إعمار مخيم جنين: حالة من انعدام الثقة بين المواطنين والجهات الرسمية واتهامات بالتسييس

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رغم مرور الشهرين والنصف على العدوان الاحتلالي على مخيم جنين، إلا أن هناك إحساسا عاما بالتباطؤ في تنفيذ عملية الإعمار، يتعمق في ظل تنامي عدم الثقة بين المواطنين والجهات الرسمية.

جنين ـ «القدس العربي»: بعد أكثر من 70 يوما على اجتياح مخيم جنين الذي انطلق مع مطلع شهر تموز/يوليو الماضي ضمن عملية عسكرية ضخمة حملت اسم «البيت والحديقة» دمرت خلالها آليات الاحتلال شوارع رئيسية وبنية تحتية ومنازل للمواطنين، ما زالت قضية إعادة إعمار المخيم حديث المواطنين الغاضبين.

تجولت «القدس العربي» في المخيم المنكوب، وتحديدا في المناطق التي تعرضت للتدمير وتلمست غضب المواطنين المعلن من المسؤولين سواء من الجهات الحكومية أو حتى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا».
ورغم استمرار «الاجتياح الكبير» على مدى 48 ساعة إلا أنه أنتج تدميرا ضخما للبنية التحتية ومنازل المواطنين وهو ما خلق معاناة متواصلة لم تتوقف حتى اللحظة. فرغم مرور ما يقرب من الشهرين والنصف على العدوان، إلا أن هناك إحساسا عاما بالتباطؤ في تنفيذ عملية الإعمار، وهو ما يتعمق في ظل تنامي حالة عدم الثقة بين المواطنين والجهات الرسمية القائمة على تنفيذ ملف الإعمار بكل تفاصيله.
ويمكن للمتجول في أزقة المخيم الذي يتكون من نحو 1000 شقة وبيت مستقل، نحو 15 ألف نسمة، أن يستمع بسهولة لاتهامات يطلقها مواطنون بحق الجهات الرسمية، ويؤكد المواطنون على حالات من السرقة ونهب المال العام وخدمة جيوب المسؤولين على حساب معاناتهم من دون أن تسند ذلك أي دلائل أو حقائق.
ويقول أحد النشطاء: «هذا هو حال المخيم، مشاعر المواطنين الغاضبة والاتهامات الكثيرة والكبيرة قد لا تدعمها الحقائق لكنها تعبر عن إحساس كبير وعميق من عدم الثقة وهنا مشكلة كبيرة وعلى المسؤولين حلها وليس المواطنين».
وعقب ناشط آخر رفض الكشف عن اسمه: «ما يجري في المخيم من تأخير كبير وكبير جدا في عملية الإعمار مرتبط باتفاقات أمنية وسياسية، لا يمكن النظر إلى الأمر إلا من هذه البوابة التي تفسر كل ما يجري ويحدث».
وأضاف: «الخلل الكبير موجود، معاناة المواطنين يتم استثمارها وتعزيزها، هناك فيتو على إكمال الإعمار، وهو أمر مصدره إسرائيل».
وفي حال دخل المخيم من جهة المستشفى الحكومي، سيجد الزائر أن هناك جهودا نفذت في تعبيد الشارع الرئيسي الذي يشطر المخيم إلى قسمين، لكن الصدمة ستدخلك عندما تجد ان التعبيد لا يمتد على كامل هذا الشارع، حيث هناك مساحة كبيرة مليئة بأكوام الردم والركام وبقايا الأتربة والدمار.
وفي الطريق غير المعبد الذي يتوسط منطقتين تم تعبيدهما تحدثنا مع مواطنين أعلنوا صراحة عدم ثقتهم بالجهات الرسمية، وأكد مواطن من عائلة الشلبي كان يعمل برفقة ابنه على إزالة أتربة من أمام منزله: «تفضلوا فرشوا الكركار (حصى تسبق الأسفلت) فلماذا لم يزيلوا التراب من أمام منزلي؟ هذه أبسط مسألة كان يمكن أن يقوموا بها».
وعند سؤاله عن مدى وجود تأخير في إعمار المخيم وتحديدا المناطق المدمرة رد بنوع من العتب الشديد: «بدهم يحطوا بجيابهم، لماذا يتم تعبيد أجزاء من الشارع فيما يتجاهلون قسما منه، ما تفسير ذلك، أليس هذا الجزء (الذي يقف فيه المواطن) جزء من الشارع الرئيسي، لماذا هذه التجزأة غير المفهومة والتي تزيد معاناة المواطنين؟».
وتساءل أحد المواطنين: «اليوم هو السبت، والبارحة الجمعة، لماذا لا يتم العمل في أيام العطل؟ ألا يفترض ان يكون وجع الناس دافعا للعمل أيام الجمع والعطل أيضا؟».
فيما أكد مواطنون أن هناك عملا من طواقم صغيرة العدد والعدة وهو ما لا يتوافق مع ادعاء المسؤولين بالعمل العاجل لتجاوز معيقات تدمير البنية التحتية.
يذكر أنه وبتاريخ 10 تموز/يوليو الماضي قدم وزير الحكم المحلي مجدي الصالح تصورا حول التقرير النهائي حول الأضرار الكاملة حيث أكد أنه سيكون جاهزا خلال أسبوعين من تاريخه. وكان نائب محافظ جنين كمال أبو الرب، قد أعلن أن العملية الإسرائيلية في مخيم جنين شمالي الضفة الغربية «ألحقت أضرارا بـ 80 في المئة من منازل المخيم» وأن «غالبية شوارع المخيم تضررت هي الأخرى» وأن «العملية دمّرت شبكات المياه والكهرباء والهواتف الأرضية والصرف الصحي».
وأمام تنامي غضب المواطنين حضر وزير الحكم المحلي مجدي الصالح إلى أرض المخيم وأعلن في مؤتمر صحافي، الخميس الماضي، عن الجهود الوطنية لإعادة إعمار جنين ومخيمها، وعن تنفيذ المراحل المختلفة، من شبكتي المياه والكهرباء، وإصلاح الطرق الداخلية. وذلك بحضور القائم بأعمال محافظ جنين كمال أبو الرب، ورئيس لجنة إعمار المخيم محيي الدين العارضة، ورئيس اللجنة الشعبية لخدمات اللاجئين محمد الصباغ، ولجنة الطوارئ في المخيم، والمؤسسات الرسمية والأهلية ذات الاختصاص.
وتحدث الصالح، عن عمل طواقم سلطة المياه التي نفذت البنية التحتية من شبكات المياه والصرف الصحي حيث بلغت تكاليف إعادة الإعمار 3.5 مليون شيقل، فيما وصلت نسبة الإنجاز في شبكات المياه إلى 70 في المئة والصرف الصحي إلى 95 في المئة
وشدد أن العمل جارٍ لتنفيذ المرحلة الأولى من إعادة تأهيل الطرق الداخلية في المخيم وإصلاحها بقيمة إجمالية بلغت 9.134.000 شيقل، والمشروع ينفذ من خلال ثلاثة مقاولين كسبا للوقت وسرعة الإنجاز.
وأوضح أن عطاء المرحلة الثانية بقيمة 7.681.065 شيقل سيتم من خلال ثلاث شركات العمل جارٍ لتوقيع العقود معها ومباشرة العمل حالما تُستكمل كل المتطلبات القانونية للتعاقد، وسيخدم المشروع محيط مخيم جنين والأحياء المحيطة، وجميع المواقع التي دمرتها آليات الاحتلال.
وكانت الحكومة الفلسطينية قد قررت في جلسة سبقت المؤتمر الصحافي اعتماد المخصصات عن البنود التالية: تعويض المركبات بقيمة 2.463.000 شيقل، وتعويض المنشآت الاقتصادية بقيمة 3.936.400 شيقل، وتكاليف الهدم وإزالة البيوت المدمرة بقيمة 3.500.000 شيقل.
وحول تبريره لواقع تنفيذ المشاريع كان الصالح قد شدد على أن التنفيذ يتم في منطقة ذات خصوصية عالية وذات كثافة سكانية عالية في مساحة ضيقة متاحة للعمل، إلى جانب العمل في منطقة محفوفة بالمخاطر الأمنية.
وأوضح أن ما تم إيداعه في الحساب حتى الآن هو 500 ألف شيقل فقط، تم تحويلها من مكتب الرئيس، وننتظر وصول تبرع الحكومة الجزائرية المقدر بـ30 مليون دولار.
وخلال المؤتمر تحدث مسؤول عن أن عملية بناء المنازل المدمرة بشكل كامل واستصلاح المنازل المتضررة بشكل جزئي قد تحتاج إلى قرابة عام.
ويعلق نشطاء تحدثت معهم «القدس العربي» على إيقاع العمل في المخيم على أنه أكثر من بطيء، حيث لا يوجد ما يبرر أن يكون بناء المنازل خلال عام.
يذكر أن الحكومة الفلسطينية كانت قد استأجرت منازل لما يقارب 82 عائلة من مخيم جنين تعرضت منازلهم لأضرار كبيرة، وأصبحت غير صالحة للسكن، حيث رصدت الحكومة ما يقارب 150 ألف شيقل لعقود الإيجار بشكل شهري لإيواء العائلات التي فقدت منازلها خلال العدوان الإسرائيلي على المخيم. لكن مواطنين وعائلات تحدثت معهم «القدس العربي» أكدت أن دفع المستحقات غالبا ما يتأخر.
وسادت يوم الجمعة أجواء من الغضب احتجاجا على توزيع مبالغ مالية عبر شيكات بمبالغ مالية تصل 1640 شيقل إسرائيلي مصدرها وزارة الأوقاف الفلسطينية التي كانت قد جمعت مبالغ مالية من المساجد في الضفة الغربية.
وقال مواطنون لـ«القدس العربي»: «كل شيء يتكرر، الناس تنشغل بالأموال والفساد في توزيع المساعدات حيث منح مواطنين لا يعيشون في المخيم مبالغ مالية، فيما حرم مواطنين يعيشون في المخيم، إنه وضع يشعر الجميع بالعار».
وفي سياق آخر علق مواطن على يافطة رفعت على مدخل المخيم من جهة دوار العودة الذي يقع غرب المخيم حيث قال: «انظروا إلى اليافطة مكتوب عليها أن مدة تنفيذ مشروع الإعمار هو 30 يوما. لكن المعلن لا يوضح متى هي بداية تنفيذ المشروع ومتى تكون».
وكان الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة «أمان» قد دعا إلى تحصين عملية إعادة إعمار مخيم جنين ضد أي فرص لإساءة استخدام المنصب أو إهدار للمال العام يعتبر حجر الأساس في إنجاح الجهود المبذولة.
وقدم في بيان تفصيلي طريق ومؤشرات يجب التعاطي معها من أجل ضمان تنفيذ إعادة الإعمار لضمان أن تكون العملية بأكبر قدر من الشفافية والعدل ومن ضمنها ضرورة اعتماد دليل منع الفساد في المساعدات الإنسانية الصادر عن ائتلاف أمان، ومنظمة الشفافية الدولية والمعتمد من وزارة التنمية الاجتماعية، كأساس في إدارة عمليات إعادة الإعمار، وتقديم المساعدات العينية والنقدية في المخيم، خاصة أن الدليل تم إعداده بالاستناد إلى الدروس المستفادة من إعادة إعمار قطاع غزة.
يذكر ان الجزائر تبرعت بـ 30 مليون دولار، والإمارات بـ15ـ مليون دولار عبر وكالة الغوث «الأونروا» وتركيا بـ 150 ألف دولار، ومؤسسة أنيرا بـ 200 ألف دولار. كما قدمت الحكومة عن طريق وزارة المالية 7 مليون شيقل، وكانت قد صرفت 3.6 مليون شيقل لبلدية جنين، وخصّص الرئيس 500 ألف شيقل من موازنة مكتبه، وبلغت حصيلة تبرعات المواطنين في الحملة التي دعت إليها وزارة الأوقاف بعد صلاة الجمعة في 7 تموز/يوليو الماضي مليوني شيقل.
وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن يوم مطلع تموز/يوليو عن تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق، استخدم فيها مروحيات وطائرات مسيرة وقوات برية، لاستهداف مسلحين فلسطينيين، ما أدى إلى مقتل 13 فلسطينيا وإصابة نحو 120 آخرين بينهم 20 في حالة حرجة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية