إعلام واستحواذ لقبض الأرواح

الثورة التكنولوجية التي بدأت قبل بداية القرن الواحد والعشرين، هي أساسا ثورة إعلامية، مستهلها نشر مبدأ «العالم قرية صغيرة». وتمهيدا لذلك، ظهر الإنترنت، ومعه ازدهر حلم الاتصال السهل والمتزامن بين سكان العالم، بدلا من الرسائل البطيئة والاتصالات الهاتفية المكلفة. واستحداث غرف الدردشة على الإنترنت كان بمثابة خطوة قلبت سبل التواصل رأسا على عقب؛ حيث استطاع البشر معرفة ما يحدث من أخبار ومستجدات، في دولة في قارة قصية بمجرد الحوار مع أحدهم في غرفة دردشة.
لكن مستهل الثورة الحقيقية كان مع ظهور تطبيق فيسبوك، الذي بعده توالت تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، التي اتخذت من تواصل البشر في جميع أنحاء العالم هدفا ظاهرا، تحت الشعار المأثور «العالم قرية صغيرة». لكن في ما يبدو أن الشعار كان يرمي لهدف آخر؛ لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي، ليس لوسيلة تكوين أواصر إنسانية بين البشر، بل إلى آلة إعلامية تبث أخباراً قد تكون حقيقية، أو مشوهة أو حتى مغلوطة، لكن سمتها الأساسية أنها «موجهة» من الدرجة الأولى، على الرغم من أن من ينشرها أشخاص عاديون، ربما ليس لأغلبهم أهداف أو انتماءات، لكن زخم تناقل المعلومة والإلحاح عليها هو ما يضعها في بؤرة الضوء. ومن ثم، تجد الحكومات الاستبدادية والمنظمات التحريضية ضالتها المنشودة في وسائل التواصل الاجتماعي؛ بسبب قدرتها الفائقة على تشويه أفكار العامة، ونقل أيديولوجيات مشبوهة بكل سهولة، ودون تكبد أي مصروفات. وبناء على ذلك، تم التحكم في العامة، وتغيير مزاجهم لرؤية موضوعات موجهة قد تخدم أطرافا متصارعة.
ومع سبل التواصل الاجتماعي، ازدهر عالم، جذب إليه كل الفئات، بل صار تأثيره يماري مواقع التواصل الاجتماعي؛ لأنه بجانب مهمته الترفيهية، يتم تمرير محتوى إخباري وسياسي من أجل تشكيل مزاج العامة، حسب الأهواء. وحين ظهرت منصات البث المباشر، استقطبت أكبر قدر من المشاهدين على مدار الساعة، لدرجة سحبت البساط من تحت أقدام رواد وسائل التواصل الاجتماعي، وحولتها لوسيلة إما لنقل الأخبار، أو لنشر الترفيه، في حين عزف الرواد عن حماسهم في تكوين علاقات وصداقات كما كان مستهدفاً، بل أن كثيرا منهم كتبوا على صفحاتهم «ممنوع الرسائل الخاصة والدردشة». وعلى هذا، تساوت أهداف وسائل التواصل الاجتماعي، واليوتيوب، ومنصات البث المباشر، وإن كانت لا تزال ميزتها الكبرى أن العامة هم من يقومون بخلق محتواها، حتى لو كان موجها؛ لأن اشتراك أطراف كثيرة في صنع محتوى قد يساعد على نشر حقائق بقدر بثه للضلال. أما الخطر الأعظم فهو تمركز كل شيء في يد فرد واحد فقط، لتصير بيديه جميع خيوط اللعبة، فيحركها كيفما شاء.
ومنذ أيام قليلة، وتحديدا في 25 مايو/أيار 2021 تناقلت الصحف ووكالات الأخبار العالمية خبراً قد يبدو عاديا للبعض، إلا أن أصداءه قد تقلب الطاولة على مناح اجتماعية كثيرة، وكذلك على المحتوى الإعلامي العالمي. ويفضي الخبر أن جيف بيزوس رجل الأعمال الأمريكي مالك شركة أمازون، وأحد أغنى أغنياء العالم، قام بشراء أحد أكبر الكيانات السينمائية والإعلامية في هوليوود، ألا وهي شركة مترو غولدن ماير المعروفة باسم إم جي إم Metro Golden Mayer (MGM). وقد كلفته الصفقة مبلغ 8.45 مليار دولار أمريكي، ويعد هذا الرقم قليلا نسبيا مقارنة بالمميزات التي سوف يحظى بها جيف بيزوس بسبب صفقته هذه، حيث أنه في وقت ليس بالبعيد – عام 2017 – استحوذ على شركة «هول فوود» Whole Food بصفقة كلفته 14 مليار دولار أمريكي، وبسببها صار لشركة أمازون – التي تعد أكبر وأغنى الشركات عالميا – القدرة على التحكم في سوق المواد الغذائية بشكل واسع في الولايات المتحدة؛ فمن خلالها يستطيع المواطنين الحصول على منتجات غذائية ذات جودة ممتازة، شاملة الخضروات والفواكه الطازجة، مقابل اشتراك سنوي زهيد شاملا جميع الخدمات الأخرى التي تقوم أمازون بتوصيلها. وبعد نجاح تلك الفكرة في الولايات المتحدة، يلاحظ أن تلك الفكرة بدأت تتسلل إلى جميع دول العالم، بشكل إعلامي خفي جعل تقبل الفكرة محببا لدى فئات ضخمة، وأشهر الشركات المملوكة لأمازون في هذا المجال في الوطن العربي هي «طلبات».

صفقة جيف بيزوس سوف تفضي به لامتلاك جزء كبير من الإعلام العالمي، ولربما تكون خطوته التالية هي الاستحواذ على قناة ديسكفري، مع أن دمجها مع قامة هوليوودية ضخمة ينبئ أيضا بالكثير.

أما الاستحواذ على شركة مترو غولدن ماير فهو بمثابة الحصول على كنز كبير من حقوق الملكية الفكرية لأكبر الأعمال الدرامية والسينمائية في هوليوود، على مدار الزمان، أي أن جيف بيزوس قد استحوذ على أحد أكبر أقطاب هوليوود، وتتناقل أخبار عن عزمه لإنتاج أعمال وبرامج لمنافسة شركتي نتفليكس وديزني، اللتين تعتبران كبرى منصات البث المباشر في العالم. وقد تحدث العالم عن صفقة جيف بيزوس باستفاضة، في حين لم تحظ صفقة قناة ديسكفري بالضجة نفسها، على الرغم من أن الأخيرة سوف تعمل على دمج شركة وارنر بروزرس Warner Bros في كيانها، علما بأن الأخيرة تضم حفنة من القنوات الإخبارية العالمية الكبرى، مثل «سي أن أنCNN .
صفقة جيف بيزوس سوف تفضي به لامتلاك جزء كبير من الإعلام العالمي، ولربما تكون خطوته التالية هي الاستحواذ على قناة ديسكفري، مع أن دمجها مع قامة هوليوودية ضخمة ينبئ أيضا بالكثير. أضف إلى ذلك، سيؤول لجيف بيزوس حق التصرف الكامل في أعرق وأضخم الأفلام العالمية، مثل سلسلة أفلام جيمس بوند، وروكي، وروبوكب وغيرها من الأفلام ذات الشهرة العالمية.
بنظرة فاحصة يلاحظ أن اقتصاد الكوكب بأكمله وآلته الإعلامية، تؤول شيئا فشيئا ليد رجل واحد يتوحش ثراءه يوما بعد يوم، ويتعاظم نفوذه ليفوق مجرد شركة شحن سريع، إلى مالك أصلي ومستحوذ أصيل لجميع مناحي الحياة مثل الغذاء، والدواء، والملبس، وشبكات الإنترنت، والحياة الفكرية مثل الطباعة والتوزيع، وكذلك المحتوى الإعلامي، الذي سوف يتم توجيهه لخلق محتوى يتناسب والأفكاره التي يُرَوَج لها من خلال آلته الإعلامية المتعاظمة، بأنه قوة المستقبل والمتحكم في مصير العالم؛ فهو واحد من أباطرة التكنولوجيا، والفكر المتقدم الذي يسعي إلى نقل الحياة إلى كوكب المشتري، وكذلك المريخ. فلو أغمضت عينيك لوهلة وتصورت رحيل الصفوة لعالم المريخ، في حين أن الأرض بمن عليها قد تم الاستحواذ على مصادر الغذاء والدواء والطاقة والإعلام فيها، دون المساس بالدول والحكومات، عندئذ سوف ترى عالما قد تم إفراغه من محتواه، ومصائر بشر تحت رحمة رجال أعمال عنيدة، لها القدرة على الاستحواذ على من يقف في سبيل مشروعاتها وطموحاتها الاحتكارية. سوف يتحول العالم بالفعل لـ«قرية» يعاني أهلها من بطش من استحوذ عليها.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية