إعلان موت شخص يدعي صديقي

حجم الخط
0

خالد عاشور

مات صديقي…! دهسته فتاة عشرينية تدعي خطيبته. تعود في الفترة الأخيرة أن يدندن باسمها في لذة. كلما تحدث ليس له حديث إلا عنها شوشو. تلك هي الفتاة العشرينية التي دهست صديقي فأفقدتني إياه.. إمبابة وحدة.. وحدة وحدة.. نفر وحدة ها أنت ذا عدت إلي الوحدة بلا أصدقاء، تمشي بلا هدف كالتائه، فأين تذهب ولم يعد أحد يهتم بك، أصوات صبية السائقين تفزعك، أصوات الناس كلها أصبحت تفزعك، تريد أن تصم أذنيك فيعلو الصوت: إمبابة وحدة.. وِحدة وحدة.. نفر وحدة يا لقسوة الحياة..!! تذكر نفسك أنه ليس متأخراً في أي مرحلة من مراحل الحياة أن تبدأ من جديد، ولكن كيف ستستمر الحياة أو تبدأ بلا أصدقاء بعد أن مات صديقي، والذي دهسته فتاة عشرينية أفقدته شخصيته وجعلته ينجذب نحوها كمغناطيس وحيد القطب تاركاً إياك بلا أحد.! حتي حين يجيئك لا يتحدث معك ويظل ممسكاً بالهاتف يتحدث مع العشرينية شوشو حتي ينام وهو ممسك بسماعة التليفون دون أن يسأل عن أخبارك أو كيف تسير معك الحياة التي كتب عليك أن تحياها وحيداً.! أنت الرجل العادي.. أقل من العادي.. والذي فقد وظيفته لأنه غبي لا يعرف أصول النفاق، فلفظته الحياة بكل غباء وحيداً يجتر الذكريات بعد أن كان مكتفياً بصديقين، أحدهما شنقته الكآبة تبعدك عنه مسافة سبع ساعات من السفر الشاق فأنزوي عن العالم في غيبوبة من التوحد، أما الآخر فسحقته فتاة عشرينية أحبها فجعلت منه مسخاً مشوهاً لم يعد صديقك.. ويعلو الصوت في اذنيك أكثر: إمبابة وحدة.. وحدة وحدة وحدة.. نفر وحدةتحت ابطك تستقر جريدة اشتريتها من أيام، اعتصرت إعلانات الوظائف الخالية بها دون جدوي.. فثلاث سنوات مرت علي فصلك من عملك وانت تبحث عن وظيفة، تتشبث بالأمل كلما وجدت وظيفة، غير أنه يتخلي عنك بعد شهور قليلة فتعود إلي وحدتك بلا عمل حامداً الله علي شقتك التي وهبك إياها وتمني نفسك بأن الفرج قريب.! غير أنه لا يأتي ويبتعد أكثر!

تنظر إلي وجوه الناس بلا اكتراث متحاشياً نظراتهم المتطفلة، تشعر أن العالم من حولك أصبح بلا معني، تجتذبك اللافتات المعلقة فتقرأها بلا وعي: من أجل مستقبل أفضل للشباب وأمان أكثر للشعب… عبر عن رأيك بحرية وقل نعم لتعديل الدستور تضحك علي جملة مستقبل أفضل للشباب، أنت الذي فصلت من عملك لأنك قلت لا.. في حين أنه كان من الواجب عليك أن تقول نعم.. فمشرفك السافل يسرق الأبحاث وينسبها لنفسه ويريدك أن تفعل مثله، وحين رفضت وضعك في الجزء القذر من عقله.. وبدأت المشكلة.. أحاطت بك الكلاب فوقعت فريسة ينهش فيها الجميع بالشائعات.. أنت الذي لم ترتكب جرماً غير أنك قلت ذات مرة لا!

مجلس تأديب يحيلونك إليه، وجلسة تلو جلسة، ويطلقون عليك رصاصة الرحمة في النهاية.. يفصل المعيد من عمله لسوء سلوكه مع أساتذته وعدم احترامه لهم يا الله………! أصبحت أنت اللص وأصبحوا هم الكلاب.. والكلب سند للكلاب من أمثاله.. والبقاء للأفسد.. إمبابة وحدة.. وحدة وحدة وحدة وحدة.. نفر وحدةيخاصمك صديقك فترة لأنك فضلت عليه مومسا ذات مرة، تلك التي يدعوها بإصرار بأنها مومس تأتيك من مسافة لو أردته هو ذاته أن يأتيك منها لرفض، تلك المومس تتصل بك يومياً في حين أنه يتركك وحيداً بعد أن تغير، هائماً هو في حب شوشو!

أوليس عجيباً أن يبدأ اسمها بحرف الشين! أوليس الشيطان ذاته يبدأ اسمه بحرف الشين اللعين، كم أكره هذا الحرف، أولم تختصر اللغة العربية كلمة العيب والعار في الشين!

أوليست هي التي وسوست إليه باسم الحب فأخذته منك بكل قسوة، تلك الفتاة العشرينية التي صحوت يوماً فوجدتها دهست أعز أصدقائك فأعلنت بعدها وفاته.. وراح هو يشكوك فاضحاً إياك عندها وعند غيرها، بأنك فضلت عليه مومسا، تاركاً أهل التقوي والفساد ينصحونك بأن مشي الحريم حرام، فتنهال عليك نصائحهم تريد أن تعيدك إلي طريق الصواب، ويتندر أحدهم قائلاً لك في سخرية واضحة يا غاوي مشي الحريم.. مشي الحريم بطال.. يعرفوك في يوم الرضا.. وينسوك في يوم بطال، فتكتفي أنت باعلان توبتك اللحظية حتي يكف الجميع عن تقمص شخصية الامام الأكبر والناصح الأمين معك، وما إن تتركهم حتي تلعن الجميع لأنهم لا يشعرون بك، وتسحب هاتفك لتتصل بالمومس نفسها، فهي الوحيدة التي لا تنصحك، بل تجعلك تنسي كل شيء، وأنت دائماً ما تحتاج إلي من ينسيك.. وتقول لنفسك هامساً إن الذين هلكوا بأيدي الأصدقاء أضعاف الذين هلكوا بأيدي الأعداء. إمبابة وحدة.. وحدة وحدة وحدة وحدة.. نفر وحدةنحتاج أحياناً إلي وجود الآخر في حياتنا لأنه دليل وجودنا، ونفر من وجوده أحياناً لأنه ينفي وجودنا..! ولكن أين الآخر من حياتك أيها الغبي؟ أصبحت أنت وحدك بلا آخر بعد أن وجد صديقك آخره وتركك تبحث مثله عن امرأة تؤنسك لتنهي الشائعات التي لا تزال تطاردك حتي من أقرب الناس إليك، فوالدك في حديثه الأخير معك أصر علي أن إعراضك عن الزواج يبدو له بسبب أنك ملكش في الحريم! فتضحك ساعتها وتخرج هاتفك تريد أن تعطيه أرقام كل النساء اللاتي تمددن علي فراشك فأثبت معهن وبجدارة أنك الرجل الأوحد ـ كما أوهمنك ـ الذي جعلهن يشعرن بالأنوثة بعد أن أشبعت رغباتهن، وتكتفي بأن تهرب كالعادة بـ: إن شاء الله ربنا يعدلها واتجوز يا حاج، وتلعن في سرك سنوات عمرك الخمسة والثلاثين التي جلبت لك نظرات الشك وأبقتك وحيداً يظن فيك بأنك ملكش في الحريم. إمبابة وحدة.. وحدة وحدة وحدة وحدة.. نفر وحدة تقلب في الجريدة.. تنظر إلي الدائرة التي رسمتها حول إعلان الوظيفة الشاغرة مطلوب مدرس شاب حسن المظهر لطفل بمدرسة ابتدائي لغات بشرط إجادة الانكليزية والفرنسية. تمني نفسك بالوظيفة برغم ضعفك في الانكليزية وجهلك التام بالفرنسية. وتبتسم حين تقع عينيك علي مانشت الجريدة الرئيسي نسبة البطالة في مصر تتقلص والحكومة تعمل علي إنهائها وتحسين مستوي الدخل للموظفين.

تتأكد من العنوان وأنه بشارع الوحدة كما أملاك الصوت الأنثوي الناعم الذي رد عليك من أيام لتحديد الانترفيو وحين توفر ثمن المواصلات ها أنتذا تذهب، أنت الذي كنت ترفض إعطاء الدروس الخاصة بالجامعة، رغم أن الجميع أحلها، بل وأصبحت بالنسبة لهم مصدر رزق أهم من الراتب ذاته والذي لا يكفي إلي منتصف الشهر، أنت الذي تركت الجامعة غير آسف لأنها أصبحت موطناً للفساد في بلد أصبح شعاره كن فاسداً تحيَ أفضل.. فالبقاء للأفسد وتقولها لنفسك بحزن يا ليتني أصبحت فاسدا!

ولكن حتي نعمة الفساد أصبحت بعيدة المنال.. وبقي لك إعلان واحد غبي تنظر فيه وتقرأه بأمل مطلوب مدرس شاب حسن المظهر لطفل ابتدائي لغات بشرط إجادة الإنكليزية والفرنسية متغاضياً عن هندامك الدال علي عكس حسن المظهر وجهلك في اللغات المطلوبة، فتهز رأسك طارداً وساوس اليأس متجهاً نحو السيارة مسرعاً لتكمل النفر الناقص وأنت تائه، فتحشر نفسك وسط علبة السردين التي كانت تنقصك، فتركب بآلية وكأنك تساق بقوة تجهل كنهها.

وحين يغلق صبي السائق باب السيارة وتهم بالتحرك تلتفت بعينيك إلي تاريخ الجريدة فيوقظك بأن ميعاد الاعلان قد انتهي، فتدمع عيناك وتقفز من السيارة جرياً كالملسوع، تتبعك نظرات الاستغراب، بينما يعود صوت الصبي مندمجاً مع أصوات الباعة الجائلين والأغاني الهابطة التي تنبعث من كل مكان، غير أنه يزداد في اذنيك علواً برغم ابتعادك وهو يعود إلي الصراخ مردداً: وحدة وحدة وحدة وحدة وحدةقاص من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية