي ولو، بل لاسيما إذا استتبع ذلك قتل وإفناء أكبر عدد من العراقيين، وإغراق البلاد في حرب أهلية تنفخ فيها وتؤججها رياح العقائد الظلامية والإرهابية القادمة من الجنوب، ورياح الانتهازية المذهبية القادمة من الشرق.إن تنفيذ القتل في الزعيم الأسير فجر عيد الأضحي وفي الصميم من الأشهر الحرم هو كفر وهرطقة من أي مدّع للإسلام شأن حكومة المالكي. لكن قرار القتل هو قرار أمريكي سعي إلي إصابة عصفورين بحجر واحد: الأول، تزويد بوش ـ علي عتبة العام الجديد ـ بخبر إنجاز مهم واحد قادم من العراق وسط السلسلة المتصلة من أخبار الفشل والإحباط! والثاني، تغذية الحرب المذهبية بين الشيعة والسنة بكمية جديدة ضخمة من الوقود شديد الاشتعال. يتضح من الوقائع المشار إليها أنه مهما كانت مساوئ العهد الصدامي ومهما اشتدت الحاجة إلي تغييره، فإن الركون إلي الأجنبي لإحداث التغيير قضي علي جميع فرص الوصول إلي نظام صالح ومصالحة أهلية حقيقية، وأجهض إمكانية أن يقيم الشعب العراقي محاكمة موضوعية عادلة تضع إساءات العهد الصدامي في سياق الاعتراف والاستغفار التاريخي ضمن جهد مكثف للمصالحة الوطنية علي غرار محاكمات جنوب أفريقيا التي كانت وسيلة بالغة النجاعة لتضميد جراح الوطن وإقرار السلم الأهلي.إن المآتم و سرادقات العزاء التي أقيمت في العديد من المدن والبلدات العربية ومشاعر الحزن التي عمت جماهير عريضة من الشعوب العربية لمقتل صدام كانت لأن من قتل صدام لم يستهدف صدام الاستبداد والقمع بل استهدف صدام النضال من أجل بناء القدرة العـــربية المناهضة للصهيونية والاستعمار، ولهذا الســــبب بالذات استحق هذا القتيل أن يعدّ شهيداً ضمـــن قوافل الشهداء في سبيل ذلك النضال. ہ مفكر عربي مقيم في الأردن9