تنطلق الحلقة الأخيرة من “منتدى الصحافة” على قناة “فرانس24” من سؤال هو أقرب إلى الاتهام، عندما واجه مقدم البرنامج عبدالله العالي ضيوفه السودانيين بحديث عن أن “الموجة الأولى من “الربيع العربي” كانت من صنيعة الإعلام”، وهو قد حدّد بالذات قناة “الجزيرة”.
يفترض المذيع أن ما بدأ به هو حقيقة مسلّم بها، أو لا جدال حولها، ليطرح السؤال الخاص بالسودان، أي كيف أثر الإعلام بما يجري أخيراً في الشارع السوداني؟
لم يجادل أحد من ضيوف البرنامج في السؤال الغلط من الأساس، تلقّفوه على أنه اتهام لـ “الربيع العربي” بشبهة المؤامرة الخارجية (ربما هذا هو المقصود بإلقاء كلمة “الجزيرة” في وجوه المتحاورين)، وراحوا يدافعون عن ربيعهم الخاص: “الإعلام الخارجي لم يقدّم للسودان شيئاً”، “ما حكّ جلدك غير ظفرك”، بل إن الصحافي محمد الأسباط، اللاجئ في باريس والمؤيد للثورة في بلده، لم يتردد في وصف ربيع بلاده، وعلى ما يبدو نكاية بالطهارة، بـ “الشتاء الأفريقي”، فقط لإبعاد شبهة المؤامرة الكامنة وراء مصطلح “الربيع العربي”.
صحف النظام السوداني، حتى لو تغيرت لغتها، فهي لم تغير جلدها وولاءها للنظام القديم
يصعب أن يصنع الإعلام ثورات بهذا الحجم، إنه مجرد صدى لها. ما صنع الثورات أسباب كثيرة كالفقر والطغيان والتوحش، لكن يمكن أن نتحدث عن الإعلام البديل، والميديا الاجتماعية التي كانت وسائط يسّرت لقاءات الجماهير واعتصاماتهم. وتلك وسائل صنعها ثوار الربيع العربي بأنفسهم، كذلك كان الأمر مع صفحة “كلنا خالد سعيد” المصرية”، أو صفحات تنسيقيات الثورة السورية، وصولاً إلى صفحات ومواقع الثوار السودانيين على شبكات التواصل، التي يستقي منها الإعلامي عبدالله العالي وقناته نفسها معلوماتهم عن آخر أخبار السودان.
إلى جانب كل ذلك فإن الحلقة المعنونة بـ “عهد جديد في الإعلام؟” اكتفت بتناول الإعلام التقليدي في السودان، وتحدث الضيوف عن أن صحف النظام، حتى لو تغيرت لغتها، فهي لم تغيرجلدها وولاءها للنظام القديم، ولكن لم يأت أحد على ذكر الإعلام الجديد بالفعل، لا ما نتابعه على تويتر، ونعلم جميعاً أن صورة آلاء صالح الأيقونية نشرت أولاً على صحفة مصورتها على تويتر. هذا جزء من إعلام السودان الجديد.
أسانج: مجرم أو شعاع نور؟!
يصعب أن يأخذ الناس على محمل الجد أحداً يصف نفسه بـ “شعاع نور” إلا إن كان نبياً. لكن جوليان أسانج، الذي اعتقل أخيراً في من سفارة الإكوادور في لندن، قالها بالفعل: دوري أن أكون شعاع النور”. ما دفع بـ “سي أن أن” أن تعنون فيديو بـ “جوليان أسانج.. هل هو مجرم أو شعاع نور؟”.
سؤال “سي أن أن” يلخص جدلاً كبيراً حول الرجل دار بُعيد اعتقاله، دعك مما قاله رئيس الإكوادور في مقابلة مع “بي بي سي” إن أسانج “أهان الإكوادور” عندما قال “إنها دولة ليس مهمة أبداً”، أو أنه “لطّخ جدران السفارة ببرازه”، حسب الرئيس الإكوادوري، أو “معاملته السيئة البشعة لموظفي السفارة، ونصب كاميرات داخل المبنى بدون التشاور مع السفارة”، وصولاً إلى قوله “إن المجموعة التي كان يقودها اخترقت تلفوني وتلفون زوجتي ونشر صوراً خاصة لزوجتي وابنتي”، فيمكن لقائل أن يقول إن هذا الكلام صادر من خصم لجوليان أسانج.
قد يلخص فيديو للناشط السوري دلشاد عثمان جانباً مهماً من الجدل.
عثمان تحدث عن أن الرجل، إلى جانب نشره عن فظائع وانتهاكات الجيش الأمريكي، نشر معلومات من دون إخفاء أسماء، من بينها ناشطون وحقوقيون مناهضون للأنظمة الديكتاتورية، يمكن أن يخسروا حياتهم بسبب النشر.
الرجل، الذي يرى فيه الكثيرون بطلاً، وجيفارا معاصراً، هو من وجهة نظر أخرى يمثل كل ما هو سيىء في عالم الاتصالات الحديث: الهاكرز، تعريض حياة الناس للخطر، التشهير، الاعتداء على الحياة الخاصة
أسانج – يضيف الناشط السوري – كان يرى في مشاريع حقوقية أو تتعلق بالديمقراطية، أو ربما ممولة من الاتحاد الأوروبي على أنها “سي آي إيه” يجب فضحها، لكن في المقابل لم نرَ أي تسريب له يخص روسيا. وهو كان يستضاف على قناة “روسيا اليوم” (أكبر ذراع بروباغندا خاص بالحكومة الروسية، كما يعلق عثمان)، من داخل السفارة (نأمل أن لا يحاول أحد إقناعنا بأن روسيا هي نموذج الديمقرطية وحقوق الإنسان).
الرجل، الذي يرى فيه الكثيرون بطلاً، وجيفارا معاصراً، هو من وجهة نظر أخرى يمثل كل ما هو سيىء في عالم الاتصالات الحديث: الهاكرز، تعريض حياة الناس للخطر، التشهير، الاعتداء على الحياة الخاصة، ودائماً باتجاه واحد.
صحيح أن أسانج كان مفيداً في بعض ما نشر، خصوصاً في فضح الانتهاكات الأمريكية، لكن من الواضح أن ذلك لم يكن لسواد عيون الديمقراطية وحقوق الإنسان والقيم الإنسانية.
أحياناً النظام الممانع يصلح دليلاً على رؤية أوضح، ليس بريئاً تماماً هذا التطبيل الممانعاتي لجوليان أسانج، تطبيل وصل إلى حدّ الاقتداء بأفعاله، لا التصفيق له فحسب.
الاعتذار هو الفضيحة
حديث الساعة اليوم في مواقع التواصل الاجتماعي، كما في بعض المواقع الإخبارية، من بينها “روسيا اليوم”، خبر وصفتْه بالمحرج لقناة “السورية” الرسمية، حيث مرّت صورة كرتونية لفتاة عارية الصدر في مسلسل الأطفال المعروف “ساسوكي”.
وبحسب الخبر، فقد اعتذرت القناة عن تلك المشاهد، التي وصفتها بـ “السيئة”، ووعدتْ بأن لا يتكرر الخطأ “مؤكّدين أنه سيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة بحقّ المقصّرين لمنع حدوث الخطأ مرة أخرى”.
الاعتذار، والصورة “السيئة” يتسيدان مواقع التواصل الاجتماعي، وقد أثارا الضحك والتعليقات الطريفة، وأحياناً إدانة انصياع إعلام النظام السوري لسلطة الرقابة الدينية في سوريا، حيث أكدوا أن المسلسل قد سبق عرضه لأجيال سابقة من دون أن يثير أي اعتراض أو إشكال.
كذلك فإن كثيرين سخروا من أن حرص إعلام النظام على الاعتذار عن أمر صغير كهذا من دون أن يخطر له مرة الاعتذار عن جرائم قتل وتعذيب وتدمير.
هناك اليوم اختصاص قائم بذاته مهمته إعداد الأفلام الأجنبية للمشاهد العربي، وهو يقوم في جوهره على تطويع تلك الأفلام للرقابات العربية
لكن الحدث، الاعتذار، يجب أن يفتح الباب على نقاش إضافي بخصوص الرقابة الصارمة، بل تكاثر الرقابات الدينية والسياسة والأخلاقية، بالإضافة إلى اعتبارات رقابية تحسب حساب جهات العرض في دول أخرى، مثل مختلف دول الخليج العربي.
هناك اليوم اختصاص قائم بذاته مهمته “إعداد” الأفلام الكرتونية الأجنبية للمشاهد العربي، وهو يقوم في جوهره على تطويع تلك الأفلام للرقابات العربية.
لقد فلتَ هذا المشهد من بين أيدي الرقباء، لكن يمكن أن تتخيلوا عدد المشاهد المحذوفة إذا علمنا أن إحدى الرقابات تمنع أن يمسك طفل “كرتوني” بيد طفلة “كرتونية”!
كاتب فلسطيني سوري