إلغاء الدعم السلعي توسيع لدائرة المحرومين… والرغيف يحول دون الأغلبية والهلاك

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: لم تعد المفاجأة بالنسبة لجيش الكيان والحكومة التي توفر له ما شاء من عتاد، كيف حدث طوفان الأقصى، بل كيف تمكن الفلسطينيون من بناء منظومتهم القتالية على هذا النحو المبهر، وفي سرية بالغة، ودون دعم يذكر من الأشقاء أو الأصدقاء.. تصريحات وزير الدفاع الاسرائيلي الأخيرة تمثل اعترافا بهزيمة الكيان، إذ قال يوآف غالانت حرفيا: “الحرب الصعبة التي نخوضها جاءت مفاجئة ودفعنا ثمنا باهظا، لم نر له مثيلا”، وأردف معتذرا لشعبه “الفشل الموجع سيجري بحثه والتعلم منه، وهذه الدروس ستؤثر على مستقبلنا على هذه الأرض، وواصل غالانت اعترافاته، التي تحمل الشعور بالهزيمة “قوات الجيش تقاتل منذ ثمانية أشهر على سبع جهات وهي حرب لم نعهد لها مثيلا، وشدد على أنه يجب على الأمن والقيادة السياسية التحقيق لفهم كيف استطاع العدو بناء قدرات دفاعية وهجومية، أدت إلى السابع من أكتوبر/تشرين الأول. وقال المخرج يسري نصر الله، إن تاريخ القضية الفلسطينية لم يبدأ في السابع من أكتوبر. وأضاف خلال مقابلة تلفزيونية، أن النظر إلى القضية الفلسطينية يجب أن يكون منذ إعلان قيام إسرائيل على الأراضي المحتلة. وأشار إلى أن المقاومة حق للفلسطينيين، لكن المهم هو كيفية هذه المقاومة، لافتا إلى أن البعض قد يدين حركة «حماس» على تنفيذها عملية طوفان الأقصى، لكن هذه الإدانة لا يمكن أن تغير في المشهد شيئا. ولفت إلى أن إسرائيل نفسها تعرف قيمة وأهمية السينما في هذه القضية، ما يجعلها تهتم بهذا المجال. واعتبر أن هناك مشكلة قائمة في الوقت الحالي تتمثل في تقديم السردية العربية في القضية الفلسطينية.
ومن أخبار نشرة الغلاء: قال حاتم نجيب نائب رئيس شعبة الخضراوات والفاكهة في اتحاد الغرف التجارية، أن أسعار الفاكهة ارتفعت خلال موسم الصيف الحالي، بما يتراوح بين 20 و25٪، مقارنة بالعام الماضي، نتيجة التغيرات المناخية التي تؤثر سلبا على المنتجات الزراعية، موضحا أن درجات الحرارة المرتفعة، أحد الأسباب الرئيسية لتراجع إنتاج بعض أصناف الفواكه هذا العام.
وجه الرئيس السيسي، الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، بسرعة ترميم مقبرة فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي. وتسبب عطل مفاجئ في محطة الصرف في منطقة دقادوس، مركز ميت غمر محافظة الدقهلية، في غرق ضريح الشيخ محمد متولي الشعراوي، ومنطقة المقابر بمياه الصرف الصحي. ومن الحوادث المؤلمة: وسط ذهول وصدمة أهالي محافظة المنيا، أقيمت صلوات ومراسم الجنازة لعروس المنيا، نانسي ميخائيل في كنيسة السيدة العذراء في قرية الكوم الأخضر التابعة لمركز مغاغة شمال المنيا، وتم الدفن في مدافن الأسرة في مركز مغاغة، والعزاء في قاعة الكنيسة الإنجيلية في الكوم الأخضر. وكانت عروس المنيا، قد لفظت أنفاسها الأخيرة، متأثرة بأزمة قلبية، أثناء ذهابها إلى الكنيسة لأداء صلاة الأكليل، وعقب التقاط الصور التذكارية في إحدى قاعات «سيشن التصوير» في بني مزار في المنيا.
حالنا يشبه العالم

