إقليم كردستان وتظاهرات العراق 

حجم الخط
0

بغداد –” القدس العربي”: التظاهرات التي عمَّت العاصمة العراقية ومدن وسط وجنوب العراق التي تقطنها أغلبية شيعية في مطلع تشرين/اكتوبر الجاري لم تكن مصدر قلق للسلطة في بغداد فقط، بل امتد هذا الشعور إلى إقليم كردستان العراق أيضا، وهذا يعود إلى ترابط العلاقة وتداخلها ما بين الساسة الشيعة والأحزاب والقوى الكردية، فالاثنان حريصان أكثر من غيرهما على طبيعة النظام السياسي في بغداد بمنظومته الطائفية القائمة على المحاصصة، والتي عادت عليهما بغنائم كبيرة، وكان دورهما جوهريا في وضع الأسس الدستورية لهذا النظام، وما جمعها في هذا الموقف المشترك قضية شغلت أهمية كبيرة في استراتيجية تفكيرهما، تتعلق بشكل النظام السياسي الذي اتفقا على تأسيسه في بغداد بعد سقوط نظام البعث، حيث عمل الاثنان على ان تكون العلاقة التي تجمع العراق مع محيطه العربي ضعيفة. فمن جهة أحزاب الإسلام السياسي الشيعية دفعت بالعراق لان يكون في مسار مذهبي ينضوي تحت خط نظام ولاية الفقيه في طهران، وهذا يتفق بالمحصلة النهائية مع ما يسعى إليه قادة إقليم كردستان في ان تتراجع إلى الخلف الهوية العربية التي كانت سمة بارزة للعراق، وأن يتحول المجتمع إلى مكونات عرقية ودينية وطائفية، كل واحدة منها تحمل تطلعا إلى تشكيل كيان منعزل عن الآخر حتى لو كان ذلك على حساب تقسيم العراق إلى فيدراليات أو دويلات صغيرة.

تغييب الهوية

طيلة الأعوام الماضية التي أعقبت سقوط بغداد تحت الاحتلال الأمريكي كان العمل يجري على قدم وساق من قبلهما لتكريس هذا الواقع خاصة في الإطار الثقافي والاجتماعي، حيث بدت هكذا صورة العراق لمن يراقبها عن كثب بعد ان تم تقسيمه إلى أغلبية وأقلية، بينما الكرد في الإقليم تمتعوا بوضعهم القومي الخاص الذي ميزهم عن الآخرين بكل شيء، ولم يكن ينقصهم سوى إعلان الدولة القومية. في مقابل ذلك وبفضل أحزاب الإسلام السياسي الشيعية تراجع البعد العربي في بقية مدن العراق وبدلا عنه حلت الهوية المذهبية، فكانت هناك مدن سنية ومدن شيعية وهذا يتفق مع رؤية الساسة الكرد. من هنا يمكن قراءة موقف حكومة الإقليم ازاء تظاهرات الأول من تشرين الأول/اكتوبر، حيث بدت تراقب الأحداث ولم تعلق عليها، ملتزمة جانب الصمت المشحون بالقلق خاصة بعد ان وجدت شعارات الشباب الذين خرجوا إلى الشوارع بأعداد كبيرة تتصاعد لحظة بعد أخرى بالشكل الذي باتت ولأول مرة تستهدف بنية النظام السياسي وليس المطالبة بالوظائف وتوفير فرص العمل. وما ردده المتظاهرون الشيعة من شعارات أشاروا فيها إلى تبعية حكومة بغداد لنظام الملالي في طهران، مثل شعار (إيران بره بره وبغداد تبقى حرة) وشعار (ناخذ حقنا من طهران مربّع والله مربّع). كانت مثل هذه الشعارات أبعد ما تكون عن توقعات أحزاب الإسلام السياسي الشيعية والحزبين الكرديين الرئيسيين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، رغم عملية غسيل الأدمغة التي امتدت لمدة ستة عشر عاما لأجل تفتيت الهوية العربية لدى الشيعة في مدن وسط وجنوب العراق وتحويلها إلى مذهبية، إلاَّ ان تظاهرات اكتوبر بعثرت هذه الجهود في لحظة عاصفة اصطبغت بدم المتظاهرين، وأعادت إحياء الأمل بأن الهوية العربية بمعناها الوطني وليس الايديولوجي من الصعب محوها أو استبدالها مهما مارست الأحزاب الشيعية المرتبطة مع إيران من ضغط وإرهاب على العرب الشيعة، وهذا ما يفسر العنف والقسوة التي قوبل بها المتظاهرون حيث تجاوز عدد القتلى 350 سقط أغلبهم برصاص القناصة وبعض ميليشيات الحشد الشعبي وقوات مكافحة الشغب والجيش والشرطة الاتحادية.

من ناحيتها الأحزاب الكردية لم تكن صدمتها أقل من صدمة ساسة وأحزاب الشيعة ازاء الموقف الذي عبّر عنه شباب الشيعة في تظاهراتهم، ولربما وجدوا مسألة تقسيم العراقيين مجتمعيا على أسس مذهبية ليست بتلك السهولة، بذلك لم تعد أي أهمية لحملات التظليل التي اضطلعت بها منظمات دولية في سلسلة طويلة من المؤتمرات والندوات تحت عنوان عراق الأقليات والمكونات.

دلالة التظاهرات

ما زالت السلطة السياسية في بغداد تحت تأثير الصدمة، واختل توازنها بعد ان تفاجأت بحجم التظاهرات ومستوى الوعي الوطني الذي عبر عنه شباب صغار السن لم يتجاوز أكبرهم الثامنة عشرة من عمره، وتشير المعطيات إلى أن التظاهرات هذه المرة اختلفت تماما عن سابقاتها التي بدأت مطلع العام 2011 والتي كانت تتجدد كل يوم جمعة في ساحة التحرير طوال خمسة أعوام، ووجه الاختلاف في غياب التيار الصدري عنها والحزب الشيوعي المتحالف معه، وهذا ما منحها مصداقية أمام العراقيين، بمعنى أنها لم تكن مدفوعة من قبل أطراف مشاركة في الحكم غاية ما تهدف إليه من ورائها الحصول على مكاسب شعبية واستثمارها كورقة ضغط على أطراف سياسية مشاركة في الحكومة بقصد اضعافها أو سحبها إلى مواقفها لتحقيق مصالحها.

لا يستطيع المراقب لتظاهرات الشارع العراقي هذه الأيام ان ينظر إليها بمعزل عن امكانية ان تكون لها تداعيات على بقية مدن العراق، بما في ذلك إقليم كردستان. والسؤال الذي من الممكن طرحه هنا: هل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأمنية في الإقليم تتشابه مع بقية مدن العراق بالدرجة التي يمكن أن تفضي إلى المظاهر التي تشهدها المدن الشيعية في الوسط والجنوب العراقي؟

المتابع لأوضاع الإقليم سيجد ان قيادته قد نجحت في ان تجتاز الكثير من الصعوبات الاقتصادية التي واجهتها خاصة بعد مجيء عادل عبد المهدي إلى رئاسة الوزراء الذي بادر إلى إلغاء عديد القرارات التي سبق ان صدرت في عهدي المالكي والعبادي وألحقت ضررا بالإقليم، بذلك تمت معالجة التصدعات التي أصابت تجربة الإقليم وكانت قد وضعته في موقف محرج أامام الشعب الكردي خاصة من الناحية الاقتصادية، فقد اتسمت الولاية الثانية للمالكي ومن بعده العبادي بتشنج العلاقة بين أربيل وبغداد، وعلى اثرها تم حجب الأموال المخصصة للإقليم ضمن ميزانيات الحكومة الاتحادية، كما فقدت حكومة الإقليم السيطرة على مدينة كركوك الغنية بالنفط بعد ان زحف إليها الجيش العراقي وميليشيا الحشد الشعبي خلال فترة تولي حيدر العبادي لمنصب رئاسة الوزراء. فكان لهذه الظروف المعقدة مع بغداد انعكاسات سلبية على المواطن في الإقليم، تركت آثارها واضحة على مستواه المعيشي فأصبح جميع الموظفين يتقاضون ما يساوي ربع مستحقات رواتبهم الشهرية لمدة تجاوزت الخمسة أعوام، وبناء على ذلك شهد الإقليم نهاية 2017 مظاهرات احتجاجية واسعة كان في طليعتها شريحة المعلمين والمدرسين والموظفين رددوا فيها شعارات عبروا فيها عن سوء أحوالهم المعيشية وعدم قدرتهم على تجاوز ما يواجهونه من صعوبات، وشهدت تلك التظاهرات حالات عنف مارستها أجهزة الأمن الكردية بحق المتظاهرين الذين صعدوا من موقفهم إلى إعلان حالة الاضراب الذي امتد لفترة تجاوزت الشهر توقفت بموجبه الدراسة خاصة في محافظة السليمانية  .

تباين طبقي

اليوم تغيرت الحالة الاقتصادية في الإقليم الكردي، حيث عادت الحياة إلى شبه وتيرتها الطبيعية بعد ان أطلقت بغداد موازنة الإقليم، وبات جميع الموظفين يستلمون مستحقاتهم الشهرية كاملة، وبدأت العجلة تدور في سوق العمل والاستثمار وبناء العقارات وتسارعت حركة البيع والشراء، إضافة إلى ان مستوى الخدمات العامة أفضل إلى حد ما إذا ما قورنت مع تدني مستواها في بقية مدن العراق، ولكن هل يعني هذا ان المواطن في مدن الإقليم يعيش وضعا يُحسد عليه مقارنة مع المواطن في بغداد وبقية مدن العراق بالشكل الذي لا يمكن ان يكون للتظاهرات التي تشهدها بغداد ومدن الوسط والجنوب أي تداعيات أو ارتدادات على سكان الإقليم خاصة لدى الطبقة الفقيرة والفئات المحرومة من الامتيازات التي يحظى بها أبناء الطبقة السياسية؟

منذ ما يزيد على العشرة أعوام يشهد إقليم كردستان ظهور طبقة متخمة بثراء فاحش تعكسها الأحياء التي تقطنها، حيث تتوزع فيها قصور فخمة وعمارات شاهقة ومولات واسعة وأماكن لهو خاصة بهم تتشابه مع مثيلاتها في مدن الخليج، ولكن خلف هذه الصورة الملونة البراقة تقبع صورة أخرى باللونين الأسود والأبيض تتوسطها طبقة كادحة تعاني صعوبة بالغة في مواجهة الغلاء الفاحش في أسعار المواد الغذائية والسكن والتعليم والعلاج، وهذه الطبقة تشكل ثقلا سكانيا في الإقليم، ومن الممكن جدا ان تتأثر بالاحتجاجات التي تشهدها مدن العراق، وهذا ما حصل في وقت سابق عندما انطلقت موجات الربيع العربي مطلع العام 2011 حيث شهدت أغلب مدن الإقليم الرئيسية (أربيل والسليمانية ودهوك) تظاهرات رافقها عنف متبادل في بعض الحالات بين المتظاهرين والأجهزة الأمنية .

ان التظاهرات العراقية التي تشهدها مدن بغداد والوسط والجنوب هذه الأيام مختلفة تماما عن سابقاتها كما أشرنا إلى ذلك في البداية، هذا إضافة إلى تطورات الأوضاع بشكل متسارع ودراماتيكي في المناطق التي تقطنها أغلبية كردية في شمال شرق سوريا خاصة بعد ان بدأ الجيش التركي يوم الأربعاء 9 تشرين الأول/اكتوبر تحركه باتجاهها بهدف السيطرة عليها والسعي لطرد وتصفية قوات سوريا الديمقراطية التي تتولى إدارتها بعد أن وضعتها أنقرة ضمن قائمة المنظمات الإرهابية.

في كل الأحوال هذه الظروف مجتمعة تشكل عوامل ضغط على إقليم كردستان العراق حكومة وشعبا، ولابد ان تفرز نتائج على الأرض.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية