مدريد ـ ‘القدس العربي’ ـ من حسين مجدوبي: قدم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ‘اعتذارا مبهما’ للتونسيين عن مواقف باريس تجاه انتفاضتهم التي أسقطت الدكتاتور زين العابدين بن علي، الأمر الذي جعل الكثير من الأصوات تنتقده ومن ضمنها الحزب الاشتراكي المعارض الذي اعتبر أن فرنسا لم تكن في الموعد التاريخي وتنقصها الشجاعة للاعتذار الكافي.
ونقلت عدد من القنوات التلفزيونية الفرنسية عبر الأقمار الاصطناعية وكذلك عبر شبكة الانترنت الندوة الصحافية التي أقامها الرئيس ساركوزي أمس الاثنين بمناسبة ترؤس بلاده مجموعة العشرين، وقدم خلالها عرضا لرؤية فرنسا للتطورات الاقتصادية والمالية في العالم علاوة على السياسة الخارجية للبلاد في عدد من المناطق الساخنة سياسيا مثل تونس ولبنان وساحل العاج. وركز ساركوزي على تونس بسبب الانتقادات التي وجهت لإدارته نظرا للتأييد المعلن لبن علي خلال الانتفاضة ومن ضمنها ما قامت به وزيرة الخارجية مشيل ماري أليوت عندما عرضت المساعدة الأمنية على النظام المنهار للقضاء على احتجاجات المتظاهرين.
واعتبر ساركوزي أن حكومته لم تكن واعية بمستوى اليأس المنتشر في صفوف الشعب التونسي، متذرعا بصعوبة التدخل في المستعمرات السابقة نظرا لحساسية الموضوع وما وصفه ‘بثقل التاريخ الكولونيالي’. وفي الوقت ذاته، اعتبر التداخل الإنساني بين فرنسا وتونس حالَ دون أخذ المسافة الكافية لتقدير الأوضاع، ومضيفا ‘كلما تدخلنا أكثر في الشؤون الداخلية للدول كلما كنا أقل تأثير، والتأثير سيكون أقوى من خلال الحوار’. ونفى تورط حكومته مع نظام بن علي مؤكدا أن فرنسا احتضنت جميع المعارضين الديمقراطيين باستثناء الإسلاميين الذين كانوا في لندن. وحول الاسلاميين، يرى أن خطر الإسلاميين يوجد في تونس ولكنه لا يمكن نهائيا أن يبرر الفساد الإداري الذي كان يشهده هذا البلد.
وكشف أن فرنسا ستعرض مساعدات عاجلة لتونس قائلا ‘طلبت من (رئيس الوزراء) فرانسوا فيون إعداد إجراءات ستقدم لتونس لمساعدة حكومة الوحدة الوطنية (التونسية) خاصة على الجانب الاقتصادي’، واستطرد ‘أتمنى أن توضع هذه الإجراءات موضع التنفيذ بأسرع وقت ممكن’. ورغم محاولة إبعاد تهمة التورط مع النظام التونسي، إلا أن ساركوزي لم يكن مقنعا للكثير من السياسيين والاعلاميين والمعلقين الفرنسيين وفي الخارج. فقد كتبت جريدة ‘لوموند’ في موقعها في شبكة الإنترنت مساء أمس الاثنين أن ساركوزي تقدم باعتذار محتشم للغاية. ومن جهته، صرح الناطق باسم الحزب الاشتراكي المعارض، بينوا هامون لقناة التلفزيون ‘إيتيلي’ أن ‘الحكومة الفرنسية اختارت تأييد دعم بن علي عندما كان هذا يقمع بالرصاص الحي المتظاهرين’، واعتبر أن فرنسا لم تكن ‘في موعدها مع التاريخ’ بتخليها عن دعم التونسيين ولم تكن للرئيس الشجاعة لتقديم اعتذار كامل. وبدوره، يرى المحلل كريستيان ماكاريان أن الرئيس ساركوزي يختبئ وراء العلاقات الكولونيالية لتفادي الاعتراف بسوء تقدير الأوضاع في تونس.
وفي الوقت ذاته، خلفت تصريحات ساركوزي امتعاضا في صفوف الكثير من نشطاء حقوق الإنسان والمدافعين عن الديمقراطية لا سيما الشباب في مواقعهم في فايسبوك لأنه تطرق للفساد في تونس وعزمه على محاربة الأموال التي هربت من هذا البلد نحو فرنسا، ولكنه لم يتحدث نهائيا عن الأموال التي تهرب من الجزائر والمغرب.
ويحضر الموضوع التونسي بقوة في الساحة السياسية الفرنسية بسبب الموقف الذي اتخذته حكومة باريس تجاه الأحداث حيث لم تكن في مستوى ما تعلنه من مبادئ إنسانية التي تتجلى في الدفاع عن حقوق الإنسان ودعم الديمقراطية ثم نهجها سياسة الكيل بمكيالين من خلال التنديد بخروقات حقوق الإنسان لبعض الدول مثل إيران وعدم التنديد بخروقات دول أخرى قريبة منها مثل المغاربية.