النظام العربي ليس في أفضل حال. غير أن المثير من جانب جميل مطر في “الشروق”، أننا صرنا نصف حال النظام الدولي وأنظمة إقليمية معينة بهذا الوصف غير مترددين، فالسلوك الدولي منحدر الكفاءة بصفة عامة والمستقبل يبدو للكثيرين غائما ولا يحمل في طياته بشائر أمل أو تفاؤل. واقع الأمر يشير إلى أن تغيرات مهمة حدثت وتحدث، وأن هذه التغيرات كافية في حد ذاتها لتبرير حال انحدار النظام الدولي، كما الحال في النظام الإقليمي العربي والنظام الإقليمي الإفريقي والنظام الإقليمي الأوروبي. لاحظنا مثلا أن النظام الدولي، وهو بالفعل يبدو في حال انحدار، تعرض في العقود الأخيرة لخلل شديد في نظام توازن القوى الحاكمة في مسيرته. بدأ الخلل ثم الانحدار، عندما انتقل النظام من وضع ثنائية الأقطاب إلى وضع أحادية القطب، الذي اتخذ على الفور طباع الهيمنة وتبنى سلوكياتها المدمرة غالبا للقواعد المؤسسة للنظام الدولي. ما من شك في أن سلوكيات الهيمنة تقف وراء الخلل الراهن في نظام توازنات القوة والنفوذ في النظام الإقليمي الأوروبي، وفي النظام الإقليمي الافريقي والنظام الإقليمي العربي. كان نمط التحالفات أول ما تأثر بالتغير في سلوك قطب النظام الدولي، فالأطلسى انتقل من دور الحلف المحافظ على التوازن في مرحلة القطبية الثنائية إلى دور الذراع الكبرى للهيمنة، أي إلى دور الحائل دون صعود قوى أخرى ودور الحامي للمصالح الاحتكارية الغربية في افريقيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي. تغيرات دفعت في حد ذاتها إلى سباقات وخلافات داخل عالم الغرب، وإلى ما هو أخطر وأهم وهو إثارة شكوك حول حق الغرب في فرض منظومة قيمه وثقافته على عالم يتغير بسرعة.

أسباب شتى

نعود في صحبة جميل مطر إلى حال انحدار النظام الإقليمي العربي. فللانحدار في الإقليم العربي أسبابه الخاصة، إلى جانب انفتاحه على حماقات نظام الهيمنة. أولا: كان من المنطقي أن يفرز التصعيد الهائل في أسعار النفط تصعيدا آخر في مكانة الدول النفطية في النظام العربي، على حساب مكانة بعض الدول الفاعلة قوميا والمؤسسة للنظام. ثانيا: تسببت الفجوات المادية في خلق، أو اختلاق أسباب شتى لنشوب الخلافات على عدة مستويات داخل النظام، حدث هذا في مرحلة كان النظام الإقليمي يستعد بجهود حثيثة لسد هذه الفجوات. كان السعي لتحقيق تكامل اقتصادي وتنموي أحد هذه الجهود التي لم يقدر لها أن تكمل مسيرتها. ثالثا: أخطأت قيادات سياسية عربية حين بنت سياساتها العربية على افتراض أن الزعامة حق موروث بحكم التاريخ، أو حق مشروع بحكم الكثرة السكانية، أو حق مدروس بحكم رسوخ برامج التوعية القومية، أو بحكم التضحيات التي فرضتها فرص الهيمنة الإقليمية. أخطأت لسوء تقدير مدى ما حقق النظام الإقليمي العربي من تقدم في التكوين، خاصة في المأسسة. أخطأت أيضا في حساب قدرة النظام القبلي المتين والمتمكن، كحال معظم النظم القبلية في الشرق الأوسط، على الانتقال السلس إلى مواقع مهمة في السياسة الدولية والإقليمية. رابعا: لم تسمح هيمنة الخلافات بين الحكومات العربية بإقامة نظام ثابت لتبادل المشورة في الشؤون الدولية. لم تكن الشفافية عرفا معتبرا في اجتماعات الجامعة العربية التي هي أداة التنسيق الأهم حسب ميثاقها. يبدو مهما للغاية عقد اجتماعات محدودة العدد لمناقشة قضية حيوية لاتصالها بالجنون الإسرائيلي المدمر في غزة وفلسطين عامة.. خامسا: أيا كانت المغريات والضغوط والابتزاز والمكافآت، ففي اعتقادي أن التطبيع السابق لأوانه مع إسرائيل حقق لها ما لم يحققه عمل عسكري، على أي مستوى. نعرف الآن أنه كان، مع أمور أخرى، وراء انحدار مكانة مصر في النظام الإقليمي العربي والافريقي والدولي على حد سواء. أعرف أن دوافع الانضمام لهذا النظام الإقليمي الوليد مغرية، ليس أقلها أهمية العنصر المادي كالسلاح والأمن المتبادل ضد قوى إقليمية أو عربية أخرى وتبادل الاستخبارات الحقيقية والمزيفة، لخدمة أهداف أخرى كبث الوقيعة بين الدول العربية.. أتنبأ بأن نظاما إقليميا في الشرق الأوسط تقوده إسرائيل منفردة أو بتواطؤ أمريكي، أو عربي لن يكتب له النجاح، ودليلي تسطره الآن حرب غزة وتداعياتها.

