إلامَ لبنان علي زناد شرارة؟

حجم الخط
0

إلامَ لبنان علي زناد شرارة؟

احمد منصورإلامَ لبنان علي زناد شرارة؟ ليس هناك اصعب علي اي انسان منّا يشاهد الحقد والشحن وروح الانتقام منتظرةًً مجرد شرارة لانطلاق الاعصار الناري الكاسح فيقف مصلوب اليدين ومخصيّ اللسان كانه ليس في وطنه وبين اهله وشعبه كشاهد ماشافشي حاجة .ليس هناك اصعب علي الانسان فينا ان يركل يقينه وان يتربع كالتّنبل علي ظهر مصطبته مكركراً نرجيلته بهدوء وانطراب في الوقت الذي تشغر فيه النار وتشرع في عضّ وقضّ كل ما يلوح امامها وهو مسافر بين قطارات الدخان وتراقص السنة الجحيم.ليس هناك (علي من هاجر ودرس وتثقف وعاشر) اصعب من الصمت اذا صمت ومن الكلام اذا لم يُسمع في بلد تتكلم فيه الكتل الجماعية الهرمية بالسنة رؤوسها المسننة، والويل لحجر اذا ما نفر او لزاوية اذا ما تزحزحت.خمسون عاماً تحرثُ الشرق والغرب وتعتصرُ مكتبات العالم وتواريخه وتتخرّج من اشهر الجامعات وترتمي علي الوطن بجسمك وروحك ومكتبتك ومالك لترفعه وتنافس به حضارياً الاوطان الارقي… واذا انت فيه ليس لك اي وجود او اي قيد شعرة من الحضور. فالاندية الثقافية موصدة في وجهك حتي اشعار آخر، والصحف التي اختطفها اصحابها ليست برسم الخطف اذ يحميها حماتها الضوارس والدوارس في المداخل والخارج والمكاتب والملفات والويل لمن منها اقترب. امامك ينتصب شعبك البيزنطي الهيكلة الذي عرف الاهوال التي لم يعرفها شعب في العالم وكانه لم يتعلم ولم يعتبر فكان هاماته فقدت البابها كاليقطين الذي امتصّت ماويّته الشمس او كالقرع الذي ايبس نُسغه قيظ الصّيف.وامامك ينبسط بلد التعليم (95%) واللغات المتعددة والجامعات الطائفية والوطنية والعالمية المعروفة والمشهورة… بلد مَنْ يرتّلون الاديان السماوية ليلَ نهارَ ناهيك عن الاديان الجديدة كالاشتراكية والقومية والليبرالية والديمقراطية والعلمانية… التي تتقاطع انغامها ومزاميرها حتي ولو كان الناس نياماً.كما يتجاري امامك من يخرجون الينا من العفاريت البلورية الصوت ـ ضوئية بشعورهم الطبيعية والمستعارة والمعرّاة وببذلاتهم الغربية وعمائمهم وقلانسهم كانهم في حانات وصالونات يفعلون ما يشاؤون ولا يأبهون لمن ينظرون.لقد شاءت الصّدف ان اشهد الخميس البيروتي الاسود في الكولا .. والمشهد كان كأنه لا يُصدّق.. ففي ثوان انزرعت القناصة في السطوح والشرفات وتراقص الرصاص علي بعضه البعض ارضاً من ناحية الجامعة العربية والايدي فرّخت السكاكين والارصفة فجّرت المهرولين المتطاولة باعاتهم بالعصي والكلاشنكات والخناجر، اما الباصات والفانات والسيارات فكشظايا قنبلة انفجرت وتناثرت في كلّ اتجاه، وغدت الكولا واطرافها كالساحة المهجورة لا بل كالبيادر التي نسيها اصحابها من قرون.لقد اصبح الحلم ان تمتطي الريح كالبرق ليسلم جلدك باي ثمن. والريح لم تكن سوي التكسيات الانتحارية التي تنحر جيوب المرتمين علي صدورها ونوافذها.انك تتنقل بشكل يومي في الباصات وفي سيارات النقل الصغيرة وتتحرك بين المطاعم والمحلات التجارية وأكشاك الجرايد.. سامعاً سيناريوهات الملاحم المقبلة التي ستهزأ بكل من قال: اكتر ما صار ما رح يصير . والارصفة تزخر بالعبيد الجدد العاطلين عن العمل، بالفقراء من البلد ومحيطه، بالاحداث الحالمين الذين هم في حدود العشرين عمر الهدنة التي ورثناها عن الطائف .. تسمع من آن لآخر تلهّف الكثيرين الي فلتان الملقّ فلا يعودون يطيعون زعماءهم ولا آباءهم الذين يهددونهم بهم علي مدار اليوم. انك تري هؤلاء في ربيع العمر رهناء وطنهم السجن الصغير المقفل بين اسوار الاذلال واسواط الحرمان التي لا ترحم.. فلا غرو اذن ان لا يسمعوا الا ما يريدون ان يسمعوا، ومما يريدون ان يسمعوا.في الخميس الاسود كان سيد الموقف هو التوقيف علي الهوية وتحطيم ما يمتلك الآخر واحراقه وشتم هذا الآخر وضربه انتقاما واثباتا لوجود غير موجود.هذا الخميس المذكور لو لم يوقفه عند حده الغريبون والقريبون لكان زلزل البلد ولما كانت النيران فيه هدأت حتي الآن.ان القوة الكامنة المتحرّقة الي الفلتان في هذا البلد لا يستطيع قياس درجتها لا مقياس ريختر ولا منجّمو الابراج المتكاثرون في لبنان كالارانب. انه الذي يُعجز عن الوصف، ولذلك لن نستطيع اللحاق به مجرد انفجاره من قماقم الزعامات التقليدية. ان تمسكن الفئات المحرومة في البلد ليس الا وسيلة كي تتمكّن فيما بعد. انها مسألة تستوجب العدّ للمليار عند اي زعيم قبل اتخاذ القرار المناسب، وما الشعارات التي تتكرر سوي خيوط غزل البنات التي سرعان ما تذوب عند لمسها وما يبقي هو الاظفار والانياب المستنفرة والبطون الصّارخة.هشاشة الوضع وقابليته للالتهاب والعطب تفرضان علينا اقصي التنازلات المتبادلة الممكنة حتي لا تنهار الارض من تحتنا فتكون النهاية التي اردناها لانفسنا بعناد.ما يثير الاسف والحزن هو ترداد مصطلحات غربية تلقفها الجميع من هنا وهناك وتبنتها الاطراف اللبنانية المتصارعة كبضاعة لها قافزةً فوق الجسور والقرون والبحور والمجتمعات. حتي هذه المصطلحات ومفاهيمها تستخشبها اللغات العشائرية والطائفية والمذهبية فارضة عليها منطقها الساطوري غير القابل للنقاش والحوار.ما يلفت النظر نراه في المفارقة الكبيرة الخطيرة الكامنة في الشعب اللبناني الا وهي اكثريته الصامتة العاجزة. فهي في الانتخابات كغناء الغراب الابيض الذي لا يتوق الكثيرون لسماعه.الشارع اللبناني بحاجة الي اهله الحقيقيين الآباء والامهات والاطفال والمسنين. هذه الاكثرية الصامتة من جميع الطوائف والمذاهب عليها ان تدوي باصواتها وتزحزح الساحات باقدامها. هذه الاكثرية العاجزة عليها خلع العجز عن كاهلها وتنظيم صفوفها وحمل راياتها والمطالبة بالانتخابات السريعة المعتمدة علي ترشيح اصحاب العلاقة الحقيقيين من فقراء وعمال وصغار موظفين واساتذة وكتّاب وسياسيين شرفاء ذوي تاريخ وطني طويل معروف لا رجال اعمال واموال وتجار كبار وما شابه، فيكون ذلك علي قاعدة الدائرة الشعبية المصغرة الواحدة للنائب الواحد وانْ لا فعلي قاعدة الدائرة الطائفية فالسّني ينتخب السني والماروني ينتخب الماروني فقط.. الـخ اذ ان خربطة اللعبة باسم الديمقراطية والوطنية والعلمانية ودولرة الليستات خربطت تاريخ هذا البلد الذي تقاسمه البعض كقالب الحلوي فكأن كلاً منهما خلق للاخر… وان لا فستكون الحرب الاهلية القذرة التي ستدمر البلاد شجراً وبشراً وحجراً ودولةً وجيشاً غالياً كلفنا الكثير ويستحيل استبداله ببناء غيره في المرحلة القادمة.اذا اختلف الساسة فلماذا لا يحتكمون من جديد الي من ارسلهم الي المجلس النيابي والذي ليس سوي الشعب ليقوم بارسال آخرين وتجديد نيابة المرضي عنهم وذلك في اطار مراقبة الامم المتحدة والجامعة العربية والمؤسسات السياسية الراقية في العالم؟بين المحكمة والحكومة ضاعت الطاسة فلو قام الشهيد رفيق الحريري من قبره وسألناه رأيه فهل كان ليوافق علي ما يقوم البعض باسمه والذي قد يؤول الي خراب البلاد وزوال العباد؟ لقد تكلفت فقط التحقيقات عن استشهاده 300 مليون دولار حتي اليوم اي ما يكفي لبناء مدينة نموذجية كبري باسمه تحتوي مؤسسات جديرة بتغيير الكثير من جوانب التخلف في منطقتنا والمناطق الاخري من العالم. ان رفيق الحريري استشهد من اجل لبنان ولا يريد ان يستشهد لبنان من اجله.ان الحقيقة في بلادنا رغم زنزنتها في العيون والألسنة والافئدة فانها لا بد ان تشرق يوماً كالشمس، والتاريخ والمستقبل سيكونان القضاء الاعدل امام الاجيال القادمة المعتبرة.ان هناك قائمة من المغتالين في تاريخنا من عثمان الي الحسن الي الشهبندر ففرج الله الحلو فكمال جنبلاط فرينيه معوض مروراً بالحريري ووصولاً الي الشيخ بيار الجميل لا بل الي كنيدي في الولايات المتحدة… كلها تنتظر كشف الفاعلين ومعاقبتهم العقاب المطلوب. غير ان الدفاع عن الحق والحقيقة يكلف الشعوب غالباً اكثر مما تستطيع فتترك ذلك للزمن وان تعذّر الزمن فتتركه ـ ايماناً بخالقها ـ الي يوم الحشر الاخير.اذا كانت المعارضة تؤمن بالديمقراطية فلماذا لا تنتظر الانتخابات القادمة بعد سنتين وهل سينتهي العالم ولبنان ضمنه خلال هاتين السنتين؟اما بخصوص المقاومة فكل قطاعات الشعب اللبناني معها ولكن ضمن مقارباتها ومفاهيمها المتنوعة والخاصة. غير ان الحوار بين من يملك فماً وبندقية وبين من يملك فماً بلا بندقية لا يمكن ان يدور بشكل طبيعي متوازن. فاذا لم يشعر كلا الطرفين بالامان والثقة فلا مجال اذن للتفاهم والاتفاق. فكما ان القانون النفسي العام في فرنسا يقوم دائماً علي الشك فانه عندنا يقوم علي الخوف فممنوع علي واحدنا الهزيمة، والحكمة كل الحكمة ان يضع كل منا نفسه مكان الآخر حتي تلوح وتتجسد الحلول.الناس لم يعد باستطاعتها تحمل اكثر مما تحملت فكفاها دماء ومعاناة منذ كان مولد هذا الكيان لا بل قبله من حرب تلد حرباً، وما كان السلام سوي هدنات مؤقتة خادعة بين حرب وحرب.السجادة تنسحب بسرعة من تحت اقدام الجميع (نصف عدد المهندسين والاطباء 40 الفاً من اصل 80 الفاً هاجروا خلال السنتين الاخيرتين من ضمن مليون هاجروا من البلاد) فهل من مسؤولين مسؤولين في ربع الساعة الاخير قادرين علي نزع السجادة ونفضها او سنهوي في انتحار جماعي شمشونيّ لا نُحسد عليه؟ كل يوم يمر دون حل يوم خطير لا بل كل ساعة ودقيقة وثانية فهل يعي فعلاً ذلك القائمون علي الامور؟ تلك هي المسألة التي ننتظر بتلهف الاجابة عليها. ان اخطر ما نسمعه من آن لآخر هو تعطش البعض لمجرد غياب بعض القادة الكبار ولو في سفر قصير ريثما يخلو لهم الجو فتقع الواقعة وتفلت آفات الفتنة المتربصة من علّيقها فآنئذ يفعلون ما يشاؤون ويدخل البلد في دوامة الجحيم الرهيبة.ان تلهفاً للدماء يفحّ في الزواريب والدساكر والأزقة وعلي مفارق الطرقات وفي حواشي المطبات وفوق فوهات الاسلحة المتبخترة سراً وجهراً علي الخصور وفي السيارات والموتوسيكلات. فمن سكت عن الفتنة كمن شرّع القتل من حيث يدري ولا يدري.الحرائق اذا ابتدأت في لبنان فانها كالحرائق في امريكا الجنوبية لا يستطيع ايقافها سوي الوصول الي الفراغ الخاوي اي المعدوم من اي وجود. بصراحة اوقح انها لن توفر لا سورية ولا الاردن ولا السعودية ولا ايران ولا البحرين ولا الكويت…..لبنان بكل بساطة يتوقف علي زناد شرارة فهل تُرانا علي هذا الزناد بكامل وعينا كابسون؟…ہ كاتب وشاعر من لبنان8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية