لم يستسغ العالم الغربي أن تقوم روسيا بإعلان إنتاجها لأول لقاح مضاد لفيروس «كورونا» المستجد، ولذلك طفقت بعض القنوات التلفزيونية الأوربية تقلل من قيمة اللقاح وفعاليته وسلامته، وتشير إلى أنه لم يُختبر على نحو كاف ضمن المرحلة السريرية الثالثة.
وإذا كان هذا الموقف مفهوما، بحكم اندراجه في إطار الصراع الخفي بين المعسكرين الغربي والشرقي الذي لم يتوقف أبدًا حتى وإن خفت حدته، فإنّ ما ليس مفهوما أن تنخرط قنوات تلفزيونية عربية هي الأخرى في حملة التشكيك باللقاح الروسي (سبوتنيك V). ومن ثم، تؤكد انحيازها المكشوف للنظام الأمريكي الذي سبق له أن ملأ العالم ضجيجا، «مبشرا» بالمصل السحري الكفيل بمحاربة الفيروس اللعين.
الإدارة الأمريكية تعاملت، لحد الساعة، بحيطة وتريث مع الاكتشاف الروسي الجديد، ولم تدخل في مواجهة مباشرة مع خصمها التقليدي الذي يبدو منتشيا بتحقيق السبق الطبي. لكن طائفة من الإعلاميين والمُدوّنين العرب حشرت أنفها في هذا الصراع، مع أن لا ناقة ولا جمل لها فيه، ووجّهت سهامها نحو روسيا، تارة بالسخرية وتارة أخرى بالتقليل من قيمتها العلمية والطبية والتكنولوجية. وكان الأجدر بهذه الطائفة من أبناء جلدتنا أن تلتفت إلى أحوال بلدانها التي تكتفي فقط باستهلاك ما يُنتج غربًا وشرقًا، وتعمل أيضًا على تهميش كفاءاتها الأكاديمية التي تجد نفسها مضطرة إلى الهجرة نحو ضفاف أخرى متقدمة بحثا عن الكرامة والاعتبار.
الإعلاميون والمدوّنون العرب المتهجّمون على اللقاح الروسي، نيابة عن الأمريكيين، ينطبق عليهم المَثل المغربي المعروف: «صحاب الميت صبرو… والعزاية كفرو» (أهل الميت صبروا، والمُعَزّون كفروا» إذ صاروا بين عشية وضحاها خبراء يُفتون في «بروتوكولات» الأدوية واللقاحات، ليبرهنوا على أن السلطات الصحية والعلمية الروسية لم تلتزم بالمنهجية الصارمة، الموجودة في مخيلتهم فحسب، وكان الأولى بها (بروسيا) ـ في نظرهم ـ أن تحصل على الضوء الأخضر من نظيراتها الغربية، لاسيما أمريكا!
إعلاميّونا ومدوّنونا لم يأخذوا العبرة من «منظمة الصحة العالمية» التي سرعان ما غيّرت موقفها بمائة وثمانين درجة في ظرف يومين فقط؛ ففي البداية شككت في نجاعة التلقيح الروسي، من منطلق عدم خضوعه لآلية الترخيص التي وضعتها المنظمة نفسها، وبعد ذلك أصدرت بيانا ذكرت فيه أنها على اتصال مع الباحثين والسلطات في روسيا، وأنها تنتظر بفارغ الصبر دراسة النتائج السريرية للقاح.
الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي حول لقاح «كورونا» لا يتعلق بمصلحة البشرية وصحتها، بل بالتسابق نحو إبرام الصفقات التجارية مع الدول (المستهلكة فقط) لبيع «إكسير الحياة» الجديد. أما الإنسان فقد غدا اليوم مجرد كائن ضعيف، تُجرَّب فيه الأدوية والأسلحة والفيروسات بجميع أنواعها.
«كورونا» لا تقترب من المقاعد الوثيرة!
في المغرب تواصل الحكومة تقريعها للمواطن المغلوب على أمره، معتبرة إياه السبب الرئيسي في انتشار حالات الإصابة بفيروس «كورونا» المستجد. وفي الوقت نفسه، تتجاهل مسؤوليتها المحتملة ـ هي نفسها ـ في انتشار الجائحة من خلال بعض قراراتها المرتجلة وغير المدروسة، كان آخرها: السماح بذبح الأضاحي خلال عيد الأضحى، مع ما نتج عن ذلك من اكتظاظ قوي في الطرق واختلاط كبير بين العائلات، رغم صدور قرار بإغلاق ثماني مدن.
الحكومة المغربية لجأت إلى أكثر من أسلوب في التعامل مع المواطنين: أسلوب الزجر من خلال سن غرامات وعقوبات سجنية إزاء مخالفي الإجراءات الاحترازية (عدم ارتداء الكمامة، عدم التباعد الاجتماعي في المقاهي…)، وأسلوب التخويف والتهويل إزاء الفيروس من خلال وسائل الإعلام خاصة القنوات التلفزيونية والإذاعية، لدرجة أن هذا النهج خلّف أضرارا نفسية لدى العديد من المواطنين الذين صارت «فوبيا» الفيروس ملازمة لهم.
الأدهى والأمر أن تُمارِس الحكومة عكس ما تأمر به المواطنين؛ أكبر دليل على ذلك ما تداولته وسائط التواصل الاجتماعي منذ يومين من صور معبّرة، حيث ترأس وزير التعليم الناطق الرسمي باسم الحكومة، سعيد أمزازي، اجتماعا رسميا لرؤساء الجامعات المغربية، وقد بدا كل المجتمعين من غير كمامات ومتقاربين من بعضهم البعض، متجاهلين شرط التباعد الاجتماعي.
تساءل بعض المعلقين عمّا إذا كانت تلك الصور المتداولة كفيلة بتطبيق القانون في حق أولئك المسؤولين ورئيسهم عضو الحكومة؛ أم أن القانون وُجد ليطبَّق فقط على المواطنين المغلوبين على أمرهم، ممن لا سلطة لهم ولا قرابة في مراكز القرار؟ فيما قال أحدهم ساخرا: إن «كورونا» لا تقترب من المقاعد الوثيرة والقاعات المكيّفة، وإن أصحابها مُحصَّنون من الجائحة!
ولعل أولئك المسؤولين جعلوا من «كبيرهم» رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، قدوة ومثالا في هذا المجال، ذلك أنه يحرص على عدم ارتداء الكمامة خلال تدخلاته في البرلمان المغربي، مبررا ذلك بأن رؤساء الحكومات في العالم لا يتحدثون إلى الناس من وراء حجاب، عفوا من وراء كمامة!
في انتظار «المخلّص»!
ربّما الرجل مُحقٌّ في ما ذهب إليه، خاصة وأنه يرى بأم عينيه رئيسًا ينتمي إلى البلد المُستعمِر القديم، لا يرتدي كمامة، ويختلط بالناس، بل ويحتضن إحدى السيدات بقوّة، ولتذهب «كورونا» إلى الجحيم!
الشخص المقصود هو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي شوهد منذ أيام عبر مختلف وسائل الإعلام، وهو يكسّر قيود التباعد الاجتماعي في بيروت ويتزاحم مع الحشود، بل ويفتح أحضانه لمواساة سيدة لبنانية عانت من تبعات المُصاب الأليم.
المسكين غامر بصحته وبحياته من أجل بيروت، وكشف عن حبه لها بالعربي، وطار إلى هناك ليسمع نداء الاستغاثة: نريد حمايتك أيها «المُخلِّص»، نطمع في أن تحضننا، وتبسط يدك الحنون على بلدنا الذي خرّبه الفساد!
لكن، في قمة الغيظ من ماكرون ومريديه، خصّص الإعلاميّ المصري المعارض معتز مطر حلقة من برنامجه الشهير «لذارفي دموع التماسيح ومشجعي الانتداب والمتأوهين شوقا وحنينا لعصور الاحتلال البغيظة» حيث ذكّرهم بجزء يسير من تاريخ فرنسا الدموي مع دول إفريقيا، خصوصا الإسلامية، وقدم المعطيات التالية: أثناء احتلال فرنسا لتشاد عام 1017 جمعت فرنسا أربعمائة عالم مسلم، وقطعت رؤوسهم جميعا بالسواطير. وحينما دخلت فرنسا مدينة الأغواط الجزائرية عام 1852، أباد الجيش الفرنسي ثلثي السكان خلال ليلة واحدة حرقا بالكيميائي. كما أجرت فرنسا 17 تجربة نووية في الجزائر خلال الفترة من 1960 إلى 1966 أسفرت عن ضحايا يتراوح عددهم ما بين 27 ألف ومائة ألف جزائري. وحين خرجت فرنسا من الجزائر عام 1962 كانت قد زرعت وراءها عددا من الألغام فاق عدد سكان البلد وقتئذ (11 مليون لغم). وقدّر أحد المؤرخين الفرنسيين عدد الجزائريين الذين أبادتهم فرنسا، خلال استعمارها الطويل للجزائر، عشرة ملايين مواطن.
تاريخ فرنسا ـ يعلق معتز مطر ـ مليء بالصور الدموية والهمجية غير المسبوقة في مستعمراتها القديمة، وهي صور وُضعت في طوابع بريدية، وما زال جنرالات فرنسيون يفتخرون أمام أحفادهم بماضيهم الأسود الذي لم تقدّم عنه الدولة الفرنسية أي اعتذار رسمي حتى الآن.
ومع ذلك، ما زال هناك بين العرب مَن يحن إلى الاستعمار وإلى لمساته السحرية!
كاتب من المغرب