لا يكاد سجال بين الإعلاميين الجزائريين والمغاربة يفتر، حتى ينطلق سجال آخر أكثر ضراوة، تحت غطاء نقاشات تبدو ظاهريا بعيدة عن السياسة، لكنها منغمسة فيها حتى النخاع.
والمثير للانتباه أن الرياضة لم تسلم هي أيضًا من التكييف السياسي للمناوشات الكلامية بين الطرفين، مثالُ ذلك النقاش الذي يدور هذه الأيام على خلفية تصريحات أدلى بها صحافي جزائري تقاعد أخيرًا من العمل في إحدى القنوات الرياضية العربية، فصار يشير باللمز والهمز إلى المغرب.
استضافته قناة محلية لتقييم حصيلة بلاده في مجال كرة القدم باستحضار الإقصاء من التأهل بنهائيات «مونديال» قطر الأخير، فاختار أن يعرّج على إنجاز منتخب «أسود الأطلس» في كأس العالم، ويقلل من قيمته التي شهدت بها جماهير عربية وغربية وآسيوية، لقد زعم الإعلامي المتقاعد أن «جيراننا»ـ إشارةً إلى المغاربة ـ لجأوا إلى «الكولسة» من أجل التأهل في تلك البطولة العالمية. واستعمل عبارة «النكسة» لوصف ما حصل للمنتخب الجزائري، مرددا: «كان من الممكن أن نروح إلى نهائي كأس العالم، أكثر من المغرب… كان ممكنا أن نروح بعيدا».
وتوالت ردود الفعل والتعليقات على هذا الكلام من لدن رواد شبكات التواصل الاجتماعي، لكن أهمها وأكثرها رزانة ما جاء على لسان نجم قناة «ميدي 1 تي في» نوفل العواملة، الذي تحدث بلغة راقية عن الإعلامي الجزائري صاحب تلك التصريحات، وعاتبه بلطف قائلا إن «المهنية لا تتجزأ، لا يمكن أن تكون مهنيا خلال عملك في قناة تلفزيونية رياضية، وأن تكون غير مهني خلال استضافتك في برنامج حواري على قناة محلية.» وتساءل عمّا إذا كان الصحافي/ ضيف البرنامج الحواري يوقّع على ورقة التزامات قبل ولوج الاستوديو، تفرض عليه التخلي عن المهنية والهجوم على المغرب، بهدف استثارة الجمهور المغربي من جهة، ومن جهة ثانية جذب الجمهور الجزائري الذي أصبحت المادة الإعلامية الأساسية المقدمة له هي مهاجمة «الجيران»؛ بحسب تعبير نوفل العواملة.
إقحام السياسة في الرياضة
سجال آخر أسهم في إذكاء فتيل المشاعر على شبكات التواصل الاجتماعي. يتعلق الأمر بالتصريحات التي أطلقها جبريل رجوب، وزير الشباب والرياضة الفلسطيني، ورئيس اللجنة الأولمبية الفلسطينية، أثناء وجوده في الجزائر بمناسبة الألعاب الرياضية العربية، فحين حاورته قناة تلفزيونية جزائرية، قال إن «الاستفتاء هو من يحسم إن كانت الصحراء مغربية أم جزائرية».
متتبعون استغربوا من هذه التصريح، بحكم أن من ينازع المغرب في السلطة على الصحراء هي جبهة البوليساريو، وإن كانت هذه الأخير مدعومة من طرف الجزائر. «الرابطة المغربية للصحافيين الرياضيين» سارعت إلى إصدار بيان أعربت فيه عن شجبها القوي واستنكارها الشديد لتلك التصريحات التي اعتبرت أنها «تتجاوز المواثيق الأولمبية التي تفرض الحياد، وإبعاد كل ما هو سياسي عما هو رياضي»؛ مشددة على ضرورة أن ينحاز المسؤولون العرب، لا سيما في الشأن الرياضي، إلى ترسيخ قيم الوحدة والتضامن بين الشعوب العربية.
وفي محاولة لتطويق حدة ردود الفعل الناتجة عن التصريحات المشار إليها التي جرى تداولها على نطاق واسع عبر «اليوتيوب» وصفحات التواصل الاجتماعي، قال جمال الشوبكي، سفير دولة فلسطين في الرباط، إن تصريح جبريل الرجوب «ربما فُهم بشكل خاطئ». ونقلت عنه صحيفة إلكترونية قوله إن فلسطين من حيث المبدأ لا تتدخل في أي خلاف عربي-عربي، وأن موقف بلاده في هذا الصدد لم يتغير. وأكد أن السلطة الفلسطينية تؤيد قرارات الأمم المتحدة والجامعة العربية التي تشدد على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والرفض التام لدعم تشكيل الجماعات والميليشيات المسلحة الخارجة عن نطاق مؤسسات الدولة، وفق ما أوردت صحيفة «هسبريس».
الكرة تستهوي النساء أيضا!
لم تعد مشاهدة مباريات كرة القدم في المغرب مقتصرة على الشبان والرجال، فقد أصبحت الفتيات والنساء يعشقن «الساحرة المستديرة»، ويحرصن على متابعة العديد من المقابلات، إما عبر شاشة التلفزيون، أو من خلال مدرجات الملاعب. ولعل من أهم أسباب هذا العشق الأداء المشرف الذي أظهره منتخب «الأسود» خلال مباريات كأس العالم لكرة القدم، حيث وصل إلى مراتب متقدمة ومشرفة جدا.
وتوالت المحطات التي ظهرت فيها المرأة بجانب الرجل أثناء متابعة مباريات كرة القدم، إذ لوحظ أن المقاهي المغربية صارت تمتلئ بهم وبهنّ، الآباء بجانب أبنائهم وبناتهم، والأزواج بجانب زوجاتهم. الكل يعيش لحظة التشويق والحماس الجماعي.
حصل ذلك أثناء مشاركة المنتخب المغربي لأقل من 17 سنة في تصفيات كأس إفريقيا للأمم التي جرت أطوارها في الجزائر.
واستمر مع تتويج المنتخب المغربي لأقل من 23 سنة بلقب كأس إفريقيا لهذه الفئة، وهو الاستحقاق الذي جرى في المجمع الرياضي في العاصمة الرباط.
وتمثلت المحطة الجديدة في تأهل «لبوءات الأطلس» إلى كأس العالم للسيدات التي ستقام في أستراليا ونيوزيلندا من 20 تموز/ يوليو إلى 20 آب/ أغسطس 2023، وبذلك يعتبر الفريق المغربي أول منتخب عربي يتأهل إلى الكأس في هذا الصنف، بعدما لاحقته الشائعات المغرضة التي زعمت كذبًا بأن لاعبات مغربيات انتهزن فرصة وجودهن في إيطاليا حيث واجهن منتخبها القومي النسائي، فهربن واختبأن هناك محاولين الهجرة السرية. إشاعة روّجها موقع إلكتروني «مزور»، لكنها سرعان ما قوبلت بالتكذيب من لدن اتحاد الكرة المغربي الذي أكد أن المنتخب المغربي سافر بجميع لاعباته إلى سويسرا، حيث واجه منتخبها القومي… وتبين أن أعداء النجاح يسعون إلى النيل من مثل هذه الإنجازات المتوالية.
«سر… سر» بلسان واحد!
خارج الانتشاء بالانتصارات الكروية، يبدو أن تزايد الاهتمام بكرة القدم في المغرب من طرف مختلف الشرائح مرده إلى عامل نفسي، يتجلى في البحث عن التنفيس والتعويض عن واقع اجتماعي متردّ بانتصارات رياضية.
بعبارة أخرى، ثمة أزمات اجتماعية خانقة تجسدها البطالة والزيادات المتوالية في أثمان المواد الاستهلاكية والظروف الاقتصادية القاهرة للطبقة الفقيرة والمتوسطة… وأمام ضغطها اليومي، يسعى المرء إلى البحث عن لحظة فرح مفتقدة، لا يشعر بها سوى بوجوده في فضاء عام (ملعب أو مقهى) وبين باقي المواطنين، حيث يسود الحماس وتعلو الهتافات بصوت واحد: «سِرْ… سِرْ» على منوال الشعار الذي اختاره وليد الركراكي، مدرب منتخب «الأسود».
وفي هذا الصدد، يرى الأكاديمي اللبناني مصطفى حجازي في كتابه «الإنسان المهدور» أن الملاعب الرياضية تحولت إلى ميادين لترديد الشعارات السياسية والاجتماعية، بعد أن تعذرت سبل ذلك أمام حشود الجماهير وفي القلب منهم الشباب. ويمكن فهم ظواهر الشغب في الملاعب الرياضية على أنها إزاحة لقضايا وهموم الوطن من مواقعها الأصلية إلى مواقع أخرى.
ومضى يتساءل: ما معنى ثورات الغضب العارمة لخسارة الفريق الوطني، وما يرافقها من عنف وتخريب؟ وما معنى استقبال مدرب الفريق وأعضائه بعد الفوز وكأنهم أبطال التحرير، أو أبطال العبور من المهانة إلى الظفر والاعتزاز الذي يطلق نشوة لا مثيل لها في طوفان بشري يحتفل حتى الصباح؟ ويؤكد أن قضايا الفريق الوطني تختزل قضايا الوطن كلها، بل تطمسها حيث يكاد يتحول انتصاره إلى ما يشبه الانتصار في معارك المصير.
وتابع المفكر نفسه تساؤلاته: أو ليس في الارتباط بين إنجاز الفريق الوطني واستقرار النظام السياسي دلالة عميقة على مقدار هذه الإزاحة؟ أو ليس لافتا للنظر تصوير الانتصار في المباراة وكأنه إنجازات وطنية للنظام السياسي، مما يدفع أصحاب السلطة إلى التباري في رعاية الفريق الوطني؟ ومن ليس لديه لاعبون محليون فإنه يستأجر لاعبين دوليين وصولا إلى تحقيق فخار الإنجاز الكروي، بدلا من إنجاز التنمية البشرية. وإلا فما معنى اختصار كيان بلد ما في «نجومه الكروية»؟ وما معنى أن تختزل قضايا الشباب ورعايتهم في مجرد رعاية الأندية الكروية؟
٭ كاتب من المغرب