بات مطلوباً تقديم ملاحظة تحذير، فرغم المعلومات الكثيرة والتنبؤات المتفائلة التي تطلقها مصادر أمريكية ومصرية وقطرية، فإن صفقة تحرير المخطوفين القادمة لم تغلق بعد. في الأسبوع الأخير، حدث تقدم حقيقي بعد أن قدمت الولايات المتحدة والوسطاء العرب اقتراحاً يتفق عليه الوسطاء الثلاثة، وتم عرضه على الطرفين، إسرائيل وحماس. ولكن ما زالت هناك مسافة يجب اجتيازها في المفاوضات – لا يقين الآن بأن المفاوضات ستنتهي بتفاهمات، أو حتى بجدول زمني واضح لتنفيذها.
قبل استكمال صفقة شاليط في 2011 اهتم رجال المخابرات المصرية بإجراء “محادثات تقارب” بين الطرفين في القاهرة. ممثلو إسرائيل وحماس رفضوا الجلوس في نفس الغرفة، لذلك تمت استضافتهم في أماكن منفصلة في الفندق، في حين كانوا يتنقلون بين الوفدين للتوصل إلى صيغة متفق عليها حول الصفقة. أحد كبار ممثلي حماس الذي وصف بأنه رئيس الأركان في حماس في ذلك الوقت، أحمد الجعبري، الذي اغتالته إسرائيل بعد سنة على إطلاق سراح جلعاد شاليط، من الجو في عملية استهلت عملية “عمود الدخان”. بعد ذلك، تم الادعاء بأن المكوث القسري في القاهرة أثناء المفاوضات “أفسد” الجعبري. فقد تعود على ملذات الحياة خارج القطاع، وتوقف عن التصرف كمطلوب، وفي نهاية المطاف أصيب عندما نزلت عليه شعرة تصويب إسرائيل.
إذا سمعنا في القريب عن البدء في جولة محادثات تقارب، فقد يكون علامة على تقدم حقيقي في المفاوضات. سيكون من الصعب استكمال اتفاق معقد دون مكوث جسدي للوفود في القاهرة، خصوصاً في الوقت الذي يختبئ فيه يحيى السنوار في الأنفاق ولا يجري اتصالات بشكل مباشر مع العالم الخارجي.
الخطوة الأساسية الأولى قبل الصفقة الجديدة تمت في بداية الأسبوع في مؤتمر باريس. وجرى هناك، بدون تمثيل لحماس، اقتراح موجه لممثلي إسرائيل. الآن لا يوجد للطرفين مصلحة في التشاجر مع الوسطاء. فإسرائيل بحاجة إليهم للمضي بالصفقة، وحماس بحاجة أكثر لتزويدها بالأوكسجين المهم، الأموال القطرية، وحرية الحركة من القطاع وإليه عبر مصر. تمت في باريس بلورة إطار وآلية للدفع قدماً بالاتفاق، لكن بدأت بشكل رمزي لعبة الاتهامات التي يقودها الوسطاء. لهم مصلحة في أن تظهر إسرائيل أو حماس بأنها أفشلت الصفقة.
مؤخراً، بدأت تتسرب تفاصيل عن طبيعة الاتفاق. بعضها خرج من إسرائيل، على الأغلب من مكتب رئيس الحكومة نتنياهو. هذه كانت عملية متعددة المراحل. ففي البداية نشرت خطة مخيفة للصفقة (“إطلاق سراح آلاف المخربين”). بعد ذلك تم إجراء استطلاع في “أخبار 12” اظهر أن أغلبية ساحقة من الجمهور تعارض هذه الخطة (من الذي يرغب في إطلاق سراح آلاف المخربين؟)؛ بعد ذلك أصدر نتنياهو تصريحاً أثناء زيارته للمدرسة التمهيدية العسكرية في مستوطنة “عيلي” (“لن نطلق سراح آلاف المخربين”)، وفي نهاية المطاف في اللقاء مع عائلات المخطوفين (“كلما تم الحفاظ على سرية هذه الجهود، فستكون لها احتمالية أكبر للنجاح”).
بلغة كرة القدم، لهذا السلوك تعبير مناسب وهو “أن تركل الضربة الركنية وتركض لإدخال الهدف بالرأس”. نتنياهو يحاول السيطرة على كل مراحل العملية، ويثور الشك بأنه لا يسارع نحو الصفقة؛ لأنها عملية تضعه على مسار التصادم مع الجناح اليميني جداً في الائتلاف. خلال ذلك، هو يتجاهل أن مبعوثيه في باريس، رؤساء جهاز الأمن، نسقوا المواقف مسبقاً مع دول الوساطة منذ فترة طويلة، وأن الكثير من تفاصيل الاقتراح تبلور بموافقة إسرائيل.
وزراء في اليمين المتطرف وبعض وزراء الليكود انضموا هذا الأسبوع لتوجيه انتقادات علنية للخطة التي تلوح في الأفق. وحسب التفاصيل التي تسربت، فالحديث يدور عن عدة مراحل، في المرحلة الأولى سيتم إطلاق سراح “حالات إنسانية” من بين المخطوفين، 35 – 40 من النساء (لكن من غير الواضح أنه يشمل المجندات المخطوفات) وكبار السن والمرضى والجرحى. هذه المرحلة ستمتد شهراً ونصف شهر، وفي المراحل القادمة سيتم إطلاق سراح المزيد من المخطوفين وجثامين إسرائيليين محتجزين في القطاع، في حين أن الجنود الذين بينهم، سيكونون آخر من ستتم إعادتهم. الحديث يدور عن مرحلتين أو ثلاث مراحل، على فترة تمتد لبضعة أشهر، يحافظ في أثنائها على وقف كامل لإطلاق النار. خلافاً للطلبات السابقة، يبدو أن حماس لن تطلب الآن تطبيق انسحاب كامل لقوات الجيش الإسرائيلي من القطاع من أجل المصادقة على الصفقة كشرط للبدء في تطبيقها.
حماس تحتجز حتى الآن 136 مخطوفاً إسرائيلياً وأجنبياً في القطاع. 30 منهم أعلن عن قتلهم على يد الجيش الإسرائيلي استناداً لتحليل المعلومات التي تم جمعها. من المرجح أن عدد القتلى الحقيقي أكبر. في المفاوضات لم يتم تحديد أعداد بعد. ومن غير المعروف عدد السجناء الفلسطينيين الذين سيتم إطلاق سراحهم مقابل كل مخطوف. من المرجح أن عدد المحررين الفلسطينيين سيرتفع بشكل كبير في مراحل الصفقة النهائية. يبدو أن نتنياهو الآن قادر على الوفاء بوعوده التي أطلقها في هذا الأسبوع، لا لوقف شامل للحرب ولا لإطلاق سراح آلاف المخربين، على الأقل في هذه المرحلة. ولكن استمرار تطبيق الصفقة سيفاقم صعوبته السياسية في الجناح اليميني في الحكومة، وأيضاً لعدد من ناخبيه.
في الخلفية هو يكافح ضد التهديد السياسي. رغم أن رئيس الحكومة يواصل مغازلة فكرة صفقة سياسية كبيرة، تشمل التطبيع مع السعودية، ولكن تنطوي أيضاً على أخطار من ناحيته. توماس فريدمان، الصحافي المقرب جداً من الرئيس الأمريكي، جو بايدن، قدر أمس في “نيويورك تايمز” بأن الإدارة الأمريكية قد تعرض في الفترة القريبة عقيدة جديدة للشرق الأوسط، أساسها المضي بإقامة الدولة الفلسطينية وحلف دفاع مع السعودية (إلى جانب التطبيع بين السعودية وإسرائيل) و”الصمود” أمام إيران. ما هي احتمالية المضي بمثل هذه المبادرة، بموافقة إسرائيل، ما دام نتنياهو في الحكم؟ يبدو أنها احتمالية ضعيفة جداً.
نتنياهو يأمل اجتياز دورة الكنيست الشتوية التي ستنتهي بعد شهرين تقريبا بسلام بدون أي هزة تدمر ائتلاف الحرب. أسلوب البقاء الذي يتبعه قائم على نثر الوعود المتناقضة ونشر الضباب بشكل دائم حول نواياه. كلما اقترب موعد اتخاذ قرار حاسم بشأن صفقة المخطوفين يزداد الضغط في الشارع والحكومة، ويصعب عليه تحقيق أهدافه.
إلى جانب استمرار القتال في خان يونس، عاد الجيش الإسرائيلي لمهاجمة شمال القطاع في هذا الأسبوع، لا سيما وسط وغرب مدينة غزة. الاقتحام البري هناك الذي قتل فيه عشرات مسلحي حماس كان من أجل القضاء على محاولة حماس إحياء نشاطاتها العسكرية وسيطرتها المدنية في المناطق التي خفف فيها الجيش الإسرائيلي من وجوده.
للمفارقة، هذه العملية تشير إلى محدودية جهود إسرائيل وإلى ضعف حماس أيضاً. أولاً، عندما يقلص الجيش الإسرائيلي قواته في بعض المناطق، في ظل غياب أي تحرك سياسي لتحقيق الاستقرار في المنطقة، فإن حماس تتعجل العودة إليها. ثانياً، قوة حماس العسكرية محدودة حالياً بدرجة كبيرة. بالنسبة لحماس، كان الجيش الإسرائيلي يحتاج فقط إلى اثنين من الطواقم اللوائية القتالية في المكان الذي استخدم فيه فرقتين لهجومه في الشمال، مع دعم سلاح الجو. هذه هي الصيغة التي تخطط لها رئاسة الأركان للسنة القادمة: هجمات مركزة ومحدودة ضد أهداف حماس المتبقية وفي الأماكن التي ستحاول فيها إعادة فرض سيطرتها.
في هذه الأثناء، المقاومة التي يواجهها الجيش الإسرائيلي تذكر بما يحدث في مدن شمال الضفة الغربية، جنين ونابلس وطولكرم، أكثر مما تذكر بالوضع الذي ساد في القطاع في بداية الحرب. السؤال هو: هل يمكن الحفاظ على مثل هذه النشاطات لفترة طويلة، وفي نفس الوقت مواصلة إضعاف قوة حماس؟ وقف طويل لإطلاق النار سيناقض لذلك.
يتعزز في القسم الجنوبي للقطاع الحصار حول خان يونس. الفرقة 98 حاصرت هذا الأسبوع المدينة من الجنوب والغرب، وأدخلت القوات إلى مخيم اللاجئين الكبير في غرب المدينة. قائد الفرقة العميد دان غولدبوس، وصف “قتالاً متزامناً، فوق الأرض وتحتها أيضاً في الأنفاق”. الجيش الإسرائيلي، خلافاً لخططه السابقة، يدخل المقاتلين إلى الأنفاق، حيث يتم تمشيطها وتطهيرها قبل تدميرها بالمواد المتفجرة.
التحدي الصعب للقتال في منطقة مكتظة، فيها سكان وأنفاق، والجهود المبذولة للعثور على إشارات استخبارية تشير إلى وجود مخطوفين، تقتضي العمل المتلازم مع وحدات خاصة، بما في ذلك دورية هيئة الأركان، وشلداغ، والكوماندو البحري ووحدة يهلوم التابعة لسلاح الهندسة. للمرة الأولى، تندمج سرايا من هذه الوحدات داخل الطواقم الحربية اللوائية، وهي عملية تعتبر نجاحاً عملياتياً كبيراً رغم أنها جبت خسائر استثنائية لجزء من الوحدات.
مراسل “أخبار 12” رافق هذا الأسبوع قوة نظامية للمظليين في خان يونس. وعندما سأل الجنود عن هدف الحرب كان الجواب واحداً: إعادة المخطوفين. من غير المؤكد أن هذا هو ما يرغب نتنياهو في سماعه، وأقل منه رغبة سموتريتش وبن غفير.
عاموس هرئيل
هآرتس 2/2/2024