أبطال كآبائهم

وسط مشاهد احتفال مئات الملايين من المسلمين حول العالم، بمناسك وطقوس عيد الأضحى المبارك، سطعت مأساة الشعب الفلسطيني في غزة الذي قضى هذه الأيام، كما يقول عبد العزيز النحاس في “الوفد”، وسط الركام وحطام منازله، يبحث عن شرب أو بعض اللقيمات التي يسد بها رمقه، بعد أن ظل صامدا لأكثر من ثمانية أشهر، تحت ويلات القصف الإسرائيلي وعمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية التي تشكل وصمة عار على جبين الإنسانية، في ظل فشل جميع المساعي وعجز المجتمع الدولي عن وقف هذه الحرب العنصرية التي كشفت عن ازدواجية المعايير عند العالم المتحضر، وافتقاده أبسط قواعد الإنسانية، ورصدت عشرات التقارير الإعلامية حياة الفلسطينيين خلال أيام عيدالأضحى، الذي يمثل أهم مناسبة لدى المسلمين، بينما عاشها أبناء غزة في مأساة كبيرة، إما بسبب الشهداء أو للمأساة اليومية في الخيام بعد أن فقدوا منازلهم وثرواتهم بسبب تدمير المدينة بالكامل وتحويلها إلى ركام وحطام، وحتى الخيام لم تسلم من القصف والتدمير والحرق وفوق هذا وذاك الحصار الشامل بهدف التجويع. الحقيقة أن أبناء غزة ضربوا أروع الأمثلة في الصمود والتصدي عندما أصروا على إقامة صلاة العيد وسط ركام المساجد المدمرة، وهي صورة تصدرت وسائل الإعلام وكان من بينها صحيفة “نيويورك تايمز” التي نشرت تقريرا في افتتاحيتها عن مظاهر العيد في غزة، التي اقتصرت على قيام الآلاف بافتراش أراضي المساجد المدمرة لأداء صلاة العيد في وقت أحكم الجوع قبضته على الجميع، إلى حد أن كثيرا من الأطفال الذين نجوا من القصف استشهدوا بسبب الجوع.

عجزنا متواصل

يصارع آلاف الأطفال من أجل الحياة في قطاع غزة، بسبب سوء التغذية وعدم توفر أي مقومات للحياة ومنها العناية الطبية، وكشفت تقارير أممية طالعها عبد العزيز النحاس، عن المأساة التي يعيشها أبناء شمال غزة بفعل استمرار حرب التجويع التي يمارسها الجيش الإسرائيلي، ومنع إدخال المساعدات الإنسانية إلى مناطق الشمال، وهو الأمر الذي أدى إلى إطلاق حملة إلكترونية على مواقع وسائل التواصل الاجتماعي تحت عنوان – أوقفوا تجويع الشمال – بعد أن وصلت الأوضاع إلى حالة كارثية بسبب النقص الحاد في الإمدادات الغذائية ومعاناة آلاف الأسر من مجاعة حقيقية، ونشرت الحملة عدة شعارات منها – اليوم أصبح للموت سلاح جديد، سلاح المجاعة والعطش، وفي عصر الإنسانية غزة تأكل الصخر خبزا في وعاء إنسانية فارغ ودعت الحملة الأمم المتحدة والعالم التدخل العاجل لإنقاذ شمال غزة من الموت جوعا. مأساة الشعب الفلسطيني لا تقف عند حد عجز المجتمع الدولي وقيام الإدارة الأمريكية بتعطيل قرارات الشرعية الدولية، ومساندة إسرائيل على طول الخط.. وإنما أيضا بسبب التفكك العربي والواضح أن العالم العربي لم يتعلم من كل دروس الماضي، والمخططات العالمية والغربية تحديدا التي تصنع الخطط والمؤامرات والفخاخ للعالم العربي ويسقط فيها واحدا تلو الآخر منذ معاهدة سايكس بيكو، وحتى مؤامرة الربيع العربي التي استخدم فيها المال العربي والإعلام العربي وأجهزة الاستخبارات العربية، لإسقاط دول وأنظمة عربية أخرى من خلال التوجيهات الغربية والأمريكية، التي كشفت جانبا منها مذكرات هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، ومع هذا استمرت بعض الدول العربية في سياساتها المنعزلة والأحادية تجاه الحرب البربرية على الشعب الفلسطيني، في وقت لم تتحمل بعض الدول الأجنبية هذه الحرب العنصرية وعمليات التطهير العرقي، واتخذت مواقف جادة في مواجهة الكيان الصهيوني، الأمر الذي يحتم على العالم العربي أن يعيد حساباته ويستفيد من أخطائه السابقة.

قد ننتظر طويلا

في انتظار الحكم المرتقب للمحكمة الجنائية الدولية بشأن طلب إصدار أوامر اعتقال دولية لنتنياهو ووزير دفاعه وأيضا لبعض قيادات حماس.. تعيش إسرائيل حالة غير مسبوقة من الفوضى، ويبدو نتنياهو متخبطا بين خوف من العدالة وعناد في استمرار حرب الإبادة وجرائم الحرب،
محاولات كثيرة التفت لها جلال عارف في “الأخبار”، بذلت لتجميل الوجه شديد القبح للكيان الصهيوني وهو يدمر ويقتل ويقيم المحارق لأطفال فلسطين. لكنها فشلت جميعا أمام قسوة الواقع وبشاعة الإبادة الجماعية التي يدينها العالم كله، وإن كانت أمريكا (الرسمية فقط) ما زالت لا تراها. اقتراح بايدن لم يسمع العالم أي موافقة رسمية إسرائيلية عليه حتى الآن، وإنما سمع تشكيكا فيه من نتنياهو، وتأكيدا على أن الحرب مستمرة والانسحاب من غزة غير مطروح، وما أعلنه الجيش الإسرائيلي عن «هدنة تكتيكية» كما سموها للسماح بإدخال المساعدات هاجمتها الحكومة وتراجع الجيش فورا ليعلن أن القتل مستمر في غزة، وقالت الأمم المتحدة إن توزيع المساعدات متوقف والمجاعة تضرب القطاع، وبينما تعلن مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مؤخرا، أن إسرائيل ارتكبت جرائم ضد الإنسانية، وأنها انتهكت على نحو متكرر المبادئ الأساسية لقوانين الحرب، وأخفقت في التمييز بين المدنيين والمقاتلين في غزة.. لا يكتفي نتنياهو بكل أسلحة الدمار التي تتدفق عليه من أمريكا (وآخرها صفقة الـ18مليار دولار) بل يهاجم الإدارة الأمريكية علنا، لأنها أجلت إرسال شحنة القنابل زنة 2000 رطل، التي سبق أن استخدمت إسرائيل كميات منها لقتل الأطفال والمدنيين الفلسطينيين، في مذابح تصلح وحدها لإدراج كل قيادات إسرائيل في قوائم مجرمي الحرب، والنتيجة أن المذابح مستمرة، وجرائم الحرب الإسرائيلية تتواصل يوميا، وكل محاولات إيقاف حمامات الدم تصطدم بالنازيين الصهاينة، الذين يقودون إسرائيل إلى الهاوية، والمنطقة إلى انفجار يهدد سلام العالم كله. وفي انتظار كلمة العدالة الدولية ينكشف الوجه الآخر لأدعياء الديمقراطية، ويواجه قضاة المحكمة الجنائية الدولية كل الضغوط، ويهدد الكونغرس الأمريكي بعقاب القضاة، ويواصل مجرمو الحرب الإسرائيليون تهديداتهم بالمزيد من الإرهاب والمزيد من القتل والدمار.. هكذا يفعل كل مجرمي الحرب عندما يدركون أنه لا مفر من مواجهة العدالة.
عاقبة المتغطرس

لا يدرك المتغطرس بقوته، وهو يدوس على الأضعف ويسعى إلى إذلاله، أنه يزرعُ غضبا يكبر ويتوسع. ولم يعرف التاريخ الحديث على الأقل، وربما تاريخ البشرية المأساوي كله، غطرسة إجرامية من النوع الذي يُمارس في قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي. تابع الدكتور وحيد عبد المجيد في “المصري اليوم”: يستهين من يعيثون في الأرض، أي أرض، فسادا بما تخلفُه أفعالهم الشنيعة في نفوس الضحايا وأرواحهم وعقولهم. إنه الثأرُ الذي يرتد على الجُناة والمُجرمين أضعافا، فلا يلومون إلا أنفسهم. ثأرُ تتراكم دوافعه كل يومٍ لدى أطفالٍ وشبابٍ يُجَوعون ويفقدون أحباءهم. أما من لفظ ابنُه أو بنتُه أو زوجُه، أو قريب له أو عزيزُ لديه أنفاسَه الأخيرة بين يديه، فلا يمكن تخيل ما سيفعلُه في أول فرصةٍ تُتاح له لكي يثأر من جُناةٍ لا يشبعون من دماء أهله وشعبه. من يستهينُ بقوة الثأر يجهل التاريخ. الثأر هو ما أشعل حربا عالمية راح ضحيتها 50 مليونا من البشر، حسب التقدير الأدنى. كان المنتصرون يشربون نخب انتصارهم، منتشين في مؤتمر الصلح الزائف 1919 الذي قسَّموا فيه غنائم الحرب العالمية الأولى، متخيلين أنهم سينعمون بما حقَّقوه، فلم يمض عقدان حتى كان عليهم أن يدفعوا الثمن باهظا.. كنت في نقاشٍ حول نتائج الحرب العراقية – الإيرانية في آخر الثمانينيات حين توقع سياسي حصيف أن يكون ثأر طهران شديدا. تذكرتُ توقعه عندما أُسقط نظام صدام حسين. فقد أدى احتلال العراق إلى ابتعاد معظم العرب عنه، فصارت إيران هي الحضن الدافئ الذي وجد فيه غير قليلٍ من ساسته الجدد حينها ما يُطمئنُهم، فازداد نفوذُها فيه. ثأرت إيران بطريقةٍ مختلفة. ولا غرو في ذلك، فأشكالُ الثأر تختلفُ مع تباين الظروف، ولكن الثأر لغزة لن يكون مثل أي ثأر. قبل أكثر من نصف قرن غنت فيروز «الغضب الساطع آت». ظل هذا الغضبُ مكتوما في الصدور. وما أُضيف إليه في الأشهر الماضية أكثرُ من كل ما تراكم قبلها. ولهذا ربما يكونُ الثأر الناتج من هذا الغضب أشد مما يمكنُ تصوره. ولهذا وجب وقف جرائم إبادة غزة اليوم وليس غدا.

سجن ومهانة

خرج المفكر والفيلسوف الأمريكي ناعوم تشومسكي من مستشفى في مدينة ساو باولو البرازيلية، ليستكمل علاجه في المنزل، حيث تعرض مؤخرا لوعكة صحية شديدة أثارت حالة من الجدل وصلت إلى شائعات ادعت وفاته. وحسب محمد حسين في “الشروق” تقارير على لسان زوجته فاليريا تشومسكي أن الشائعات المتداولة “ليست صحيحة، إنه بخير”. ويبلغ تشومسكي من العمر نحو 95 عاما، وله حضور كبير في قضايا عالمية، كونه من أبرز المناهضين للسياسة الخارجية للولايات المتحدة وإسرائيل، ويرى تشومسكي في القضية الفلسطينية مفارقة، حيث أن قصتها منذ البداية وحتى اليوم هي قصة بسيطة للاستعمار والتشريد، ومع ذلك فإن العالم يتعامل معها على أنها قصة متعددة الأوجه ومعقدة ويصعب فهمها، بل ويصعب حلها، كما تحدث بشيء من التفصيل عن غزة ومعاناتها في كتابه “لأننا نقول ذلك” الذي صدرت ترجمته العربية عن دار الساقي”. ويقول تشومسكي في كتابه: “قضاء ليلة واحدة فقط في السجن تكفي لأن يذوق المرء طعم ما يعنيه أن تكون تحت السيطرة الكاملة لبعض القوى الخارجية، ولا يكاد يستغرق الأمر أكثر من يوم في غزة لتقدير ما يجب أن يكون عليه الحال لمحاولة البقاء على قيد الحياة، في أكبر سجن مفتوح في العالم، حيث يخضع حوالي 1.5 مليون شخص في قطاع من الأرض تبلغ مساحته 140 ميلا مربعا تقريبا للإرهاب العشوائي والعقاب التعسفي، دون أي هدف سوى الإذلال والإهانة”.

يفلتون كل مرة

الغرض من هذه القسوة “التي تحولت لاحقا لمجازر” هو لضمان القضاء على آمال الفلسطينيين في مستقبل لائق، وإلغاء الدعم العالمي الساحق للتسوية الدبلوماسية التي تمنح حقوق الإنسان الأساسية، لقد أوضحت القيادة السياسية الإسرائيلية بشكل كبير على حد رأي ناعوم تشومسكي، الذي نقله محمد حسين، هذا الالتزام في الأيام القليلة الماضية، محذرة من أنهم سيصابون بالجنون، إذا تم منح حقوق الفلسطينيين حتى اعتراف محدود من قبل الأمم المتحدة”. وأكمل، “هذا التهديد بالإصابة بالجنون – الذي يعني القيام برد فعل صارم- له جذور عميقة، ويمتد إلى الحكومات التي كان يرأسها حزب العمل الإسرائيلي في الخمسينيات من القرن الماضي، وحتى إلى قصة شمشون الشهيرة الذي هدم المعبد على رؤوس أعدائه”. “قبل ثلاثين عاما، قدم القادة السياسيون الإسرائيليون، بمن فيهم بعض الصقور المشهورين، إلى رئيس الوزراء مناحيم بيغن تقريرا صادما حول كيفية ارتكاب المستوطنين في الضفة الغربية أعمالا إرهابية بشكل نظامي ضد العرب هناك، وإفلاتهم التام من العقاب”. “في عام 2008، تم التوصل إلى هدنة بين إسرائيل وحركة «حماس»، ولم يتم إطلاق صاروخ واحد من قبل حركة «حماس» إلى أن خرقت إسرائيل الهدنة مستغلة انشغال العالم بالانتخابات الأمريكية التي جرت في 4 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، حيث غزت قطاع غزة دون سبب وجيه وقتلت 6 من أعضاء «حماس»، تم توجيه النصح إلى الحكومة الإسرائيلية من قبل أعلى مسؤولي المخابرات بإمكانية تجديد الهدنة، من خلال تخفيف الحصار الإجرامي وإنهاء الهجمات العسكرية، لكن حكومة إيهود أولمرت رفضت هذه الخيارات، ولجأت إلى الاستخدام المفرط للقوة من خلال شنها ما عرف “بعملية الرصاص المصبوب”.

إياكم والرغيف

ستظل قضية الخبز المدعوم (رغيف العيش)، الأهم بين مكونات الدعم للمواطنين، خصوصا أنه يمثل أهم عنصر غذائي للمصريين، ويمثل البند الأساسي في وجبات المصريين عموما، وبين الأغلبية الساحقة من الشعب. وأي حوار حول الأفكار المطروح لتحويل الدعم العيني إلى نقدي، لا بد حسب محمود الحضري في “المشهد”، أن يتم بدقة شديدة جدا، ودون عجلة لتتخلص الحكومة من الدعم العيني، وذلك في ضوء بعض التجارب، التي تم تفريغها من مضمونها بسبب معدلات التضخم العالية، ولم تعد للدعم النقدي قيمة في ظل ارتفاعات الأسعار. ومن المهم تقييم تجربة الدعم السلعي (النقدي حاليا)، والوضع الواقعي لكمية السلع، في ضوء تآكلها مع الارتفاع المستمر للسلع، مع تقييم قيمة ما تقدمه الحكومة من دعم تحت برنامج (تكافل وكرامة)، وما تمثله حاليا من قيمة قياسا، على مستويات التضخم الحقيقية في السوقِ. ويبدو أن الحكومة جادة في تنفيذ ما أعلنه المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء بأن الحكومة تدرس مقترحا خاصّا باستبدال الدعم العيني الحالي بمبلغ نقديّ يصرف شهريّا. إلا أن الأمر ليس بهذه السهولة، فالأهم هو إخضاع القضية برمتها للدراسة، وحوار حقيقي وفعال، دون حاجة للعجلة. البعض يرى أن سياسة الدعم النقدي لم تنجح في رفع مستوى معيشة الأسر المستهدفة، أو تحسين شبكة الأمان الاجتماعي بشكل عام، خصوصا مع الأزمة الاقتصادية الحالية، ما زاد من اعتماد السكان على الخبز المدعوم، الذي لا يكلف الحكومة كثيرا على خلاف التصريحات الرسمية، حتى تجربة تحويل الزائد من الدعم للخبز لنقاط لشراء سلع والذي بدأ قبل عشر سنوات، تآكلت مع التضخم.

أمان اجتماعي

الخبز المدعم اعتبره محمود الحضري بمثابة أمان اجتماعي، بل يمنع الدعم السلعي توسيع دائرة الفقر والجوع، خصوصا أن رغيف الخبز هو العمود الأساسي في حصول أغلب المصريين على سعراتهم الحرارية المطلوبة. ومن المهم جدا، وعند دراسة رغبة الحكومة في تحويل الدعم العيني للخبز إلى دعم نقدي بمبلغ شهريا، الدقة في حسابات معدلات التضخم، وعدم تآكل قيمته، وهو ما حدث في الدعم السلعي، خصوصا أن شريحة كبيرة من السكان تعتمد على الخبز المدعم ومِنهم مَن هم على حافة الفقر وشرائح من الطبقة الوسطى التي تعد أكثر الفئات تضررا من رفع الدعم السلعي، وهم غير مستحقين للإعانة النقدية في ظل تطبيقاتها الحالية. ووفقا لعلوم التغذية لا تقتصر قيمة العيش البلدي على توفير سعرات حرارية للمواطنين، فقد استخدمت الحكومة الخبز الذي يستهلكه ملايين المصريين كوسيلة لمعالجة سوء التغذية الناتج من نقص المغذيات الدقيقة عن طريق دعمه بالحديد وحمض الفوليك لتحسين مستويات فقر الدم. والسؤال المهم ما الحل.. إذا كانت الحكومة تبحث عن حل للفقر والحد من الإفقار؟ الإجابة التي من وجهة نظر متخصصين وما طرحته دراسة (عدسة)، يجب عدم استعجال إلغاء الدعم السلعي، فهي سياسة من شأنها توسيع دائرة المحرومين، مقابل برامج إعانات نقدية محدودة لا تعالج الأزمة بشكل هيكلي، ولا بد في ظل الظروف الاقتصادية الحالية أن تقوم الحكومة بتوسيع الدعم السلعي ليشمل سلعا غذائية أخرى تحسن مستويات التغذية لدى المصريين لا إلغاءها. ومن المقترحات التي من المهم دراستها.. ضرورة البحث في إمكان تنفيذ الدخل الأساسي الشامل كمنظومة دعم، من خلال تقديم معونات شهرية إلى كل المواطنين، ولا بد أن يصاحب ذلك إصلاح نظام الضرائب لضمان مساهمة أكبر من الشرائح الأكثر دخلا من أجل تمويل الدخل الأساسي الشامل، خصوصا وأن تكلفتة ليست بالمستحيلة.

أين الفول والطعمية؟

كثيرا ما نسمع أن عيد الأضحى هو عيد اللحمة. وقد توارثنا هذه الجملة من آبائنا وأمهاتنا، ربما كانت سببا وفق ما يرى محمد أمين في “المصري اليوم” للتهرب من دفع العيدية بحجة أنه عيد اللحمة، فكان عيد الأضحى أقل حظا في منح العيديات من عيد الفطر. لا أدري هل كان ذلك نتيجة لتقارب الأعياد، فالفترة بين العيدين في حدود شهرين، لا يلبث أن يدفع الأب عيديات عيد الفطر، حتى يأتي عيد الأضحى لتجهيز الأضاحي، فيكون الحل هو تقليل النفقات بتجاهل العيديات، على أنه عيد للحمة. ورغم أن هذه المقولة شائعة، فليس كل الناس يأكلون اللحوم في الصباح والمساء، فلا غنى لنا عن تناول الفول والطعمية في الإفطار، حتى أكاد أقول إن يوما لا يبدأ بالفول والطعمية هو يوم «ما يتحسبش من عمري». وقد مررت أمس على محلات الفول والفلافل، فوجدتها مغلقة في إجازة، واستغربت أن أصحاب المحال الخاصة يحصلون على إجازة مماثلة لإجازة الحكومة والقطاع العام. مرت أربعة أيام ولم تعد المحلات للتشغيل، بحجة أنها إجازة، فأصبح الناس يبحثون عن الفول والطعمية لطعام الإفطار ولا يجدونها. السؤال: كيف يتغيب أصحاب الأعمال الخاصة كل هذا الوقت عن أعمالهم، مع أن الحكومة محل انتقاد في منح هذه الإجازة الطويلة، التي تتوقف فيها البنوك ودواوين الحكومة، وتتوقف فيها الحياة، رغم أنها في ظل الظروف التي تعيشها، كان ينبغي لها أن تعمل أضعافا مضاعفة؟ الفول والطعمية هو الطعام الأساسي لجموع المصريين في الريف والمدن، حتى لو كان عيد اللحمة، فعندما تغلق المحال أبوابها يلجأ الناس في البيوت إلى إعداد الطعمية المنزلية، لأنها من الأطباق التي يحرص عليها عموم المصريين في وجبة الإفطار. وأتصور أن الإدارة المحلية كانت تنظم هذه الأمور في وقت من الأوقات. وكانت تضع جدولا لعمل المحلات بالتناوب مع بعضها.. الآن نشعر بأننا بلا إدارة ولا محليات، فما هو دور وزارة التنمية المحلية في ضبط الأسواق وعمل المحلات المرتبطة بالجمهور؟ على الحكومة الجديدة أن تضع في اعتبارها احتياجات الناس وإعفاء المحافظين الذين لا يسهرون على راحة الجمهور، فالأصل في الأشياء أن الحكومة خادمة للشعب.

الحرية بالقطارة

يتفق زياد بهاء الدين في “المصري اليوم” مع الكثيرين على تراجع مساحة حرية التعبير، لكنه توقف عند فكرة الإعلام المستقل. فهل المقصود بها أن تكون الجريدة حرة فيما تنشره دون تدخل من الدولة ودون الخضوع لرقابة من أي نوع؟ الحقيقة أن هذا ليس ما قصدته بالاستقلال، بل أرى تداخلا بين موضوعين مرتبطين، لكنهما ليسا متطابقين: حرية التعبير واستقلال الإعلام. أن تنشر الجريدة ما يحلو لها من آراء كتابها ومحرريها فهذا يعبر عن مناخ تسوده حرية الرأي والتعبير والنشر. وهذه قيم إيجابية في كل الأحوال، ونقيضها هو الرقابة والتضييق. لكن قد يكون المناخ حرا دون أن تكون الجريدة مستقلة، متى كانت واقعة تحت السيطرة أو التحكم من أي طرف، سواء دولة أو فئة معينة أو مجموعة مصالح على نحو ما هو معروف في العالم. وعلى النقيض فقد يكون المناخ العام مقيدا لحرية التعبير، لكن تظل هناك وسائل إعلام مستقلة لأنها غير واقعة تحت سيطرة الدولة ولا جهات أخرى، ولأنها تسعى للحفاظ على مساحة من الحرية لكتابها ومحرريها، سواء نجحت في ذلك أم لم تنجح. وإذا كانت الجريدة – أي جريدة – تتعرض لضغوط وتدخلات، ويتفاوض رئيس تحريرها في كل عدد على عنوان لمقال أو جملة أو على تحقيق صحافي أو خبر، وإذا كانت النتيجة حذف ما يُحذف ومنع ما يُمنع، فإن هذه – في المفهوم الذي أقصده – علامات مقاومة واستقلال وليست مظاهر رضوخ واستسلام، بل لا أتصور أن تكون هناك حاجة للتدخلات والضغوط إلا مع جريدة وكتاب ورؤساء تحرير يحاولون تجاوز القيود المفروضة عليهم، بالتفاوض أحيانا، وبالمناورة والعبارات المبهمة في أحيانٍ أخرى، وبالرضوخ في بعض الحالات حرصا على بقاء الجريدة واستمرارها. وهذا كله لا يفقدها استقلالها، بل يؤكده، وإن كان يعبر عن وقوعها مثل غيرها تحت وطأة الرقابة والتدخل. وللتوضيح، فإن حديثي لا يتعلق بجريدة بعينها، ولا بالصحف وحدها، بل بكل وسيلة إعلام تسعى للحفاظ على بعض الاستقلال والحرية، سواء جريدة أم برنامجا تلفزيونيا، أم منصة إعلامية. كذلك فإنني لا أتحدث إلا عما يصدر وينشر داخل مصر وليس من ملاذات آمنة في الخارج، حيث لا قيود ولا مخاطرة ولا ثمن يُدفع.

دم أسماء

صدم خبر دهس القطار لمهندسة شابة قبل مناقشتها الماجستير بأيام، الكثيرين وبينهم عادل عبد الحفيظ في “المشهد”: عروس جديدة يتم زفها إلى السماء وقبل العيد بأيام، على محطة قطارات السكة الحديد في “أبوتشت” شمال قنا، قضى القطار على أحلامها الشابة وهي التي يشهد الجميع بتفوقها، فهي بنت صعيدية جدعة ومتفوقة حلمت أن تلحق بكلية الهندسة وسهرت الليالي وشجعتها أسرتها، وقتلها قطار الإهمال والنسيان قبل أن يصادفها قطار السكة الحديد. مزلقان مغلق بقرار عشوائي منذ 5 سنوات ومزلقان بديل ضيق خانق أسوأ منه، ومسؤولون في مدينة حضروا من ماضي المخالفات لواقع الجزاءات، وإدارات متابعة في المدينة تحتاج من يتابعها ويحاسبها، ومسؤولون في المحافظة جل إنجازاتهم استقبال طالبي معاش تكافل كرامة وفقط، ووزراء فوق المحاسبة ولا يجرؤ أحد أن يسالهم “إذا أسماء سئلت بأي ذنب قتلت”، وقيادات شعبية لا حيلة لها من قريب أو بعيد، وتحولت إلى موظفين بالفعل ولا نلوم عليهم، ومدينة كبيرة في أقصى الجنوب لا تكاد تخرج من حداد حتى تدخل في حداد آخر، مدينة تتشح بالسواد حزنا على نسيانها وحزنا بسبب من دفع بقيادتها لمناصبهم. هذه مدينة لا يمكنك المرور في شوارعها وأنت تقود حتى دراجة هوائية، يمكنك أن تسير مترجلا ثم ترى نفسك في حفرة عميقة أو أعلى قمم من المخلفات والزبالة، أو تكون في عداد سكان الآخرة في لحظات، إنهم مسؤولون حولوا مبادرة عظيمة أشادت بها كل الهيئات والمؤسسات الدولية واعتبرها نموذجا في التنمية، صغار المسؤولين حولوا المبادرة إلى متهم وشماعة يعلقون عليها فشلهم المتكرر وخطاياهم، وأنها هي من حولت شوارعها إلى بؤر صالحة للزراعة قبل أن تكون صالحة للسير فيها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية