حلّت النحاتة المغربية إكرام القباج، وهي واحدة من الفنانات الرائدات في مجال النحت في المغرب، التي تُكرم أعمالها في مختلف المحافل الفنية، ضيفاً على كلية «علوم التربية» التابعة لجامعة محمد الخامس في الرباط، احتفاء وتكريما لمسارها الفني والإبداعي الممتد طيلة عقود، مشكلة مصدر إلهام للفنانين والمهتمين بالنحت في الفضاءات العامة، ضمن النسخة التاسعة لفعاليات «الملتقى الدولي للتربية الجمالية» برئاسة عبد الكريم الشباكي منسق ماستر «التربية الجمالية والتدبير الثقافي».
ساهمت المبدعة إكرام القباج بشكل كبير في إدماج الفن في الفضاءات العامة في المغرب، وكانت أول مغربية تنظم عدة محافل دولية للنحت على الصخر والمرمر، في عدد من المدن المغربية، بدءاً من مدينة الجديدة، وبعدها طنجة والصويرة وأصيلة وتارودانت، ما نتج عنهُ إنشاء «متحف مفتوح» من 62 منحوتة في الهواء الطلق.
ويتميز أسلوب القباج بالطابع التجريدي، وتركز منحوتاتها على الأبعاد الفكرية والجمالية، التي تحول مواد خام إلى تحف فنية. ومن أبرز أعمالها منحوتة «سوانح» التي أنجزتها في مدينة أصيلة عام 2016، وهي منحوتة مصنوعة من مادة «الإينوكس»، يبلغ طولها ثلاثة أمتار، وعرضها مترين ونصف المتر، وتُجسد أسراب الطيور التي تحمل بشائر الخير. علاوة على منحوتة ضخمة تحمل اسم «ورقة الطريق» يصل طولها إلى 17 مترا، نُصبت على جانب الطريق السيار، قرب مدينة الدار البيضاء ويشاهدها آلاف المسافرين يوميا.
تحكي النحاتة المغربية إكرام القباج عن بداياتها الفنية، حيث التحقت بـ»المدرسة العليا للفنون الجميلة» في الدار البيضاء، وتلقت تكوينا في النحت، ثم تابعت دراستها في باريس قبل أن تعود للمغرب.
خلال حلولها ضيفا على «ماستر كلاس»، الذي قام بتسييره حسن اليوسفي رئيس شعبة «الديداكتيك» في كلية علوم التربية، قالت القباج: «تعلمت أمورا كثيرة ومهمة، بعدها سافرت نحو فرنسا لإكمال دراستي في المدرسة العليا للفنون الجميلة في باريس، وحين أنهيت سألني أستاذي الفرنسي، إن كنت سأمكث في فرنسا؟ أم سأعود أدراجي إلى المغرب.. وفضلت العودة إلى بلادي».
تتساءل هذه الفنانة كثيرا عن الأسباب الكامنة وراء غياب الفن العمومي بشكل واسع في الفضاءات المغربية، واستحضرت موقف والدها الذي نصحها باختيار الفنون التشكيلية، بدلًا من النحت، لما ينطوي عليه هذا الفن من مشقة وتحديات، خاصة حين تمارسه امرأة.

تقول النحاتة التي أصرت على خوض التحدي، ونجحت في أن تخلق لنفسها مكانة بارزة في عالم النحت: «أخبرني والدي أن مسيرتي مع النحت ستكون صعبة، فليس من عاداتنا التوطين مع الفن في الفضاء العمومي». وكشفت النحاتة متحدثة لجملة من الأكاديميين والطلبة الباحثين والفنانين، أن بلورة فكرة إبداعية وتحويلها إلى مشروع فني يرتبط بكينونة الفنان؛ فهي تدخل في «حوار» مع الحجر قبل نحته، آخِذة بعين الاعتبار طبيعة الإبداع، ومكان عرضه، وسياقه الثقافي والاجتماعي، حيث تُفضّل وضع تصور دقيق لعملها قبل الشروع في إنجازه وتفاديا للاشتغال على التحفة دون توقف، قائلة: «الأحجار ذات أحجام كبيرة، وإذا انكسر جزء منها لا يمكن تعويضه، لذا يجب أن أعرف مسبقا ما أريد إنجازه منها»، حسب قولها.
ومن أبرز الأعمال الفنية التي تفخر القباج بها، منحوتة «ورقة الطريق» الشهيرة، التي يشاهدها آلاف المغاربة والزوار يوميا في تنقلاتهم على الطريق السيار قرب الدار البيضاء، والتي نفّذتها بمساعدة فريق من المهندسين، بعد دراسة دقيقة لموقعها، من حيث التربة والرياح والعوامل الطبيعية الأخرى.
النحاتة المغربية إكرام القباج، كانت من أوائل من أدخلوا تجربة symposium «النحت الدولي» إلى المغرب، وهي تجربة بدأت عالمياً منذ أربعينيات القرن الماضي، وظهرت عربيا في الثمانينيات في لبنان ومصر.
وبتشجيع من شيخ النحاتين اللبنانيين ألفريد بصبوص، استضافت القباج أول تظاهرة من هذا النوع في مدينة الجديدة سنة 2000، جمعت فيها عشرة فنانين من مختلف دول العالم. تلتها تظاهرات مماثلة في طنجة في 2001، ثم في الصويرة وأصيلة في 2018، بدعم من أندري أزولاي، مستشار العاهل المغربي.
ورغم طموحاتها الفنية الكبيرة، تواجه القباج العديد من التحديات، خصوصا في المدن الكبرى، حيث تصطدم الرغبة في التبرع بمنحوتة لإحدى الساحات أو الحدائق بتعقيدات إدارية. لذا تفضل العمل في المدن الصغيرة، حيث تجد انسجاما أكبر مع سكانها، وتفاعلا مباشرا مع النحاتين. تقول القباج: «ما إن نبدأ في وضع قطع الرخام والغرانيت، حتى يبدأ السكان بالتجمع حولنا وطرح أسئلة علينا»، واستطردت: «تجربة «السابوزيوم» مهمة وملهمة، حيث يعيش كل فنان حالة إبداعية فريدة رفقة قطعة الحجر الخاصة به».
ومع ذلك، تُبدي أسفها لأن الحفاظ على المنحوتات لا يوازي حجم الجهد المبذول في إنجازها، قائلة: «الإبداع والشغف الذي يرافق الفنانين والنحاتين حين تشكيلهم لتحفة فنية انطلاقا من قطعة حجر، لا يرافقه المستوى نفسه من الحفاظ على المنحوتات التي ليست في أمان».
ويأتي الاحتفاء بالمبدعة إكرام القباج، ضمن فعاليات النسخة التاسعة للملتقى الدولي للتربية الجمالية، الذي يُعدّ مناسبة بارزة جمعت نخبة من الباحثين والفنانين والممارسين التربويين، من داخل المغرب وخارجه، لمناقشة التفاعل الخَلاّق بين الجماليات والتربية في الفضاءات العمومية.
وجرى اختيار الفضاء العمومي ليكون شعار الملتقى لهذه السنة، تأسيسا على نظرة مميزة له، ترى فيه سياقا متعدد الإمكانات ومركب الأبعاد، منفتحا على مقاربات شتى مؤهلة لفتح حوار جاد حوله، يقوده الأكاديمي التربوي ويساهم فيه الفنان المبدع.
