إعلان داعش الخلافة الإسلامية مقامرة محفوفة بالمخاطر وخسائره أكثر من أرباحه

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: هل تعجل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بإعلان الخلافة الاسلامية على المناطق التي سيطر عليها في سوريا والعراق، فبعد شهر من الإنجازات والتوسع في مجال الأراضي، والأسلحة والمال يضع داعش مصداقيته وما حققه أمام امتحان قد يؤدي لآثار سلبية على فرص بقاء التنظيم.
ويعتبر قرار يوم امس الأول التحرك الأكثر جرأة من التنظيم لأنه يعني هدم حدود وطنية قائمة منذ قرن بين سوريا والعراق، وتخلى داعش عن اسمه وحمل اسما جديدا وهو «الدولة الإسلامية».
ويرى تشارلس ليستر من معهد بروكينغز في الدوحة إن الإعلان يعتبر «مشكلة هائلة» وأن الساعات الـ24 القادمة ستكون «مهمة».
ونقلت صحيفة «التايمز» عنه قوله إن الإعلان «ربما كان أهم تطور في الجهادية الدولية منذ 9 أيلول/ سبتمبر» مضيفا إن داعش لديه عملية واسعة في العراق وسوريا، ولديه وجود سري في جنوب تركيا، ويبدو أنه أنشأ حضورا في لبنان، ولديه مؤيدين في الأردن وغزة وفي سيناء، أندونيسيا والسعودية وأماكن أخرى».

قرار متسرع

وفي الإطار نفسه يعتقد جي أم بيرغر في موقع «ديلي بيست» أن داعش في قراره كان متسرعا وقد يخسر كل ما حققه في البلدين، حيث سيتم تهميش الحلفاء في داخل التحالف الذي ساعد على تحقيق الإنجازات من جماعة البعث العراقي وجيش رجال الطريقة النقشبندية وثوار العشائر.
فالدعوة من المتحدث باسم داعش لتقديم البيعة لأبو بكر البغدادي باعتباره أمير المؤمنين في الدولة وفي كل مكان، ستثبت صحة انتقادات الجهاديين، وقد تعطي رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي فرصة لتحقيق انتصار هو بحاجة ماسة إليه بعد انهيار جيشه قبل أسابيع.
وكان تقييم الكاتب قبل الإعلان إنه حتى لو خسر ما حققه خلال حزيران/ يونيو فلن يختفي من المعادلة الجهادية في سوريا والعراق، فما غنمه من أموال وأسلحة ستعطيه المساحة للمناورة والمنافسة مع بقية المنظمات الجهادية خاصة في سوريا وقريبا من الحدود العراقية.
لكن الإعلان عن الخلافة هو مقامرة محفوفة بالمخاطر وقد يؤدي لتبديد كل ما حققه التنظيم.
ولا ينفي الكاتب أن يكون للقرار منافع وإن في الساحة الجهادية. فالتنظيم يقوم بالتنافس مع تنظيم القاعدة الذي انشق عليه. ولهذا فما حققه داعش من انتصارات أظهر نوعا من الحركية فيما بدا تنظيم القاعدة ضعيفا وغير قادر على اتخاذ قرار حاسم.
ويشير الكاتب هنا إلى أن القاعدة حافظت على تقدم وإن بسيط عن داعش خاصة بين المؤثرين الرئيسيين، وما يلاحظ هو تراجع الحماس لتمويل الجهاد في سوريا بشكل عام. ومن هنا فإعلان الخلافة سيكون مثار جدل من ناحية دينية. وقد يدفع القرار قطاعات واسعة جهادية مؤيدة للقاعدة لمعارضته، خاصة أن الإعلان يدعو كل الجماعات الجهادية والمسلمين لتنفيذه.
وفي المقابل قد يؤدي الإعلان لتحمس المقاتلين وقطاعات مختلفة لصعود داعش. ولا يستبعد الكاتب إمكانية حدوث انشقاقات داخل القاعدة خاصة شمال إفريقيا التي أرسلت جماعاتها برقيات تعاطف مع داعش.
وهناك مظاهر تعاطف من تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية مع داعش، وأظهرت وسائل التواصل الإجتماعي دعما نسبيا لقرار التنظيم.
هذا على مستوى التنظيمات الجهادية، ولكن ماذا عن المسلمين في العالم، فالرد بشكل عام سيكون سلبيا.
وبعيدا عن السلبيات فإعلان داعش سيؤدي لموجة من التجنيد ودعم المال له.

العراق سيحسم مصيره

ويظل مصير التنظيم أو الخلافة الجديدة غير واضح ورهنا لما سيحدث في العراق لاحقا. فالمعادلة هنا متعلقة بتحرك الحكومة ومن يدعمونها في الداخل والخارج، ومن تحالفوا مع داعش من الجماعات السنية التي رأت في العداء للمالكي فرصة للتعاون المؤقت.
وعليه فمسارعة داعش بإعلان الخلافة يرسل رسالة لكل هذه الجماعات أنها تابعة له وليست شريكة، مما يعني تشتت جمع التحالف خاصة إن لم يقم داعش بإعلام أطراف التحالف بخطة الإعلان مقدما.
كما أن الحسابات تغيرت من ناحية الحفاظ على أراضي، فقبل الإعلان كان من المتوقع أن ينسحب داعش لمناطق سيطرته في سوريا وغرب العراق وبخسائر قليلة وبزيادة من ناحية القدرات العسكرية والمالية. أما الآن، فيواجه التنظيم خطر خسارة الخلافة التي حملها أبو بكر لفترة قصيرة ثم تركها.
وبهذه الطريقة سيثبت البغدادي نقاش لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري حول أسلوب داعش القاصر في القتال وأنه يقود العربية الجهادية أمام الحصان. وسيبدو قرار داعش المتسرع تعبيرا عن نوع من الغطرسة.
ويرتبط وجود الخلافة بقدرة التنظيم وحلفائه على الحفاظ على المناطق التي سيطروا عليها، خاصة أن الجيش العراقي تلقى طائرات روسية ومستشارين عسكريين روس، كما أرسلت الولايات المتحدة قوات خاصة لتقييم الوضع على الأرض، وتنشط إيران بشكل كبير وتقوم بتفعيل الميليشيات. ويلاحظ بيرغر حسا من الثقة الزائدة في النفس في بيان داعش.
ورغم كل المخاطر وإمكانية خسارة الحلفاء إلا أن هناك عاملا مهما في كل هذا ويتعلق بالرد الأمريكي.
فمنظور التدخل الأمريكي الذي سيحدث من الجو، لا يزال إشكاليا. وفي الوقت الذي يدعم فيه الكثيرون داخل الإدارة والكونغرس ضرب داعش، إلا أن الضربات ستمنحه الشرعية. ونعني بهذا أن الخلافة الإسلامية قد أعلنت لكن الولايات المتحدة هي التي دمرتها.
وحتى قبل إعلان الخلافة كانت هناك مخاطر جوهرية من أن تؤدي ضربات جوية لداعش لتعزيز قوته عالميا وبالتالي تفوقه على القاعدة في معركة العقول والقلوب.
وربما أدت الغارات الأمريكية لتوحيد الجماعات الجهادية المحلية في جبهة ضد الولايات المتحدة، يلعب داعش دورا محوريا فيه.

التحالف باق

وفي الوقت الحالي لا يبدو أن هناك صدع في التحالفات بين داعش والمجموعات السنية الأخرى.
وفي مقابلة مع رئيس مجلس ثوار العشائر علي حاتم السليمان أعرب عن رفضه لسياسات داعش الطائفية ولكنه أكد استمرار التحالف معه. وهدد السليمان بإرسال 100.000 مقاتل لبغداد في حالة رفض المالكي التنحي عن السلطة. وتحدث السليمان لريتشارد سبنسر، مراسل صحيفة «دايلي تلغراف» والتي شجب فيها المذابح التي ارتكبها الجهاديون مفضلا مع ذلك الحفاظ على التعاون معهم «يمكننا قتال داعش والقاعدة في أي وقت نريد»، ولكننا الآن «نقاتل من أجل ارضنا وقبائلنا، ونحن لسنا مسؤولين عن داعش. أنظر لما فعله المالكي، انظر لمليوني لاجيء، لقد قتل ودمر، وأين كان العالم إذا؟».
وكان السليمان يتحدث في مدينة إربيل عاصمة منطقة كردستان حيث لجأ هو ومجموعة من القيادات السنية.
ويقول التقرير إن الأكراد يأملون من قيام القبائل بالتوصل لاتفاف مبدئي مع السنة في وضع يتنحى فيه المالكي عن السلطة، ويواجه رئيس الوزراء العراقي ضغوطا من الطرفين داخل العراق ومن الولايات المتحدة.
لكن قادة القبائل قدموا رأيا لا رجعة فيه حول الحكومة المركزية حيث عبروا عن دعمهم مثل الأكراد لتفكيك الدولة العراقية لثلاث مناطق سنية وكردية وشيعية.
ويؤكدون على الأقل أمام الرأي العام أن داعش يلعب ثانويا ومن «السهل التعامل مع مشكلتهم لاحقا» أي بعد تحقيق حل سياسي يؤدي لمنطقة حكم ذاتي سنية تنهي التحرشات والمضايقات التي تقوم بها قوات الأمن ضد السنة.

جيوش القبائل

ويشير التقرير إلى ان السليمان الذي يبلغ تعداد أفراد قبيلته حوالي 3 ملايين فرد، وهو واحد من بين عدد من قادة عشائر يتمتعون بنفوذ سياسي وعسكري.
وهناك عدد منهم يقود جيوشا خاصة ويتفوق الولاء للقبيلة على الولاء للحكومة المركزية.
ويطرح الكاتب سؤالا حول مدة استمرار تحالفهم مع تنظيم داعش، وإن كان من السهل عليهم التخلص من الجهاديين كما يقولون.
واعترف شيخ قبيلة وإن بشكل خاص أنه بحاجة للمساعدة كي يواجه داعش بعد حصوله على كميات كبيرة من الأسلحة التي نهبوها من القواعد العسكرية التي فر منها الجيش العراقي. كما وتصرف داعش بوحشية وقسوة وأظهرت صور عمليات إعدام جماعي.
ومع أن الكثير من السنة رحبوا بهذا التنظيم الذين قالوا إنه جلب الأمن والإستقرار لمناطقهم واستأنف الخدمات التي أهملتها حكومة المالكي، إلا أن نفس «شهر العسل» لوحظ في مناطق سيطر عليها التنظيم في سوريا. وتقوم قواته بإدارة المناطق هذه بطريقة وحشية وتفرض على السكان خاصة في الرقة قوانين الشريعة لمن يرتكب جرائم.
وأعدم في نهاية الإسبوع 8 من جماعة مقاتلة معتدلة وصلبوا لمدة 3 أيام في دير الحفر الواقعة شرق مدينة حلب.
وكان تنظيم القاعدة الذي سبق داعش في العراق قد عمل على تهميش السكان في العراق وهو ما أدى بمشايخ العشائر للتعاون مع الأمريكيين وإنشاء الصحوات التي عملت على هزيمة القاعدة.
وعندما هاجمت قوات المالكي مخيمات الإعتصام السلمية وقتلت عددا من المحتجين، قام ثوار العشائر مع داعش بالإعلان عن غرب العراق منطقة محررة، بل إن بعض قيادات داعش أقاموا في مزرعة أحد مشايخ العشائر الذي كان قائدا بارزا في الصحوات حسب السليمان. وقدم أيضا وصفا لكمين نصب للقوات الأمنية التي ارسلت لاستعادة مدن الأنبار الرئيسية في كانون الثاني/ يناير حيث تمت السيطرة على أسلحة فرق الجيش وأرسلت لبيوتها.
ويزعم إن سيطرة داعش على الموصل كان سهلا بسبب دعوة العشائر لأبنائها الجنود ترك وحداتها.
ويرى السليمان إن هناك إمكانية للحفاظ على وحدة العراق من خلال تشكيل منطقة حكم ذاتي للسنة، ولن يحدث هذا بدون كتابة الدستور من جديد وتنحي المالكي عن الحكم.
وقال «لقد تظاهرنا سلميا لنطالب بحقوقنا» لكن «المالكي قال: «هؤلاء ليسوا عراقيين، هؤلاء إرهابيون، واستخدمه كمبرر للهجوم على العرب السنة، نحن ندافع عن أنفسنا».

حالة جمود

ووصلت حالة الحرب في العراق نوعا من الجمود، وبإعلان الدولة الإسلامية، يبدو أن داعش اكتفى بما سيطر عليه من مناطق وتراجع أو أخر على ما يبدو الهجوم على بغداد.
ولم يتمكن الجيش العراقي حتى الآن من السيطرة على مدينة تكريت التي أعلن عن دخوله إليها. ووصف باتريك كوكبيرن في صحيفة «إندبندنت» تكريت بمدينة الأشباح. ويعتقد أن سيطرة المالكي على الحكم مرتبط باستعادتها.
ويقول إن الجيش العراقي تقدم نحو مدخل المدينة لكن المسلحين لا يزالون يسيطرون على الأجزاء الأخرى، وينقل عن ابو محب الذي أحضر اخته منها لبيجي «هي مدينة أشباح». وقال «لا يزال داعش يسيطر على تكريت ولكن هناك أعداد كبيرة من الجنود خارجها».
ويقول الكاتب إن الحكومة العراقية تريد تحقيق ولو أنجاز بسيط في تكريت أو غيرها بعد أسابيع من الخسائر وانهيار الجيش النظامي.
وسيخدم هذا الإنجاز المالكي الذي تتراجع حظوظه في الإستمرار في الحكم مع انعقاد جلسة البرلمان اليوم، ومطالب المرجعية الشيعية آية الله علي السيستاني بتشكيل حكومة ممثلة.
ومع وصول طائرات سوخوي الروسية «سو-25» والتي ستكون جاهزة للخدمة يرى مسؤولون في بغداد إن إعادة بناء الجيش تحتاج لأشهر.
ويقول ضابط سابق في القوات الخاصة البريطانية 6 أشهر «ستكون واقعية»، مضيفا «سأكون مهتما بالدور الذي ستلعبه قوات البيشمركة».

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية