‘إعزاز’ بلدة سورية تستحق اسمها

حجم الخط
0

عبد الحميد عبود أنا في سوريا ،أنا حقا في سوريا، شلحتُ الشورت ولبستُ السروال، شلحت الشبشب وانتعلتُ البوسطار، أنا هنا في في دائرة الحرب وعليَّ ان أستعد لها شكليا على الأقل، هاهي ‘اعزاز’ قرية سورية حدودية تشتغل بالتهريب مع تركيا ولكنها الآن تشتغل بالثورة، ‘الجيش الحر داعس على رأس الأسد’ هذه أول عبارة صادفتني على حيطان الجمارك، الغرف المكيّفة التي كان يسكنها ضباط بعثيون مكرشون الآن يحتلها شبان متحمسون ولا عهد لهم بالبيروقراطية والبقشيش، ثمة حماس عفوي يذكرني ببواكير الثورة الفلسطينية، قلت لمأمور المركز الاعلامي ‘أنا انسان حر وواضع نفسي تحت تصرف الجيش الحر’ هذه ثورتي وحلم حياتي، أنا سوري رغم فلسطينيتي وأجيد استعمال السلاح كما أجيد استعمال القلم’ فنظروا لي باستغراب. المجاهدون عادة ما يكون لهم ذقون شرعية وليس شكل سياح، جاء شاب ملتح وقال ‘إصعد معي في السيارة’ فصعدتُ، سرنا في عتمة كالحة، قال لي نضمك إلى الكتائب الاسلامية، الذقون تخيفني كما يخيفني شبيحة النظام، شعرت بالحرج فقلت ‘ما عندي مانع ولكني لا أصوم ولا أصلي’، اهتزت السيارة من المفاجأة ،’ كيف رايح للجهاد وأنت لا تصوم ولا تصلي، ولماذا تجاهد أساسا؟ قلت ‘في سبيل الحرية وفي سبيل سوريا ‘ فافهمني بنبرة شرعية ان الجهاد لا يكون الا في سبيل الله ‘، قلت له ‘هذا البلد هو بلد السني والعلوي والمسيحي والدرزي والكردي’ قال لي غاضباً ‘إنزل من السيارة ‘، فنزلتُ في عز الليل ووجدتني في طريق وعر مهجور، ليس من الكياسة أن تكون وحدك على خط التماس حيث لا يتجرأ إثنان ان يمشيا ،لكني لم أقطع أربع الآف كيلومتر من أجل ان أرجع، أنا عنيد وحيثما ذهبتُ أذهب بكل قلقي، السير على الطريق المهجور كالسير على نصل الموس، العتمة أمامك والعتمة خلفك فعلى أي جانبيك تميل؟ ولا يهم أنك تمشي ببطء، ولكن المهم هو ألا تتوقف .توقف لي موتورسيكل سألني راكبه عن وجهتي، قلت ‘اعزاز ‘، ‘هكذا وحدك’، ‘نعم وحدي’، قال لي ‘حظك كويس ولو وقعت بيد شبيحة النظام لذبحوك ‘، أردفني خلفه وقادني إلى بيته، كان ثمة نفر من الأشخاص وضعوا قدامي صحون الفستق الحلبي والبطيخ والسجائر، السوري قلبه فلسطينيي، والشيخ عز الدين القسّام علمنا ان الجرح العربي لا يتجزأ، من النقاش أدركتُ ان شباب اعزاز ناضج وواع ومنفتح وعطشان للحرية، وهم يتكلمون كنت أخالهم في الثلاثين ولكنهم لم يبلغوا العشرين، الثورة أنضجتهم قبل الأوان، من يسمع كلامهم يحسب ان سوريا كابوس كافكاوي يمتد من درعا إلى القامشلي إلى دير الزور ومن حلب الى تل كلخ، النظام تركيبته أمنية في كل محافظة (وأحيانا مدينة) يوجد خمسة أفرع أمنية وهي المخابرات الجوية، الأمن العسكري، أمن الدولة، الأمن الجنائي، الأمن السياسي، بالاضافة إلى المخفر، (وهؤلاء الجلاوزة الأمنيون غالبا ما يتنافسون فيما بينهم للاستحواذ على الفريسة وخاصة اذا كانت دسمة ومن الصنف الذي يدفع اكرامية وحلوان الخروج) النظام يريد ان يكسر عين الشعب ولكن وحشيته تفعل المفعول العكسي، النظام يستشرس وهذا من علامات نهايته، وكان السؤال الذي يتردد دائما ‘هل اسرائيل تضرب الفلسطينيين بهذه الوحشية؟ لا يمكن المفاضلة بين السل والطاعون ولكن ظلم ذوي القـــــربى أشد مضاضة، ومن هنا نقمتهم على النظــــام، النـــظام الناقم على اعزاز لأنها بؤرة الثورة في ريف حلب ،كان يحاول إذلالها بقطع الماء والكهرباء والانترنت، ومن خلال الاعتقال التعسفي، الجيش النظامي اقتحمها وأحد الحلونجية كان يعرف ان الجنود سيمارسون نهب المحلات فسمّم حلوياته. باسل مرعنازي اول شهيد سقط في المظاهرات وأسقط حاجز الخوف والمظاهرات صارت يومية، القناصة والشبيحة فيما بينهم كانوا يتراهنون على علبة دخان لمن يقدر ان يصيب ذلك المواطن العادي الذي يعبر الشارع، معركة الثوار للسيطرة على مقر الأمن العسكري (الباستيل الاعزازي) دامت 21 يوما، بعد قصف البلدة بالطيران قالت قناة الدنيا المؤيدة ان اعزاز أصابها زلزال (حتى غوبلز لا يستطيع ان يجيد أفضل من هذا) في المقبر ة المرتجلة قبور جماعية وقبور فارغة تنتظر شهداء مقبلين وكل الموتى (وعددهم يفوق المئة) ماتوا في يوم واحد 15 آب، هذا لا يحدث الا في سوريا، سوريا الأسد، النظام خسر المواجهة المباشرة فقصفها بالطيران، استأسد عليها من فوق، حولها إلى مدينة أشباح مشرّعة بوجه الموت، حتى عشيرة العجيل المؤيدة للأسد قُتل بعض أفرادها في الغارة الجوية فصارت معارضة، الأهالي يخشون غــــارة جديدة مفاجئة تحوّل العيد إلى مأتم، احدهم من شدة جزعــه صار يرتعد من صوت محرك السيارة، آخر صار ينقـــز من رؤية المئذنة لأن قناصة النظام كانوا يتمترسون بها، البـــلدة تبدو فقيرة، البيوت بائسة باستثناء بعض دور المتنفذين وكبار مهربي المازوت الذين كتبوا على قصورهم ‘هذا من فضل ربي’. على الحيطان تستطيع ان ترى الشعارات الشعبية ‘ المارد يخرج من القمقم، سوريا بدها (تريد) حرية، حرية وبس، ‘يسقط النظام والصفيقة’، الموت ولا المذلة’، ثمة شعارت كتبها الشبيحة ‘الأسد او لا أحد ‘، ‘الله للعبادة والأسد للقيادة’، ‘شبيحة للأبد لأجل عيون الأسد’، ‘الأسد او نحرق البلد’، حيثما توجهنا نجد الدمار، الدمار أيضا وأيضا، الروس كذلك يريدون أن يجربوا سلاحهم الجديد في لحم الشعب السوري، يبدو ان الناس تعودت على منظر الموت فصار روتينا، وجنازات الشهداء تأتي من كل صوب لتصب في المقبرة، مدفعية النظام المتمترسة في مطار ‘منَغ’ القريب قصفت حتى المشيعين فقتلت منهم ثلاثة، الطحين مفقود والمازوت والمواد التموينية وجرة الغاز تباع بالعملة الصعبة، الوضع كارثي والحرب خلفت جيشا من الأرامل والثكالى، عمال النظافة هجروا اعمالهم فتحولت البلدة إلى مزبلة كبيرة، الاطباء تخاذلوا وغادروا البلدة باستثناء ممرض درعاوي أسمه ‘أنس’ رقى نفسه من ممرض إلى طبيب وقام بدور خارق لإسعاف الجرحى، الجرحى متروكون لمصيرهم والمصاب برجله قد يموت من شدة النزيف، الأصعبَ لم يأتِ بعد، أحيانا تتكون الحياة من شدة الموت، السوريون يعرفون أن الحرية إعرابها صعب وتتهجى مع الدم، لسان حالهم يقول ‘سنموت، سنموت كثيرا قبل ان نتحرر’، يعرفون بغريزتهم الثورية ان المعركة مع النظام شطرنجية، يقولون روسيا ضدنا والصين، ايران ضدنا وحزب الله، ومن هو معنا ليس حقا معنا لأنهم لا يزودنا بالسلاح اللازم، حتى تركيا لا تجيد أكثر من استقبال اللاجئين والجرحى، أما دول الخليج النفطية فمُغرِضة وتسعى دائما لتجيير الثورات لصالحها، يختمون بجبرية شرقية ‘الله وحده معنا’ لم يعودوا يميزون بين أعور الدجال والمهدي المنتظر، ‘الثورة السورية لا يمكنها ان تكون بيضاء بلا إراقة دماء لأن النظام يريد ان يرحل رحيلا يليق بمقامه (على جثث 17 مليون سوري) الجنرال الغضنفر ماهر الاسد قال مهددا ‘سنترك سوريا (وعدد سكانها 22 مليون نسمة) كما استلمناها ( خمس ملايين نسمة)، الشعب السوري كله منخرط في المعركة: الكبير والصغير السلفي والوطني والعلماني والتواق للحرية، المعركة غير متكافئة، والجيش النظامي يرد على الكلاشن بالهواوين والطائرات مما يضطر الثوار لأن يطبقوا تكتيك حرب الريف والمدن ‘أضرب وأهرب وناوش’، لكن حماس البدايات غالبا ما يتبدد فالثورة جميلة في الكتب والاشعار، حين تطول تصبح محبِطة، خاصة حين يخسر المواطن كل ما يملك وينام تحت شجرة زيتون هو وأطفاله، ويكتفي بالخبز والزعتر . ‘الثورة تجارة والانسان سلعة والوطن سوق’ تذمر أحد النازحين القرفانين من النزوح المتواصل، ‘لكن الحرية مخاض عسير، ثورة صعبة احسن من ثورة سهلة ‘جاوبه نازح آخر، ‘ان كان الاستمرار في الثورة شهادة فالانسحاب منها انتحار’ يعرف السوريون ان الثمن المطلوب غالٍ لأن الحرية التي تنتظرهم غالية وهذا هو ما يميز ثورتهم عن بقية الثورات العربية ،انها دفعت وحدها ضريبة أكثر من الكل مجتمعين ولم تصل بعد.’رحالة ومغامر فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية