إعلام الفضائيات العربية بين حرية التعبير وملامح التغيير

حجم الخط
0

زعماء الدول العربية صاروا يتباكون على عهد التكتيم الإعلامي: أحمد فرّاجلقد عصفت في المنطقة العربية وخلال العشر سنوات الماضية موجة الفضائيات والتي دخلت إلى كافة البيوت عنوة عنها في بعض الاحيان، وبثت ما تشاء من أفكار وبرامج، هي في طبيعة الحال عربية، ولكن تسعى إلى تجنيد رأي عام حول ظاهرة معينة يمكن أن تكون داعمة لنظام معين، أو لاسلوب نظام معين، نشر الوعي ـ لأغراض ذاتية، حزبية تعنى بالحزب الواحد، أو اجتماعية ترمي إلى إعطاء النمط الآخر عن الحياة في بلد معين.

ومع ذلك ورغم أن الطبقة الحاكمة العربية لم تتمكَّن من فرض وصايتها بشكل كامل على وسائل الإعلام العربية وخاصة الفضائيات، إلا أنها قامت في وضع آليات رقابة تحدد ما يمكن أن يكون الأفضل للمتلقي، وبالطبع ما يحفظ وجودها ويبقيها ‘الأولى في الصدارة’ على المستوى المحلي، بشكل عام.

ومن هنا فإن إعلام الفضائيات ‘الحكومي’، وبما قدمته آنفا لايمكن له أن يتمتع بحرية تؤهله لعب دور أساسي في التغيير داخل المجتمعات، حيث سياسة تكميم الأفواه، رغم الحدَّيث عن الإصلاحات الديمقراطية.

ولا بد من الإشارة إلى أن حرية التعبير في الفضائيات العربية مقيدة، إما من قبل الطبقة الحاكمة في المجتمع أو من خلال السياسة العامة التي تحدد سير القناة ‘رسالتها الإعلامية مضمونها وهدفها’، بالإضافة إلى ‘المطبخ الإداري الحاكم’ في الفضائية والذي يملي على الآخرين السياسة التي يراها مناسبة، وبهذا لايمكن أن يكون هنالك حرية تعبير في الفضائيات العربية.

نشر الديمقراطية ومحاولة التغييرأن ما يقوم على أساسه الإعلام العربي وفي طبيعة الحال الإعلام في الأراضي الفلسطينية الحكومي والحزبي، يتناقض وبشكل واضح، مع ما تروج له، وهذا يكمن من خلال ما تبثه للمتلقي ‘المشاهد’ الذي تسعى إلى أن يتماشى مع رسالتها بشكل كامل أو جزئي، حيث يتم ذلك عبر عدة مراحل تبدأ باستقطاب الجمهور عبر برامج هادفة ذات مضامين محددة، وتنتهي بالتسويق لرأي أو وجهة نظر تسعى إلى فرضها وبكل قوة دون ـ وحسب وجهة نظري ـ استئذان أحد.

ومن أجل لعب دور للتغيير داخل المجتمع يجب أن تكون الوسيلة الإعلامية، غير تابعة للنظام، أولاً، ولا تسعى للتأثير من أجل فرض وجهة نظرها الخاصة، وفقاً لمصالحها، بالإضافة إلى إطلاق العنان للجمهور من اجل اختيار ما يريد وفقاً لما يتم تشريعه من قبل الفضائيات إن التزمت الصمت أو الحياد ـ وأعني بالحياد هنا ـ نقل كل ما يدور في المجتمع وعكس صورة النظام القائم كما هو أيضاً، واعتماد اللغة التعبوية دون أن يكون ورائها غرضاً خاصاً أو حكومياً أو تابعاً لإحدى الجهات.

وتحاول كل وسيلة إعلام خاصة كانت أم حكومية، بالإضافة إلى الطبقة الحاكمة، إلى الحدّ من الحرية الإعلامية، حفاظا على مادتها المنشورة ووجودها للأولى والثانية، وعلى الرغم من كلِّ ما فعلته هذه النخب على المستوى المحلي، إلاَّ أنَّها لم تتمكَّن من فرض وصايتها التامة على الفضائيات.

وخير دليل على ذلك فلسطينياً، ما تمارسه السلطة الوطنية والأجهزة الأمنية من رقابة صارمة على المادة المنشورة في الإذاعة والتلفزيون وانتقائية الضيوف، وطبيعة الموضوع المراد الحديث به، مع العمل على إجراء مسوحات أمنية خاصة بالصحافي، وانتمائه السياسي، والوسيلة الإعلامية التي يعمل بها، وهل أنها موالية للسلطة وروايتها أم أنها مخالفة لها، وكل ذلك في طبيعة الحال يقيد حرية التعبير، ويكرس السلطوية في طبيعة المادة الإعلامية المنشورة حفاظاً على النظام وبقائه، مع حذف كل ما يمكن أن يمس للحقيقة بصلة.

وعلى الجانب الآخر، وفلسطينياً أيضاً، تعمل الحكومة المقالة في قطاع غزة على إذابة كافة الشكوك حول أهليتها للحكم بفرض النظام والأحكام الصارمة على مراكز الانترنت، والإذاعات المحلية الخاصة، وتلزم أهالي القطاع بفضائيتها الخاصة، لتعبر عن الواقع الفلسطيني ولكن من وجهة نظر حزبية.

هذا التضييق وكبت الحريات في غزة، يعمل بشكل متواز مع ما تنادي به الحكومة المقالة لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في القطاع، بل من أجل امساكها لأطول فترة في زمام الأمور. وكل ذلك يتطلب، جهداً شعبياً ومن قبل المؤسسات المدافعة عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، من أجل وضع ركائز تقوم على نشر الديمقراطية وإزاحة الرقابة وملاحقة الإعلاميين والحفاظ على الرسالة الإعلامية السامية.

ولن تجبر الأنظمة والفضائيات الحكومية والشبه حكومية على تغيير سياستها إلا بفعل الرفض الشعبي للتعتيم والإصرار على الوصول إلى مصادر المعلومات الحقيقية.

واعتقد أن ‘نشر الديمقراطية ومحاولة التغيير عبر الفضائيات العربية، لا يمكن لها أن تسيير إلى بر الأمان، خاصة بعد إصدار وثيقة تنظيم البث الفضائي العربي، والتي تحدد ما يمكن وما لا يمكن، حيث تمنع الفضائيات من ‘الإساءة للكرامة القومية الخاصة بالدول والشعوب العربية، والمس بالزعماء والرموز الوطنية العربية، بالإضافة إلى ذلك تلزم هذه الوثيقة الفضائيات ‘باحترام سيادة الدول العربية، وبعدم العمل ضدّ السلام الاجتماعي وبحماية الهوية العربية، وسحب التراخيص من الفضائيات التي لا تحترم التعليمات الواردة في الوثيقة والحقّ في ملاحقة العاملين فيها قانونيا. وأرى أن مسألة سقف الحرية تتعلق بطبيعة وسيلة الإعلام وبطبيعة الصحافي والنظام الحاكم، حيث أن الفضائيات العربية لن تغير منهج عملها الضاغط من أجل الحفاظ على نفسها ووجودها، مع الإظهار وكأن دورها ترشيدي فقط، وتسعى إلى إيصال الحقيقة إلى الناس وتأمين تدفق حر للمعلومات، وأن هذا يساعد في تطور المجتمعات ويساهم في الانتقال من مرحلة إلى أخرى.

ولا بد لي عند الحديث عن حرية الإعلام أن أشير إلى أن حرية الرأي والتعبير ونضج الممارسة الديمقراطية تحتاج إلى مرونة في النظام العربي السلطوي الحاكم في كافة البلدان العربية، ووضع حد لاحتكار وسيطرة الدولة على الإعلام عبر انتقال الإعلام المملوك للدولة إلى إعلام خدمة عامة، وليس بديلا عن المبادرات الخاصة في مجال الإعلام، بالإضافة إلى استقلالية الأطر المنظمة والمشرفة على القطاع المرئي والمسموع، حيث يتعين حماية السلطات التنظيمية من كل أشكال التدخل السياسي والاقتصادي، وذلك في تشكيل وتعيين أعضائها بطريقة ديمقراطية، وأن تتسع عضويتها لتمثيل المصالح المختلفة، والجماعات السياسية والاجتماعية والمهنية في المجتمع، واستقلالية واتساع الصلاحيات والاختصاصات المخولة لها، سواء في علاقتها بالبث العام أو الخاص، وأيضا في استقلالية ميزانيتها المالية، على أن تكون قراراتها قابلة للمراجعة القضائية في كل الأحوال. كما أن غياب الديمقراطية، وانتشار الفساد قد ساهم في تأجيج ظواهر التطرف والإرهاب في المنطقة العربية، ومنح الأنظمة الحاكمة كامل الصلاحيات في التدخل في الشؤون الداخلية والسياسة العامة للفضائيات.

واعتقد أن الفضائيات العربية أصبحت ‘تتعب’ زعماء الدول العربية الذين أصبحوا يتباكون على عهد التكتيم الإعلامي، وقلب الحقائق من خلال تدشين قنوات تلفزيونية وفضائية لا شغل لها سوى الإشادة بالنظام، كما أن تغييب المنافسة وسيادة فكرة الخضوع للتوجيهات، ومخافة عدم الوقوع في أخطاء تجاه تلك الأنظمة أدت إلى تردي الإعلام بكافة أنواعه، تلك الوقائع أدت إلى اعتراف المسؤولين بوجود أزمة حقيقية تستوجب إيجاد حلول جريئة لها، بالمقابل شهدت الساحة الثقافية حركة مطالبة بإصلاح السياسة الإعلامية عبر إطلاق حرية التعبير والنقد، وإتاحة المجال أمام التعددية الإعلامية وإلغاء القيود الواقعة عليها، بمعنى أن كل ذلك لايمكن أن يخدم الفضائيات العربية بطرح أفكارها بشكل كامل، ودون التقيد أو مردود خاص ‘ مبطن ‘ تسعى للوصول إليه.

ويمكن القول أن الفضائيات في العالم العربي، ورغم كثرتها ترجع في نهاية الأمر، وخاصة فيما يتعلق بالأمور الحساسة في المجتمع إلى النظام الحاكم واذرعه المختلفة، وبالتالي فإن جميع السلطات تخضع لقيادة وإشراف وتوجيه النظام، وإن عدم الاعتراف بالإعلام كسلطة مستقلة، وخضوعه للسلطة السياسية يحوله إلى أداة دعاية للسلطة، ويجعل مهمته الأساسية هي الترويج لسياسات السلطة والعمل على صياغة المجتمع وفق ما تراه السلطة مناسبا لها وللوطن، وإن احتكار المعلومة وعدم إتاحتها للجمهور عند توفرها أصلا، وافتقاد المعلومات الضرورية لأي إعلامي نظرا لعدم وجود مخازن للمعلومات، أو إحصاءات دقيقة تصب في نفس الإطار، حيث أن المعلومة المحايدة هي مصدر هام لا غنى عنه لأي إعلامي، وفي الدول المتقدمة ديمقراطيا يعتمد الصحافيون على مصادر مفتوحة، منها وثائق وزارة الخارجية، ومصرف المعلومات، والقرارات والتعليمات والإحصاءات الرسمية، فيما عدا التي لها طابع السرية، حيث يصدر قانون خاص بإدراجها ضمن بند السرية لزمن محدد وفيما عدا الأسرار الحربية التي يجري تحديد سريتها من قبل وزارة الدفاع.

وأرى أن غياب هذه المعلومات، أو عدم إتاحتها لاطلاع الصحافيين، لا يضعف من حرية الإعلام في الدول العربية، بل يسيء إلى الجهة المحتكرة، إذ يفقدها المصداقية فيما تطرحه من معلومات.

كما أن عدم وجود وعي إعلامي لدى الأجهزة الإدارية والتنفيذية، وبالتالي عدم تعاونها مع وسائل الإعلام، سواء عن جهل بأهمية الإعلام، أو عن خوف من المحاسبة وعدم القدرة على تحمل المسؤولية ونظرتها إلى الإعلام باعتباره مجالا للدعاية الفردية، حيث أن معظم ما يصدر عن المسؤولين الإداريين في أجهزة الدولة هو إما إشادة بانجازات المؤسسة أو الإدارة وما حققته من تقدم وهمي أو مباركة وبرقيات تأييد للسلطة السياسية.

كما أنني لا اتفق مع ‘ مقولة أن هناك سقف معقول للحرية في الفضائيات العربية يمكنها من قيادة التغيير، بسبب ما تعانيه من الدولة، أو لانشغالها في نقل ما تراه مناسبا وفقا لخصوصيتها إلى المتلقي العربي، بالإضافة إلى عدم وجود تطور تقني، فـالإعلام وحسب رأيي متخلف، وليس على مستوى المعرفة والخبرة والتقاليد فحسب بل وعلى المستوى التقني أيضا، حيث لا تتم متابعة التقنيات الحديثة في مجال الصناعة الإعلامية، وخصوصا في مجال الإعلام الفضائي، مع وجود مصاعب قانونية وإدارية وأخرى مرتبطة بنظام ممارسة المهنة، بحيث انه ورغم كل التقدم على الجوانب الاجتماعية إلا أن رجل الإعلام لا يتمتع بضمانات قانونية تحفظ حقه بالعمل.

وكل ذلك يؤكد عدم وجود قناعة جدية بإطلاق الحرية الإعلامية مع محاولة تقنين السياسة القائمة على الاحتكار الإعلامي، وهو ما يقتضي إعادة النظر بالقانون الجديد واخذ آراء وملاحظات القوى الاجتماعية والسياسية ورجال الصحافة والإعلام بعين الاعتبار.

التأثير السياسي على الفضائياتأن أكثر ما يحد من أثر الفضائيات العربية في التغيير وترسيخ بعض المفاهيم الخاصة بالديمقراطية، هو التدخل السياسي في السلطة الإعلامية، والذي لا يعطي لها الحق في نشر ما تريد دون العودة إليها، وضمن سقف محدد لايمكن أن تتعداه إلى الدخول فيما يعرف بـ ‘المحرمات في البث الإعلامي’ كـ’التشجيع على ممارسة الديمقراطية ـ تشجيع على الانقلاب على السلطة’، إدراج أو بث برامج منفتحة وأكثر اتساعا من جهة الخصوصية الفردية ـ هي محاولة للانقلاب على العادات والتقاليد، وكل شيء يبث عبر الفضائيات العربية يمكن للسياسي أن يجيزها لنفسه ويمنعها عن غيره، حفاظا على مصالحه: ‘مصلحة النظام تقتضي أن افعل ذلك’. ولا يمكن وضمن هذا التأثير السياسي الذي يمكن أن يطغى على السطح أو أن يكون مستتر وراء إعلام يعتبر نفسه خاص، ولا تداخلات من قبل أجهزة الحكم فيه، أن يلعب دورا في عملية التغيير، فذلك ينفي الامكانية الأولى للفضائية كونها تخفي أشياء كثيرة وراء انتشارها وقوتها وبقائها إلى فترة طويلة في ظل عصر لمع فيه الانترنت، والفضائيات ‘ الصفراء’، وإعلام الحكومة المخصص، وتعطي الأمور وحسب واجهتها الأهمية اللازمة أو عدم الاهتمام طبقا لتوجيهات عليا حسب رأيي.

وكل ذلك لا يمكن أن نطلق عليه مصطلح حرية التعبير من أجل قيادة المرحلة للتغيير لأنه يقع ضمن إطار مصالح الأنظمة الحاكمة، كي تحاكي المجتمعات التي تطالب بالمزيد من الحرية، ونشر الديمقراطية، وتبعد عنها أسهم الاتهام والتقصير فيما يخص ذلك.

وبالتأكيد أنا على قناعة تامة، بأن التغيير الذي تسعى إليه الفضائيات العربية لا يتعدى كونه تغييرا مصطنعا، لا يؤثر على تلك المجتمعات أو يغير من سلوكها’المجتمعات ككل’، وإن استطاعت التأثير على فئة صغيرة، لا يصل بها الحد إلى التطبيق على أرض الواقع.

وبالنسبة الى الوعي السياسي، يمكن القول أن هناك ارتقاء في الوعي السياسي لدى شرائح واسعة من المجتمعات العربية، إلا أنها لا تملك زمام المبادر لإحداث التغيير مع وجود فضائيات عربية مقيدة بفعل النظام السياسي العربي العام، وعلى مستوى السلوك، لقد تم اكتساب قدرة مشابهة لإصدار أحكام واتخاذ مواقف سياسية واضحة لم تكن ممكنة في السابق في العالم العربي، نعم يمكن إرجاعها الى دور الفضائيات الخاص في ذلك، إلا أنه لا يصل الى المستوى المطلوب الذي يمكنني أن أتحدث عنه، ويمكنه الوصول الى مرحلة التغيير أو المبادرة به من خلال تلك الفضائيات. أما على صعيد التغير الاجتماعي فإنه لا يمكن، وحسب وجهة نظري، توقع تغيير ذي معنى في المنطقة ككل، وليست هناك طريقة سهلة للتخلص من الأنظمة القائمة، ومن وجهة نظري أيضا فإنه يبدو واضحا أن إمكانيات التغيير والإصلاح الجذري في المستقبل لا تدعو إلى التفاؤل، إلا إذا حدث انهيار مفاجئ لسلطة الفضائيات ‘الهيئة الإدارية المتحكمة في ما الذي بيبث وما هو ممنوع من البث’، ومن الأنظمة الحاكمة.

ولم تكن العولمة وتسهيلاتها الجديدة في الاتصالات والمعلومات وشبكيتها سوى فرصة إضافية للحكومات لتحقق مزيدا من الهيمنة، واكتشفنا فيما بعد أننا لا نملك في العمل سوى الحيلة والتسلل والتملق الذي نقاوم به الخوف من الجوع.

لقد أتاحت الفضائيات للحكومات وسائل جديدة في الهيمنة والاحتكار أكثر ذكاء وأقل التزاما بالمعايير الرسمية الثقافية والأخلاقية والسياسية، وإنها لا تخدم قضايا الأمة رغم تنوعها وأنها تميل إلى التسطيح والإثارة وغياب الحوار الهادف والعلمي، ويغلب عليها طابع ‘المصالح الشخصية’. كما أنني لا أنفي أن الفضائيات العربية لعبت دورا مهما في مواجهة النفوذ الإعلامي الغربي، واستطاعت أن تواجه الآلة الإعلامية الغربية المتفوقة وتظهر تغييرا واضحا في التدفق الإعلامي بل وفي أسلوب ومضمون الخطاب الرسمي الغربي والعربي أيضا، لا كنها لم تستطيع ورغم كل ذلك من إدارة التغيير العربي الداخلي.

وكما قلت فإن نظم الإعلام في الدول العربية هي نظم فرعية للنظم السياسية الحاكمة، وأزمة حرية الصحافة في الدول العربية هي جزء لا يتجزأ من أزمتي الديمقراطية وإخفاق برامج التنمية في الوقت ذاته، ويمكن القول بصفة عامة إن سقف حرية الصحافة قد ارتفع منذ بداية عقد التسعينات في عدد كثير من الدول العربية مع بداية عصر العولمة. وفي النهاية، لابد من وضع حد نهائي لسيطرة الحكومات واحتكارها لمجال البث العام، بما يضمن تحول هذا القطاع إلى مؤسسات خدمة عامة للجمهور، وتتميز بالاستقلالية الكاملة في القرار أولا وبما يبث والسياسة الإعلامية، ثانيا، بالإضافة إلى هيكلية الإدارة والتمويل والبرامج، وإخضاع إدارة وتنظيم قطاع البث السمعي والبصري ‘الفضائيات’ إلى مجالس وهيئات تنظيمية تتمتع بالاستقلالية المالية والإدارية التي تجعلها بمنأى عن ضغوط السلطة السياسية، وينبغي أن تمنح هذه الهيئات صلاحيات تقريرية وتنفيذية، تفوض الهيئات التنظيمية لقطاع البث بسلطة منح ترخيص البث وفقا لقواعد ومعايير واضحة ومنضبطة يحددها القانون، وأن يجري تطبيق هذه القواعد في إطار من الشفافية والعلنية لضمان عدم التحيز، وينبغي أن يحظر بموجب القانون أي شكل من أشكال الرقابة المسبقة على محتوى البث ومضمونه، وتتولى الهيئات التنظيمية مهمة متابعة ومراقبة ما يبث لضمان الالتزام بالشروط الموضوعة وفقا لعدم إثارة النعرات أو الفتن في المجتمع أو بالأخص الخروج على العادات والتقاليد، وعلى وجه الخصوص لضمان التزام وسائل البث باحترام التعددية الفكرية والسياسية والثقافية، والقيود المقبولة على حرية التعبير وفقا للقانون الدولي، كما أنه ومن منطلق الحديث عن سقف الحرية الممنوح، لابد من ازالته فيما يتعلق بالسياسة، والارتباط بنظام الحكم، والتطلع إلى السيطرة على الفضاء العربي من منطلق ‘ الترويج لأفكارها متخفية في عباءة العمل ضمن إطار الحرية والتعددية ونشر كل ما يباح للنشر من أجل إيصاله للمتلقي الذي تقع على عاتقه التفكير بما يصله وإما ‘أن يرفضه أو يقبله أو يتماشى معه’.* كاتب وصحافي فلسطيني[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية