هذه المرة لم يكذب أسعد أبو خليل في تغريدته حين كتب: «أرجو التصحيح لو كنتُ مخطئاً: حتى الساعة، لم يصدر أي ردّ أو نقد من قبل النظام السوري أو علي السيستاني (فقيه الاحتلال) على تطبيع النظام الإماراتي والبحريني، أليس كذلك؟». فإطلالة سريعة على بعض قنوات النظام السوري وصحفه الالكترونية تكفي للتأكد من أنه غارق في صمت عميق مريب، هل هذا هو حقاً إعلام الصراخ والتصدي؟!
وعلى العكس من ذلك، فقد جرى تداول مقطع من مقابلة مع وزير إعلام النظام السابق مهدي دخل الله، فيه كلام حنون للغاية، ولا يبدّل كثيراً في الأمر إن كان الكلام اقتطع من مقابلة أطول، في النهاية لن تصدق أن أحد أبواق «البعث» الصدّاحين لن يتوعد بزوال إسرائيل، ولم يلوّح بأعلام الصمود والزحف والنصر الأكيد.
وإذا عرفنا أن هذا النظام هو نفسه من كان الجميع يخشاه (لفرط مزاودته واستخدامه لورقة فلسطين بالطبع) إن سوّلت له نفسه الاقتراب من مصافحة إسرائيليّ، حتى لو كان مموهاً بقناع صحافي في مهرجان سينمائي أو مسرحي في أوروبا، إلى حدّ أن الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات نفسه عبّر عن خشيته من موقف حافظ الأسد إزاء التفكير بإحدى خطط السلام، كما كشف بندر بن سلطان في مقابلة صحافية مسلسلة منذ سنوات قليلة، إذا عرفنا أن هذا هو طبع النظام لن نصدق كل هذا الصمت.
دمشق ليست غارقة في صمتها بالمصادفة، لا رداً لجميل فتح السفارة الإمارتية، ولا مقابل مساعدات غذائية أو طبية، فمن المحتمل أن الصمت جزء من صفقة تطبيع أشمل، لا بدّ أن تكشفها الأيام.
لن يصل بنا الأمر إلى تخيّل تظاهرات عارمة أمام السفارة الإماراتية في دمشق، ولا أن نتوقع إغلاقها، أو طلب السفير فيها من أجل فركة أذن، فمن الواضح أن اختراق فتح السفارة في دمشق أصلاً جاء في عزّ التحضيرات الإماراتية – الإسرائيلية للاتفاق، حيث سرعان ما انكشف أن الاتفاق جاء وليد سنوات من العمل المشترك بعد قتل القيادي الفلسطيني محمود المبحوح في دبي من قبل الإسرائيليين.
دمشق ليست غارقة في صمتها بالمصادفة، لا رداً لجميل فتح السفارة الإمارتية، ولا مقابل مساعدات غذائية أو طبية، فمن المحتمل أن الصمت جزء من صفقة تطبيع أشمل، لا بدّ أن تكشفها الأيام.
ارجو التصحيح لو كنتُ مخطئاً: حتى الساعة, لم يصدر أي ردّ أو نقد من قبل النظام السوري أو علي السيستاني (فقيه الاحتلال) على تطبيع النظام الإماراتي والبحريني, أليس كذلك؟
— asad abukhalil أسعد أبو خليل (@asadabukhalil) September 13, 2020
جنة ونار
من حق المدافعين عن ارتداء الحجاب أن يدافعوا عن خيارهم، لكن لا شك أيضاً أن من حق الآخرين اختيار السفور من دون أن يدحرجَهم التكفيريون إلى الجحيم، فكلا الأمرين حرية شخصية.
لكن رضوى الشربيني، المذيعة المصرية، ورغم أنها غير محجبة، لم تكتف بالدفاع عن حق المحجبات في ارتداء حجابهن، بل قررت على الملأ (في جواب على رسالة امرأة ترى نفسها قبيحة مع الحجاب) أن غير المحجبة ذاهبة حتماً إلى النار:
«الحقيقة الوحيدة هي الموت. وللأسف أنا أقول ذلك وأنا غير محجبة. أنت ح تخشي الجنة، وأنا ح خش النار بالشكل ده. صبّري نفسك.. قد تكوني قبيحة شكلاً، ولكن منزلتك عند الله أعلى من منزلتي».
من حق المدافعين عن ارتداء الحجاب أن يدافعوا عن خيارهم، لكن من حق الآخرين اختيار السفور من دون أن يدحرجَهم التكفيريون إلى الجحيم.
ربما كان الأفضل من أن تحوّل الشربيني نفسها إلى شيخة تصدر الفتاوى، وترسل المذنبين فوراً إلى النار، أن تناقش شعور المرأة صاحبة الرسالة بنفسها كقبيحة، فيما خلق الله الإنسان في أحسن تقويم.
هنا المسألة في الأساس، وقد تتمكّن المذيعة بهذا الشكل أن تحصّن نفسها بالحياد، فيما تخاطب ملايين المشاهدين مختلفي الأفكار والملل والأديان والمذاهب.
نجوى تغرّد
هنالك أسلوب رائج على مواقع التواصل الاجتماعي، يبدأ للدعابة، ولكن سرعان ما يتحوّل عند الجهلة إلى حقائق لا تدحض. لطالما شاهدنا منشورات تتضمن كلاماً عادياً، وربما تافه، على أن قائله دستويفسكي، أو محمود درويش وسواهما.
منذ أيام لمحت تغريدة لنجوى كرم تستعين فيها بمقطع من قصيدة نسبت لمحمود درويش. وعرفت على الفور أنها ليست لدرويش، وإن جربت البحث في غوغل ستجد أنها على الأقل نسبت لجبران خليل جبران إلى جانب درويش.
ليس أسهل على القارئ المتابع أن يميز أن الشعر المقصود ليس شعراً في الأساس، وأنه لا يليق بمستوى قصائد الشاعر الفلسطيني الراحل (ولا بجبران طبعاً). لكن يبدو أن الناس من فرط ما أعيد صدقوا أنه لدرويش.
فضائيات ومواقع صحافية أعادت تغريد ما كتبتْه «شمس الأغنية اللبنانية» ونشرتْ أخباراً عن تغريدة كرم. فمن يستطيع بعد الآن أن يقنع جمهور الفن العريض بأن القصيدة كتبها عابثٌ ما، ولا شك أنه في غاية السعادة الآن وهو يراقب كيف انتشرت قصيدة مزعومة، ربما أكثر من قصائد درويش نفسها.
انتقام ترامب
على الرغم من أن مؤتمراته الصحافية تنطوي على الكثير من الكوميديا والتهريج المسلّي، إلا أنها في المقابل لطالما كشفت عن سلوك مرعب لدى الرئيس الأمريكي، فهي مليئة بالكذب، والغرور، والتسلط والرغبة في محو الرأي الآخر، حتى لو جاء الرأي الآخر على شكل سؤال صحافي. مرعب خصوصاً عندما يتخيل المرء ما يمكن لرئيس بهذه المواصفات أن يفعل لو كان في بلاد الشرق.
في أحد مؤتمراته الصحافية الأخيرة طلب ترامب من صحافي أن يخلع كمامته قبل أن يلقي بسؤاله: «عليك أن تخلع تلك. من فضلك، يمكنك خلعها». أجاب الصحافي: «حسناً سأتحدث بصوت مرتفع». لكن ترامب أصرّ: «إن لم تخلعها سيكون صوتك مخنوقاً جداً». وكرّر: «إن خلعتها سيكون الأمر أفضل بكثير». لكن السائل زاد إصراراً: «سأتحدث بصوت أعلى بكثير».
على الرغم من أن مؤتمراته الصحافية تنطوي على الكثير من الكوميديا والتهريج المسلّي، إلا أنها في المقابل لطالما كشفت عن سلوك مرعب لدى الرئيس الأمريكي، فهي مليئة بالكذب، والغرور، والتسلّط والرغبة في محو الرأي الآخر
انتصر الصحافي، ولكن ملامح الرئيس لم تكن مرتاحة. أجاب بسرعة، واستدار يفكّر بالانتقام على الفور. مع أول صحافي سائل آخر يخلع كمامته قال ترامب: «يبدو صوتك واضحاً للغاية، على عكس أي شخص آخر يرفض».
لا يفكر المرء فقط في ما سيحدث لو كان ترامب أحد حكامنا، بل وأيضاً، ما سوف يحدث للصحافي الرافض لو فعل فعلته تلك أمام زعيم عربي!
كاتب فلسطيني سوري