إفلاس السياسات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط

حجم الخط
0

إفلاس السياسات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط

إفلاس السياسات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسطد. يوسف نور عوض استقطبت زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس إلي الشرق الأوسط اهتماما كبيرا علي المستويين المحلي والعالمي، وليس ذلك لأن العالم كان يتوقع اختراقات سياسية خلال تلك الزيارة بل لأنه كان يريد أن يعرف ما في جعبة الولايات المتحدة بعد الظروف الصعبة التي واجهتها سياسة الرئيس بوش في العراق والتي أدت إلي فقدان حزبه لانتخابات الكونغرس الأخيرة واضطراره إلي إعلان تغيير في سياسته، وهو تغيير يتسم بدرجة كبيرة من السذاجة لأن الرئيس بوش مازال يعتقد أن مجرد زيادة القوات الأمريكية في العراق كفيل بتحقيق النصر هناك أو علي الأقل خروج الولايات المتحدة من العراق خروجا مشرفا، وكان ذلك تقديرا خطأ لان الولايات المتحدة لم تدخل العراق بفكر ثاقب ولم تقدر أن الحكومة التي تستند إلي أغلبية شيعية لن تكون في أحسن الحالات حليفا لها ضد إيران، وذلك ما يؤكد ضعف القدرات الثقافية عند واضعي السياسة الأمريكية الذين لم يفكروا في الشأن العراقي إلا من حيث هو مغامرة لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين واعتقاد أن ذلك وحده كفيل بتحقيق الأمن لدولة إسرائيل.ويبدو واضحا أن تحرك الولايات المتحدة يأتي في إطار تصور لشرق أوسط راكد تسيطر عليه حكومات لا تهتم كثيرا بمصالح شعوبها وهي علي استعداد للتحالف مع الشيطان من أجل المحافظة علي كراسي الحكم ومصالح النخب دون أن تدرك الولايات المتحدة أن سياساتها تسبب إحراجا كبيرا للدول في منطقة الشرق الأوسط وأن الشعوب قد ضاقت بسياساتها المكررة وأنها تقترب من لحظة الانفجار التي لا تبقي لا تذر.ولا بد أن نضع سؤالا أساسيا نتحرك من خلال الإجابة عليه نحو مناقشة موضوعنا، وهو هل يعتبر العرب الولايات المتحدة صديقة لهم؟بكل تأكيد لا يوجد طفل في شارع عربي يعتبر الولايات المتحدة صديقة للأمة العربية أو أنها تقوم بأعمال فيها منفعة للعرب، وعلي الرغم من أننا نسمع بعض المثقفين في الكويت يتحدثون عن التحالف الإستراتيجي بين الولايات المتحدة وبلدهم، فما لا شك أن دلالات مثل هذا القول مفهومة في إطار ما تعرضت له الكويت من احتلال عراقي ولكن طرد العراقيين من الكويت بمساعدة الولايات المتحدة لن يحول الكويت إلي صديق استراتيجي للولايات المتحدة لأن الصداقة الإستراتيجية هي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وهكذا نقول بصرف النظر عن الدوافع التي حدت بالولايات المتحدة لاحتلال العراق فلا شك أن قتل سبعمئة ألف عراقي ليست مزحة يصمت العرب تجاهها بل يجب أن يحملوا الولايات المتحدة مسؤوليتها كاملة لأنه حتي الرئيس صدام حسين بكل ما نسب إليه من انتهاكات فهو لم يقتل من الشعب العراقي خلال ثلاثة عقود ما قتلته الولايات المتحدة خلال ثلاث سنوات.وفي هذا الإطار نتحدث عن رحلة كوندوليزا رايس إلي الشرق الأوسط وهي التي قال عنها موقع ألبي بي سي قبل توجهها إلي هناك إنها واجهت واحدا من أصعب الأسابيع خلال فترة توليها وزارة الخارجية، ذلك عندما ذهبت إلي كابيتول هل للدفاع عن توجهات الرئيس بوش الجديدة في العراق. فقد وجه لها السناتور الديمقراطي عن نبراسكا تشك هاغل نقدا عنيفا عندما وصف سياستها في وزارة الخارجية بأنها أسوأ سياسة اتبعتها الولايات المتحدة منذ حرب فيتنام. ولا يعني ذلك أن الكونغرس الديمقراطي يريد سياسة جديدة أكثر إنصافا وعدلا بل يريد بديلا للسياسة الحالية تتمثل في بدء مواجهة مع سورية وإيران، وليس ذلك بالطبع لان سياسة الرئيس بوش قد استنفدت أغراضها بل لان الهزيمة اللائحة للسياسة الأمريكية في العراق ستهدد أمن إسرائيل وستقلص النفوذ الأمريكي في المنطقة، وعلي الرغم من ذلك فإن الولايات المتحدة ماضية في نهجها القديم بنفس الأسلوب الذي ظلت تمارسه من قبل وهي تثير الخوف في المنطقة من إيران وتحفز بعض الدول المعتدلة مثل مصر والأردن والسعودية لاتخاذ مواقف مؤيدة لسياستها في العراق وتحاول بقدر الإمكان أن تثير قلق المملكة العربية السعودية التي ظهرت فيها أصوات تقول إن عدم دعمها للطائفة السنية هو الذي أدي إلي سيطرة الطائفة الشيعية، وبالتالي يجب أن تغير السعودية نظرتها لما يجري في العراق ولا يمكن أن يكون التغيير إلا مضادا لأهداف الولايات المتحدة التي تلقي بكل ثقلها خلف الطائفة الشيعية، ولكنها لا تعرف كيف تقيم التوازن بين هذا الدعم وبين علاقاتها المتوترة مع إيران، ويفسر ذلك لماذا بدأت الولايات المتحدة تحرض في الخفاء لفتح جبهة مع السعودية في بريطانيا من خلال التحقيق في صفقة اليمامة التي لا يمكن أن تكون قد أثيرت فقط لإحقاق الحق أو لكشف بعض جوانب الفساد في المعاملات التجارية وإنما لا بد أن تكون هناك أهداف سياسية وراء هذه الإثارة ولا يمكن أن تكون هذه الأسباب شيئا غير الضغط علي المملكة العربية السعودية لتحييد موقفها في العراق.ويذكر العرب أن كوندوليزا رايس وصفت المشهد في الشرق الأوسط خلال الحرب اللبنانية الإسرائيلية بأنه آلام الولادة لشرق أوسط جديد ولكنها الآن تعدل موقفها وتري أن ما يجري في الشرق الأوسط هو صراع بين قوي الإصلاح والاعتدال وقوي الرجعية والتطرف، ولا يدري احد بأي منطق تتحدث الولايات المتحدة عن الدول الشمولية والتي تدعمها بأنها قوي الإصلاح والديمقراطية في المنطقة بينما تصف طالبي التغيير بأنهم قوي التطرف والرجعية، ذلك هو المأزق الحقيقي للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وهي التي تتبع سياسات مفلسة هي التي جعلت كثيرا من وسائل الإعلام تقول إن الوزيرة الأمريكية لم تحمل في جعبتها إلي المنطقة أي مشروع جديد تصلح به السياسات الأمريكية في المنطقة فهي قد ذهبت لتبيع للناس كلاما قديما سئم الناس سماعه مثل أن الولايات المتحدة ملتزمة بعملية السلام وأن الرئيس بوش يدعم قيام دولتين فلسطينية وإسرائيلية تعيشان جنبا إلي جنب وفق خطة الطريق وهو كلام لم يعد يجدي وحتي الرئيس محمود عباس الذي وصفته واشنطن بالاعتدال أعلن تبرمه مما سمعه ورفض مشروع الدولة الفلسطينية المؤقتة لأنه غير عادل، وهو في نهاية الأمر مجرد كلام لا يغني ولا يسمن وقد ظلت الولايات المتحدة تردده دون أن تكون له أي نتائج عملية علي أرض الواقع لأن ما تريده إسرائيل عكس ما يريده العرب، وليست هناك أرضية مشتركة تجمع بين الطرفين، ولا يبرر ذلك استمرار سياسة العدوان والاحتلال بل هو يكشف فقط كيف أن إسرائيل ترفض اي حل للقضية الفلسطينية حتي بعد تقديم تنازلات مؤلمة من الجانب الفلسطيني.وبالطبع لا تهتم الولايات المتحدة كثيرا بحل القضية الفلسطينية وهي ليست مستعدة لدعم العرب لتحقيق اي مكاسب في أرض فلسطين وإنما كل ما تسعي إليه في الوقت الحاضر بعد تدمير العراق هو أن تضمن تأييدا عربيا من أجل محاصرة إيران أو توجيه ضربة لها ولا نقول إنه لا توجد بعض الدول العربية التي يمكن أن تسير خلف الولايات المتحدة في هذا الاتجاه ولكن كما وقعت هذه الدول في خطأ كبير عندما ساندت سياسة الولايات المتحدة في العراق فإنها تقع في خطأ أكبر إذا ساندت السياسة الأمريكية في إيران لأنها ستجعل حينئذ منطقة الشرق الأوسط منطقة حرب لعقود طويلة قادمة تستنزف ثرواتها وتعرضها لأخطار جمة وتبقيها تحت الاحتلال لسنوات طويلة. ولعله من الكذب الصريح أن تحاول كوندوليزا رايس أن تقول إنها تتحرك نحو المنطقة من أجل إيجاد مخرج للصراع العربي الإسرائيلي، فقد أكدت كل المصادر أنها لا تملك أي خطة جديدة كما أن الفترة المتبقية للرئيس بوش في البيت الأبيض وهي عامان لا تتيح له أن يتوصل إلي حلول في قضية معقدة مثل القضية الفلسطينية، واغلب الظن أنه سيستمر في سياسته المزعومة في العراق وربما يطورها بمواجهات مع إيران ولكنه بكل تأكيد لن يتفرغ للقضية الفلسطينية.والسؤال هو هل تبقي الدول العربية منتظرة حتي يفتح الله عليها بتغيير في الموقف الاستراتيجي الأمريكي وهي تري نفسها تساق في كل يوم لتنفيذ ما لا تريده من السياسات الأمريكية؟ الإجابة هي أن استمرارالسياسات العربية علي هذا النحو ضرب من الحمق ذلك أن التقدم في القضية الفلسطينية لا يكون إلا عندما يضع العرب تحديات حقيقية أمام الولايات المتحدة وإسرائيل وقد جرب العرب ذلك خلال مرحلة الرئيس جمال عبد الناصر، وعلي الرغم من أنهم لم يحققوا الأهداف في تلك المرحلة فإن الغرب والولايات المتحدة اتبعا سياسات مختلفة عن السياسات الموجهة للعالم العربي في الوقت الحاضر وذلك ما يستدعي إعادة النظر في استراتيجية التعاون مع الولايات المتحدة، وعلي الحكومات العربية أن تدرك أن التعاون مع شعوبها خير لها ألف مرة من التعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل. كاتب من السودان9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية