إلغاء الفلسفة والاقتصاد والجولوجيا يفرز جيشاً من العاطلين… وأم الدنيا لا يليق بها أن توقف تعليم الجغرافيا

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: هاقد عاد بلينكن للمنطقة حاملاً نفس بضاعته الراكدة، التي لم تسفر عن حل للأزمة، ولم تحل دون وقف المذابح، التي يواجهها الفلسطينيون منذ قرابة عام، في ظل صمت يندى له جبين العالم، الذي يزعم التحضر. وقد استقبل الرئيس السيسي، وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن”، والوفد المرافق له، بحضور الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية، واللواء عباس كامل رئيس المخابرات العامة، بالإضافة إلى “هيرو مصطفى جارِج” سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية في القاهرة.
وقال المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية إن اللقاء شهد التشديد على قوة الشراكة الاستراتيجية التي تربط بين البلدين، وحرصهما على دفع الجهود المشتركة لاستعادة الأمن والاستقرار في المنطقة. وتم خلال اللقاء استعراض جهود الوساطة المشتركة المصرية الأمريكية القطرية لوقف إطلاق النار في غزة وتبادل المحتجزين، وتم تبادل الآراء بشأن نتائج الاجتماع التفاوضي الأخير، الذي عقد الأسبوع الماضي في الدوحة، وسبل تحريك الموقف، وإحراز تقدم في المفاوضات الجارية في القاهرة. وأطلع الوزير “بلينكن” الرئيس السيسي، في هذا السياق، على نتائج زيارته لإسرائيل، مؤكداً التزام الولايات المتحدة بجهود التهدئة والتوصل لاتفاق، معرباً عن التقدير الكبير لدور مصر وجهودها البناءة في هذا الصدد.
وشدد السيسي على أن الوقت قد حان لإنهاء الحرب الجارية، والاحتكام لصوت العقل والحكمة، وإعلاء لغة السلام والدبلوماسية، مشدداً على خطورة توسع نطاق الصراع إقليمياً، على نحو يصعب تصور تبعاته، مشيراً إلى أن حقن دماء الشعوب يجب أن يكون المحرك الرئيسي لكافة الأطراف، وأن وقف إطلاق النار في غزة يجب أن يكون بدايةً لاعتراف دولي أوسع بالدولة الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين، لكونه الضامن الأساسي لاستقرار المنطقة.
وعلى الصعيد المصري الداخلي عقد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، اجتماعاً مع الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، لمتابعة عدد من ملفات عمل الوزارة. واستعرض الاجتماع عدداً من الإجراءات التي تم اتخاذها، سعياً لضبط حركة الأسواق وأسعار السلع، والتصدي لأي ارتفاعات غير مبررة، وخاصة في أسعار السلع الاستراتيجية. وعن توافر السلع، أشار وزير التموين إلى أن إجمالي كميات السلع، التي تم ضخها في السوق وصل إلى 300 ألف طن من السلع التموينية، واللحوم والدواجن بأنواعها، بالإضافة إلى السلع الحرة الأخرى، وذلك من خلال العديد من المنافذ الثابتة، التي تشمل بقالي التموين، والمجمعات الاستهلاكية، ومشروع “جمعيتي”، بالإضافة إلى المنافذ المتحركة من خلال السيارات المتنقلة.
وتطرق الاجتماع إلى عدد من المقترحات، التي من شأنها أن تسهم في تحقيق المزيد من ضبط الأسواق والسيطرة على أسعار السلع، إذ أشار وزير التموين إلى أهمية تطوير المجمعات بما يسمح لها بمزيد من المنافسة، عبر زيادة أعدادها وتوسيع انتشارها على مستوى الجمهورية، إلى جانب تطوير مخازن الجملة وإعادة هيكلتها، بما يسمح لها بمخزون استراتيجي فعال، والعمل على تنظيم أسواق الجملة لتقليل حلقات التداول، سعياً لتخفيض تكلفة السلع لأقصى درجة ممكنة.
درس للجميع

الحديث عن جولة بلينكن التاسعة، وتصريحاته في إسرائيل عن الفرصة الأخيرة لوقف إطلاق النار، ربما تكون صحيحة في كونها الفرصة الأخيرة لوقف إطلاق النار بين المقاومة وقوات الاحتلال الإسرائيلي، لكن عبد المحسن سلامة وصفها في “الأهرام” بأنها تصريحات منقوصة، وجملة غير مكتملة، لأن الاحتلال الإسرائيلي وجيشه النازي يريد فرض شروطه بكاملها علي المقاومة، وينسى أن كل ذلك لم يجد نفعا طوال 76 عاما من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. وتابع الكاتب: النازيون الجدد في إسرائيل يريدون «محو غزة» من الوجود، وهاهم قد فعلوا بعض هذا حين دمروا، وخربوا، وأحرقوا كل معالمها، لكن المشكلة تظل كامنة في عقلية العدو الإسرائيلي، وعقيدته الاستعمارية، القائمة علي انتهاك الحقوق، والتوسع الاستيطاني، والاعتماد على القوة الغاشمة لتحقيق أهدافه. وينسى القادة الإسرائيليون أن القدس تم احتلالها لنحو من 90 عاما من الصليبيين ثم خرجوا منها صاغرين، وكان احتلالهم يشبه كثيرا الاحتلال الإسرائيلي في كونه احتلالا استيطانيا بغيضا، ورغم ذلك هزم الصليبيون وعادت الأراضي الفلسطينية للشعب الفلسطيني.
وقال سلامة ينسي بلينكن وإدارته الداعمة للعدوان الإسرائيلي أن جذر الأزمة يكمن في عدم الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، طبقا لمقررات الشرعية الدولية، وقيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، وتلك هي المشكلة التي يجب فهمها دون غيرها من المشكلات. وأضاف أن الرئيس عبد الفتاح السيسي قد طالب منذ اليوم الأول لاندلاع الأزمة بالعودة إلى جذورها، ومعالجة الأخطاء الكارثية المستمرة طوال 76 عاما، وكان الموقف المصري ولا يزال موقفا واضحا وقويا وحاضرا في كل اللقاءات والمفاوضات والمؤتمرات: أعيدوا للشعب الفلسطيني حقه، وساعتها سوف تهدأ النفوس، وتصمت البنادق، ويتحقق الأمن والأمان لكل شعوب المنطقة، بما فيها الشعبان الفلسطيني والإسرائيلي.. أما دون ذلك فقد تصمت البنادق قليلا ثم ما تلبث أن تعود أكثر شراسة مما كانت عليه، وهذا هو درس التاريخ لمن لديه عقل وقلب في كل بقاع الدنيا وليس في فلسطين وحدها.

يدركون الحقيقة

أول الطريق إلى اغتصاب الحق هو محو الذاكرة، فمن ينسى يُفرّط، على حد رأي الدكتور عمار علي حسن في “الوطن”. ويقول حسن إن الذاكرة قد ألهبت نفوس الفلسطينيين الذين كابدوا لحظة الاستيلاء على الإرث المادي، وفى مقدمته الأرض، أيام الصدمة الأولى والمواجهة البكر، وإن أي غشاوة تطمسها، أو تزييف يلحق بها، أو تغيير يجعلها تنحرف عن التمسك بحق الاستعادة والاسترداد والرجوع، سيؤثر، دون شك، على مواقف الأجيال اللاحقة، التي يعول المحتل على تغييب الحقوق من ذاكرتها، فترضى بالسائد والمتاح، أو تُسلم، بفعل وعي زائف مبتور، برواية المحتل، وتعتبرها قدراً مقدوراً لا فكاك منه. لهذا لا يكتفى المقاوم بحمل السلاح ضد المحتل، بل عليه أن يتسلح أيضاً ضد تزييف التاريخ، وطمس الهوية، بالإبقاء على الذاكرة حية. وطالما شهدت البشرية، في عمرها المديد، ألواناً من «التاريخ المنسي» أو «المستبعد» حين أتيح للمنتصرين أن يكتبوا اليوميات والحوليات، فاستبعدوا منها كل ما يصنع للمهزومين أياماً حاضرة، مثلما فعل الإنجليز والفرنسيون بالهنود الحمر، الذين صاروا أثراً بعد عين، ومثلما فعل الاحتلال المتعاقب بالمصريين حين أزاح تاريخهم القديم قروناً طويلة، إلى أن أُعيد اكتشافه بعد فك شفرات اللغة الهيروغليفية.
ويقول الدكتور عمار علي حسن إن الفلسطينيين يعون هذه المسألة جيداً، لذلك تراهم يحتفظون في ذاكرتهم بخرائط فلسطين قبل نكبة 1948، بل قبل وعد بلفور 1917، وما تلاه، حين تم تهجيرهم قسراً، وتغيير أسماء قراهم ومدنهم عربية الأسماء إلى أسماء عبرية، بل إنهم يحتفظون بما هو أدق وأكثر تفصيلاً من الخطوط العامة، مثل مفاتيح بيوتهم، التي أُخرجوا منها، ويحتفظون بأزيائهم، التي اعتادوا ارتداءها، وأكلاتهم الشعبية التي نسبها الإسرائيليون إلى أنفسهم، وطقوسهم في الأفراح والأتراح، فحملها المحاصرون في المعازل، التي هجروا إليها في الضفة الغربية وغزة، ورافقتهم إلى الشتات في البلدان المجاورة، وإلى المهجر والمنافي البعيدة، التي اضطروا إلى أن يتخذوها أوطاناً جديدة، بعد أن تم تشتيتهم بلا رحمة على قارات العالم الست.

لهذا لم يتلاشوا

فى فلسطين أخذ العجائز، نساء ورجالاً، على عاتقهم، وفقاً للدكتور عمار علي حسن، حفظ الذاكرة، حتى لا تُمحى ولا تستباح. وقد حفل الأدب الفلسطيني بأنماط من هذه الشخصيات، أبرزها امرأة أطلق عليها اسم «أم الروبابيكيا» في رواية إميل حبيبي «سداسية الأيام الستة»، إذ كانت تقوم بكل ما يحافظ على جزء من تاريخ الشعب الفلسطيني ويؤكد أحقيته في أرضه ووطنه، فمن خلال جمعها للأشياء القديمة «الروبابيكا»، أصبح لديها الكثير من الأوراق والأشياء القديمة، التي تشكل جزءاً مهماً من الذاكرة الاجتماعية الفلسطينية. ولم تكن هذه المرأة شخصية عادية، بل كانت واعية بدورها، فها هو «حبيبي» ينبئنا بقدراتها الذاتية حين يقول عنها: «كانت إذا دخلتم في الشعر دخلت فيه، وكنتم تسرعون إلى إكمال بيت إذا لم يأتها سوى شطره الأول، وكنتم تهمهمون استحساناً ولؤماً إذا روت بيتاً وقد كسرته.. وإذا دخلتم في السياسة، كانت أشدكم حماساً ورغبة في أداء المهمة، فإذا اعتُقل أحدكم كانت أسرع من أمه إلى زيارته، وحمل الطعام إليه، وغسل قمصانه».
ورغم أن بعض الناس انتقدوا مسلكها، ورأوا في جمعها للأشياء القديمة متاجرة بجزء من حياة شعب، واستفادة من الكارثة التي حلت به، بتهجيره من أرضه، فإن الرواية تنصفها حين تقدم ما يفيد بأن أم الروبابيكيا كانت مخلصة لكل ما يربطها بتاريخ وطنها من الحاجيات القديمة التي كدَّستها لديها، لتظل شاهداً على أناس كانوا يقطنون هذه الأرض يوماً ما. لم تنزح «أم الروبابيكيا» مع الذين تركوا دورهم بعد حرب 1948، ومن بينهم زوجها وأولادها، وبقيت مع والدتها القعيدة، وبعد أن كانت في نظر الجميع «ملكة الوادي المتوَّجة» أصبحت «أم الروبابيكيا»، لأنها تاجرت في الأثاث الذي نهبه الإسرائيليون من بيوت الفلسطينيين، فتبرَّأ منها زوجها، وراح من يعرفها يصفها بأنها «عريقة في النهب»، ونسي الجميع أنها طالما وقفت إلى جانب المعتقلين في محنتهم. وغاب عن البعض أن ما تفعله هذه المرأة يحمل جانباً إيجابياً لا يمكن إنكاره، يتمثل في الحفاظ على جزء من الذاكرة الشعبية والهوية الفلسطينية.

يشبه شعبه

المتحدثُ باسم “كتائب القسام”، الذراع العسكرية لحركة حماس «أبوعبيدة»، وهو يعلن نتائجَ التحقيق في إطلاق أحد حراس الحركة النار على أسرى إسرائيليين، ومقتل أسير وإصابة أسيرتين.. كان شفافًا، ما يكشف مصداقية لا يعرفها جيش الاحتلال، الذي يقتل ويتنكر، ثم يكذب على العالم. فـ”أبوعبيدة”، في بيان صادر عنه عبر منصة “تيليجرام”، أعلنها صريحة: “تبين أن المجند المكلف بالحراسة تصرف بشكل انتقامي خلافًا للتعليمات، بعد تلقيه خبر استشهاد طفليه في إحدى مجازر العدو”. والحادثة على حد قول الناطق باسم كتائب القسام “لا تمثل أخلاقياتنا وتعاليم ديننا في التعامل مع الأسرى، وسنشدد في التعليمات بعدم تكرار الحادثة”. وأضاف: «وحشيتكم باتت خطرًا داهمًا على أسراكم.. الوقت ينفد». وقال «أبوعبيدة»: «نُحمّل العدو المسؤولية الكاملة عن كل ما يتعرّض له أسراه من معاناة ومخاطر نتيجة كسره كل قواعد التعامل الإنساني والبشري وممارسته الإبادة الوحشية ضد شعبنا».

ذنبهم في رقبته

هذا حال الأسرى الإسرائيليين لدى حماس، الذين تحمل الحركة مسؤولية قتلهم لنتنياهو. ولمعرفة المزيد فما عليك إلا أن تتبع نصيحة حمدي رزق بمراجعة فيديوهات السجينات والسجناء، الذين أُفرج عنهم في الهدنة اليتيمة، هل تحدثوا بسوء عن حراسهم، هل انتُهكت أعراضهم، هل تعرضوا لمهانة وإذلال، وهل وهل وهل؟. وقال رزق إن نتنياهو منع أولئك الأسرى بصلف من الحديث إلى وسائل الإعلام حتى لا يقولوا الحقيقة، حقيقة رعاية حماس للأسرى، والتفاني في حمايتهم من جبروت نتنياهو، الذي يود قبرهم أحياء، بحثًا عن حجة لمزيد من حصد أرواح الخدج والرضع.. وهو يرى أن نتنياهو هو مَن يقتل الأسرى الإسرائيليين، هو مَن يحفر قبورهم، وهو مَن يعقّد المفاوضات حتى هلاكهم، وأن السنوار لا يقتل الأسرى، ولا يُذيقهم سوء العذاب.. يرعاهم حتى يعودوا سالمين إلى أهليهم المروعين من فعل نتنياهو.
ثم يتساءل رزق ماذا عن حال الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال؟. ويقول إن «ابن غفير» حوّل السجون الإسرائيلية إلى ما يشبه سجون «غوانتانامو»، وليس سجن «أبي غريب» بعيدًا عن صورة سجون الاحتلال، فتحقيقات مصورة تبرهن على إذلال ممنهج، وعقاب جماعي، واعتداءات بدنية وجنسية، ما يندى له جبين البشرية خجلًا. ويضيف أن “أبوعبيدة” لا يكذب ولا يتجمل ولا يتنكر لحقيقة مقتل أسير إسرائيلي وإصابة أسيرين، وبشفافية مطلقة يكسب مصداقية في مواجهة آلة كذب إسرائيلية مفضوحة، اسمها «دانيال هاغاري»، المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي. ويقول إن «هاغاري» يتنفس كذبًا، فهو كذوب، كذّاب أشِر، وكذبه لا يصمد ثانية أمام مصداقية وشفافية «أبوعبيدة».

صمود أزلي

وفقًا لشهادات شخصيات ومؤسسات دولية رسمية، تعتمد إسرائيل «التجويع» سلاحًا ضد الفلسطينيين، بموازاة استراتيجية الإبادة والحصار. إذ تفتقد أسرة واحدة، على الأقل، من كل خمس أسر فلسطينية، مياه الشرب والغذاء، بما يعرضها لمخاطر المجاعة والهلاك.
وفي 27 شباط/فبراير الماضي، بحسب بشير عبد الفتاح في “الشروق” أخطر مفوضون أمميون، مجلس الأمن، بمكابدة سكان غزة قاطبة، عذابات الجوع، ومعاناة تحصيل الماء والغذاء والدواء، اعتمادًا على المساعدات الإنسانية، التي يتعذر توفرها بانتظام، لأجل البقاء. ومن ثم باتوا يمثلون 80% ممن يواجهون شبح المجاعة عالميًا، بينما يصارع 25% منهم المجاعة، التي تعتبرها الأمم المتحدة، أسوأ مستويات انعدام الأمن الغذائي. وبينما كان 85% من سكان غزة يعتمدون على المساعدات قبل السابع من أكتوبر الماضي، أصبح جلهم اليوم مهددون بالمجاعة. بينما يواجه الأطفال دون الخامسة، شبح سوء التغذية الحاد. وحذر مراقبون أمميون من عدم حصول النساء الحوامل على ما يكفي من التغذية والرعاية الصحية، وتعرض جيل كامل من المواليد لخطر التقزم، جراء اضطراب النمو، بسبب سوء التغذية؛ بما يستتبع إعاقات جسدية وإدراكية يستعصي علاجها. الأمر الذي اعتبرته الأمم المتحدة، أبشع مأساة لانعدام الأمن الغذائي، يتم توثيقها لتجمع بشري، على مستوى العالم.
تنوعت أساليب التجويع الممنهج، التي تتبعها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين. فهي من جهة، تتحكم في حياتهم، إذ يعتمدون عليها في إمدادهم بالكهرباء، ومعظم المياه، ومشتقات البترول، والمواد الغذائية والأدوية المستوردة من الخارج، عبر الموانئ الإسرائيلية. وفي حالة نشوب حرب إقليمية، أو تعرض إسرائيل لهجمات انتقامية من إيران ووكلائها، فسيتضرر الفلسطينيون في الضفة وغزة بالتبعية، جراء اضطرارهم للاعتماد المفرط على إسرائيل في جميع مناحي حياتهم، باعتبارها «القوة القائمة بالاحتلال».

حيل شيطانية

تتفنن إسرائيل في إعاقة دخول المساعدات للقطاع، إذ أغلقت المعابر، التي كانت تتيح دخول نحو600 شاحنة يوميًا، وباتت المتحكم الوحيد في حركة القوافل والبضائع، عبر حاجز إيريز. ولا يكفي ما يدخل، حاليا، من السلع والبضائع، وفق ما أخبرنا بشير عبد الفتاح لتلبية احتياجات 1% من سكان جنوب ووسط القطاع، بينما تعاني مناطق الشمال حرمانا مروعا. وهو ما أدى إلى تضاعف نسبة الوفيات الطبيعية، بنحو سبعة أضعاف ما كانت عليه قبل العدوان الحالي. فبدم بارد، وفي تحد صارخ للقانون الدولي، لا تتورع قوات الاحتلال عن استهداف موظفي وعمال الإغاثة الأمميين، بغية عرقلة وصول المساعدات إلى غزة، ما أفضى إلى وفاة ما يناهز 150 منهم. وبموازاة رفض سلطات الاحتلال غالبية طلبات البعثات الإنسانية بالوصول إلى مدينة غزة وشمال القطاع، تتعاظم التحديات والقيود على حركة العاملين في المجال الإنساني، بسبب أوامر الإخلاء المتكررة، وإعلان بؤر عديدة مناطقَ عمليات.
ولم يتوان الإسرائيليون في تقويض نشاط «الأونروا»، التي تلعب دورا مركزيا في إنقاذ سكان غزة. ورغم الإدانات والتحذيرات، التي أطلقتها منظمات الإغاثة الدولية، تنحسر أعداد الشاحنات، التي تنقل المساعدات إلى القطاع، بشكل مقلق، مع اشتداد وطأة القصف والحصار والإغلاق. فإلى جانب تدمير الطرق والبنى التحتية، بما يعرقل الوصول الآمن للمساعدات، تسيطر سلطات الاحتلال على قوافل الإمداد كافة عند معبر رفح، وتتفنن في إعاقتها وتأخير وصولها. ناهيك عن عمليات النهب والتخريب، التي تتعرض لها القوافل القليلة المسموح بمرورها عبر المعابر الحدودية، من قبل اليمينيين المتطرفين الإسرائيليين.

راعية الشر

هل بقي للولايات المتحدة أي مصداقية في مساعي وقف إطلاق النار في غزة؟ اليوم وبعد مرور أكثر من عشرة أشهر على بدء العدوان الإسرائيلي على القطاع في 7 تشرين أول/أكتوبر الماضي، تجاوز عدد الضحايا حاجز الأربعين ألف شهيد، ونحو 93 ألف جريح، بينما يوجد آلاف الضحايا تحت الأنقاض، والغالبية منهم بحسب طلعت إسماعيل في “الشروق” سقطوا بذخيرة وعتاد أمريكي حصلت عليه إسرائيل مجانا بدعوى تمكينها من الدفاع عن النفس!! وفي أعقاب فشل مباحثات الدوحة في التوصل إلى اتفاق بشرت واشنطن بقرب خروجه إلى النور، خرج علينا الرئيس الأمريكي جو بايدن محذرا جميع الأطراف في المنطقة من تقويض جهود التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، متجاهلا أن هذا التحذير كان الأولى أن يوجه إلى حليفه المدلل بنامين نتنياهو المسؤول الأول عن تقويض أي فرصة لوقف عدوانه على الفلسطينيين العزل من الأطفال والنساء.
ويضيف إسماعيل يقول بايدن إنه «لا ينبغي لأحد في المنطقة» أن يتخذ إجراءات لتقويض مساعي الاتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، لكنه لم يقل لنا من هو الطرف الذي ينبغي عليه ألا يقوض فرص التوصل لهذا الاتفاق. ويتساءل ألم يكن أجدر بالرئيس الأمريكي ألا يروج تفاؤله عن قرب التواصل لاتفاق، قبل الضغط على حليفه نتنياهو، لضمان نجاح الجولة الجديدة من المفاوضات المقرر عقدها في القاهرة قبل نهاية الأسبوع الجاري؟!
يستهلك نتنياهو الوقت لتحقيق مزيد من الدمار في غزة، سعيا لفرض إرادته على المنطقة أولا، وحماس ثانيا، ويظل يلجأ إلى الحيل والألاعيب في كل جولة مفاوضات، لضمان بقائه في الحكم لأطول مدة ممكنة، بما يعطي اليمين الصهيوني فرصة لفرض سياسة الأمر الواقع بالقوة، وكلما تعرض هذا النهج المدروس لتهديد سارع وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، الذي يتفاخر بيهوديته، إلى المنطقة لمساندة تل أبيب.

التشاؤم هو السائد

هددت إيران بعمل انتقامي ثأرا لاغتيال إسماعيل هنية في طهران وفؤاد شكر القيادي في حزب الله، في بيروت، فسارعت واشنطن إلى إرسال البوارج إلى المنطقة، مع تأكيد التزامها بالدفاع عن إسرائيل. ويتساءل طلعت إسماعيل هل يمكن لأصحاب هذا الانحياز السافر لتل أبيب أن يكونوا وسطاء في أي تسوية أو مفاوضات تستهدف الوصول لاتفاق هدنة لتبادل الأسرى والمحتجزين؟! ويقول يدور الحديث بشكل واسع الآن عن المقترح الأمريكي «لسد الفجوات» بين إسرائيل وحركة حماس، ومضمون هذا المقترح ما يزال محل خلاف. وحسب مصدر فلسطيني مطلع فإن «المقترح الجديد الذي تمت مشاركته في الدوحة لا يتطرق لوضعية ممر نتساريم (مفرق الشهداء)، الذي تسيطر عليه إسرائيل ويفصل جنوب قطاع غزة عن شماله، ولا محور فيلادلفيا»، وفق المصدر نفسه «حتى الآن لا يوجد سوى تعهد شفوي أمريكي بالضغط على إسرائيل بخصوص نتساريم» بينما سيخضع ملف محور فيلادلفيا للبحث خلال مباحثات القاهرة المنتظرة.
وبعيدا عن المصدر الفلسطيني الذي لم يكشف هويته، فإن القيادي في حركة حماس سامي أبو زهري قالها صراحة إن «الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق نوع من الوهم»، لأن الاحتلال في رأيه “يواصل عرقلة كل المساعي لإتمام أي اتفاق لوقف إطلاق النار”، كما إن “الإدارة الأمريكية ليست جادة في التوصل إلى اتفاق، بل تتبنى الموقف الإسرائيلي بمواصلة الحرب”. وبين تفاؤل الرئيس الأمريكي ومساعي الوسطاء لـ«سد الفجوات» كما تأمل واشنطن، تمضي القوات الإسرائيلية في سفك المزيد من دماء الأبرياء الفلسطينيين، بارتكاب المجازر اليومية، وهي لعبة مكشوفة لفرض الضغوط على الخصم عند الجلوس إلى طاولة التفاوض، لكن هل يلدغ الفلسطينيون من الجحر الإسرائيلي من جديد؟ هذا ما يجعل «التشاؤل» سيدا للموقف.

أيام ترامب

خرج علينا المرشح الرئاسي الأمريكي دونالد ترامب بتصريح تأمله جيداً محمد البهنساوي في “الأخبار” أكد فيه أن مساحة إسرائيل الحالية صغيرة ويفكر في كيفية مضاعفتها، فالتصريح ليس غريبا على ترامب ومعتقداته وقراراته، فرغم التعصب الأمريكي التاريخي الأعمى والدعم اللامحدود لإسرائيل، إلا أنه فاق كل الرؤساء الأمريكيين في الدعم والتعصب “ببجاحة وفجور”، وليس آخره اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، والجولان السورية المحتلة ضمن أراضيها. وقال البهنساوي البعض وصف التصريح بأنه مجرد وعد انتخابي، لكني أختلف مع هذا الوصف وأراه مخدرا إلى أن نفيق على مصيبة جديدة لهذا المتعصب الصهيوني “البجح”، وهنا أذكر خريطة عرضها مجرم الحرب نتنياهو ذات مرة لإسرائيل وتضم ضمن حدودها الجولان السورية، والخريطة موقعة من ترامب وقدمها لنتنياهو صهر ترامب وكبير مستشاريه في البيت الأبيض اليهودي الصهيوني جاريد كوشنر.
ووصف البهنساوي ذلك بإنه وعد بلفور جديد وأشد خطورة من الوعد الوغد الذي قاد للدولة اليهودية الحالية، ولا ندري إلى أين سيقود الوعد الجديد منطقتنا وعلى حساب من هذه المرة؟ وخطورة وعود وتصرفات بلفور العصر أنها تأتي في زمن تنفرد فيه واشنطن بقيادة العالم، وإسرائيل في أقوى أوضاعها عسكريا وسياسيا للدرجة، التي لا تتوقف عن قتل وإبادة الفلسطينيين والتحرش بجيرانها وممارسة البلطجة، دون أي اعتبار لشرعية أو قرارات دولية، وترفض حتى التفاوض على وقف آلة الحرب والتدمير والإبادة، ولا ننسى الخريطة التي تظهر عن عمد في عدة مناسبات لدولة الاحتلال وبها تظليل من النيل للفرات، باعتبارها حدود دولتهم المزعومة واصفين إياها بالوعد الإلهي. وبما أن ترامب صهيوني أكثر من الإسرائيليين أنفسهم فالخطر داهم إذن!!
ولعلنا نفهم الآن مماطلات نتنياهو في التوصل لاتفاق وقف الإبادة في غزة سعيا لكسب الوقت انتظارا لوصول حليفه بلفور العصر إلى البيت الأبيض من جديد، والخطط جاهزة، بدايتها تصفية القضية الفلسطينية ووأد حل الدولتين، يليها بدء تنفيذ المخطط الأكبر بتوسعة دولة الاحتلال وصولا لإسرائيل الكبرى.. فماذا نحن فاعلون؟! سؤال يجب أن يأخذ حقه في منطقتنا العربية والإسلامية، لنستعد للسيناريو الأسود الذي ينتظرنا والطوفان الذي لن يستثني أحدا!

أفكار الحكومة

مستقبل أي أمة تحدده الأجيال القادمة وما تحمله من أفكار ورؤى وعلم وثقافة وسلوك، كما يحدده ذلك الانتماء وتلك الهوية الوطنية، التي تطمح دومًا إلى رفعة الوطن والحفاظ على مقدراته وأرضه وتاريخه، والنهوض به نحو مستقبل أفضل اقتصاديًا وحضاريًا وتكنولوجيًا.. لذا فإن التعليم والثقافة والإعلام كما ترى الدكتورة عزة أحمد هيكل هي الأدوات، التي تساعد الأسرة في تشكيل المواطن الفرد، أو تلك البنية الرئيسية والأساسية في بناء المجتمع والوطن، لذا فقضية التعليم، خاصة الأساسي، وما قبل الجامعي هي الركن الخطير والمحرك الفاعل في العملية المجتمعية وكل ما تطرحه وتصرح به الحكومة عن مصر 2030، أي هؤلاء الشباب القادم القادر على تنفيذ مخططات وأفكار الحكومة، التي تعمل في الأساس لصالح هذا الوطن والمواطن..
وتابعت الكاتبة في “الوفد”: بعد كانون ثاني/يناير 2011 تعاقب على وزارة التربية والتعليم عدد من الوزراء وآخرهم ثلاثة د. طارق شوقي ود. رضا حجازي، وأخيرًا السيد محمد عبداللطيف. وحين عرض د. طارق شوقي خطته وفكرته الطموح لمستقبل التعليم صفقنا بداية للعلم والخطط الإستراتيجية والرؤية والرسالة العلمية، لكن كان التخوف من عدم إعداد بيئة مدرسية لتحقيق هذا الفكر، فانفصلت الخطة عن آليات التنفيذ… فالمعلم غير مؤهل، والمدرسة لا ترقى لمستوى الخطة، والكثافة في الفصول تمنع المتابعة والتقيم المستمر، بالإضافة إلى أن ثبات أعداد المعلمين منعت التعيين، ولم ترفع مكافآت التدريس بما يتناسب وحجم التغير، وكانت الطامة الكبرى في قضية “التابلت” وعدم وجود بنية تحتة صالحة وكافية في جميع المناطق، ولأن المعلم مرة آخرى لم يكن متسلحًا بالتكنولوجيا الحديثة ولم يتم إعداده لهذا التغيير الجذري.

مناهج التعليم

تطوير المناهج التعليمية تم من خلال شركات عالمية، بعضها راعى البعد الثقافي والاجتماعي في تطوير المناهج، والبعض الآخر لم يلتفت للأسف لهذا، فمثلًا كما أوضحت الدكتورة عزة أحمد هيكل هناك درس في اللغة العربية لطلبة الصف الثالث الابتدائي يتحدث عن مائدة غذاء عليها أصناف من المأكولات البحرية الفخمة الغالية الثمن، ندرسها لطلاب في الصف الثالث الابتدائي، قد لا يدركون المعنى والمغزى والشكل فيشعرون بمزيد من الحسرة وقلة الحيلة منذ الصغر. ثم جاء د. رضا حجازي، وهو تكنوقراط لأنه عمل في التدريس منذ تخرجه من كليات التربية وتدرجه في الوظائف داخل الوزارة، فحاول جاهدًا أن يستعيد الثقة بين الطالب والمدرسة وأولياء الأمور والوزارة، لكنه للأسف لم يغير من الداخل ولم يحرك وكلاء ومديري التعليم، الذين هيمنوا على مفاصل الوزارة، ولم يحارب الدروس الخصوصية. وكانت الطامة الكبرى ما حدث من حالات غش جماعي في المحافظات وهذا بسبب مديري التعليم هناك.. وجاء الوزير الجديد من خلفية مختلفة تمامًا فهو يعمل في مجال الاستثمار والتعليم الخاص والأجنبي، وجاءت مجموعة قرارات تعديل مناهج الثانوية العامة والمرحلة الثانوية، وهي قرارات سريعة وخاطفة وصادمة للمجتمع.. فلم تعرض على الرأي العام، ولم يشارك المختصون والخبراء في الخطة، ولم يقرها مجلس النواب، ولم يأخذ الوزير الوقت الكافي لدراستها وفحصها ومقارنتها بالشهادات الدولية ومناهجها، ولم يستشر فيها وزير التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات ليعرف هل تلك التغيرات مؤهلة بدرجة كافية ومكافئة لخريجي الشهادات الدولية والعربية في الالتحاق بالجامعات والكليات المختلفة.
وخلصت إلى أن التطوير والتغير مطلوب وحتمي، وإضافة درجات لمادة اللغة العربية تغير محمود، ولكنه يبدأ من المراحل الأولى الابتدائية لتأسيس الطلاب وليس في آخر مرحلة.. وتقليص المواد يحتاج إلى إعادة نظر خاصة إلغاء مواد العلوم الإنسانية مثل الفلسفة والمنطق وعلم النفس، لأنها مواد تكوين الفكر والعقل البشري، وجميع النظريات الاقتصادية والعلمية تبدأ حيث تنتهي الفلسفة والمنطق وعلم النفس.
التماسك الاجتماعي

ليس هذا أبدا حنينا إلى الماضي، الذي عشناه في الخمسينيات من القرن الماضي، ويذكرنا به الدكتور صلاح الغزالي حرب في “المصري اليوم”، لكنه حقيقة ساطعة للأسف تعبر عن خلل خطير في التماسك الاجتماعي والشعور بالانتماء، والطبقية البغيضة، والجشع والطمع غير المحدود لجني الأموال بكل وسيلة ممكنة، وغيرها من الظواهر الخطيرة، التي يجب أن تلتفت الدولة لها باعتبارها أولوية. ودعا الغزالي حرب أساتذة الاجتماع لدراسة هذه الظواهر وكيفية التعامل معها من أجل كبح جماح هذا الوضع الخطير وما يحمله من تداعيات على مستقبل الوطن. وقال “سوف أبدأ أولا بنبذة سريعة عن الماضي الذي عاصرته في حي شبرا العريق حين كان الوالد العظيم يرحمه الله مدرسا للغة العربية، وكانت الوالدة العظيمة يرحمها الله متفرغة تماما لرعاية ثمانية أطفال في كل مراحل التعليم، وكان الوالد يقول لنا دائما إن الفلاح قبل النجاح ويردد على مسامعنا قوله تعالى (وأولئك هم المفلحون)، وهم الذين أدركوا ما طلبوا وفازوا بأجور أعمالهم وأعمال من تبعهم. وقد تعلمنا مجانا في الأشراف الابتدائية وشبرا الإعدادية والتوفيقية الثانوية وتفوقنا جميعا بفضل الله ورعاية الوالدين، وكنا جميعا في هذا الزمن لا نفكر إلا في التفوق مهما كانت الصعوبات الحياتية، كما إن أحدا منا لم يفكر يوما في السؤال عن ديانة الآخر، ولم نشعر يوما بأي تفرقة في مستوى المعيشة، إذ كان السلام الاجتماعي هو السائد.. ثم التحقت بطب قصر العيني مع مكافأة تفوق سنوية. وعندما أصبحت طبيب امتياز تسلمت أول أجر مقداره 15 جنيها، وسارعت إلى شراء فاكهة من مرتبي، سعد بها من قلبهم والدي وإخوتي!. ويضيف إذا انتقلنا إلى العصر الذي نعيشه الآن سوف نجد فروقا جوهرية تنذر بانقسام اجتماعي خطير.

التعليم يحتضر

لا يتصور فاروق جويدة مناهج التعليم في الثانوية العامة بدون الجغرافيا، والفلسفة، والاقتصاد، والجيولوجيا.. ويتساءل الكاتب في “الأهرام”: هل مازال التاريخ والدين من المناهج؟ وإذا أُلغيت هذه المناهج، فهل ستلغى الأقسام، التي تدرسها في الجامعات؟ هل يُلغى قسم الجغرافيا وهي مادة ضرورية في التكوين الثقافي والفكري للإنسان؟ وأضاف: كيف تلغي مصر، أم الدنيا وأهم دولة في خريطة العالم، مادة الجغرافيا؟! كيف نلغي الفلسفة وهي من أهم مصادر التكوين الثقافي؟! وكيف نمنع دراسة الاقتصاد وهو من أهم مكونات السياسة العالمية منذ سنوات؟!.. اقترح البعض إلغاء مادة التاريخ من مدارسنا، وثارت الدنيا كيف يُلغى تاريخ مصر، أم الحضارات؟! وأُلغى القرار..
وأوضح الكاتب أن هناك قرارا آخر يلغي مادة اللغة الفرنسية، وهو قرار يستحق إعادة النظر فيه، في ظل انتشار أقسام اللغة الفرنسية في جميع الجامعات.. وتساءل ما هو مصير المدرسين الذين لن يجدوا عملاً؟ وقال هناك حديث كثير يدور الآن حول إلغاء بعض المواد الأساسية. ومثل هذه القرارات يجب أن تخضع لدراسات دقيقة لتحديد آثارها على مستقبل التعليم في مصر، خاصة أن لدينا خبراء وأساتذة في هذه المواد يجب أن نستعين بأفكارهم حرصًا على أجيال من حقها أن تجد المناهج المناسبة التي تشكل وعيها وثقافتها وانتماءها. واعتبر أن القضية ليست إلغاء بعض المواد والإبقاء على البعض الآخر، ولكن يجب أن يكون ذلك في إطار أهداف واضحة تتعلق بمستقبل الإنسان المصري وتكوينه الفكري والثقافي.. مثل هذه القرارات يجب أن تعرض على مجلس النواب لمزيد من الحوار والمناقشة.

نحتاج لهؤلاء

ما أحوجنا لمفكرين يضعون خارطة طريق لزماننا، بما يملكون من رؤية ثاقبة تبصر الحقائق الكلية للأشياء والحياة والكون، فبقدر ما نحتاج للصناع وأرباب العلوم الطبيعية، الذين يواكبون العصر بمخترعاتهم ومنجزاتهم، فنحن أيضا، كما يؤكد علي هاشم في “فيتو”، في حاجة لمن يضعون خارطة طريق لصيانة النفس البشرية وحمايتها من أمراض العصر المادي، الذي تتآكل فيه القيم الروحية، وتنسحب من الحياة لصالح قيم الاستهلاك النهم والإشباع المادي للغرائز والشهوات. إننا نقول الآن كما قال مفكرنا الكبير الراحل الدكتور مصطفى محمود إن الحرب انتهت وأنا أعتقد أنها بدأت.. وستكون الحرب القادمة حربا اقتصادية وفسادًا إعلاميًا وانحلالا شبابيا وتدهورًا معنويًا في كل شيء. إن الحرب العصرية هي أن تجعل خصمك يقتل نفسه بنفسه بدلًا من أن تكلف نفسك مشقة قتله! هذه هي رؤية المفكر الدكتور مصطفى محمود، التي أودعها كتــابه “الغد المشتعل”، الصادر عام 1992. وعجبًا لما يحدث في زماننا وكأن الرجل يحيى بيننا يقرأ في كتاب المستقبل ويرصد ويحلل برؤية الناقد البصير والمفكر القدير ما يجري للشعوب والأمم في زماننا.. ألا ترون أن قوة أمريكا في اقتصادها.. وهي تدير العالم انطلاقًا من هذه القاعدة.. صحيح أن قوتها تتراجع لصالح قوى أخرى بازغة لكنها لا تزال الأقوى؛ فاقتصادها هو الأكبر عالميا من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي والأكثر تقدما تكنولوجيا؛ إذ يمثل 17% من إجمالي حجم الاقتصاد العالمي، ويهيمن الدولار على سوق المعاملات الدولية، ويشكل الجزء الأكبر من الاحتياطيات النقدية لدول العالم، كما إن بعض الدول تتخذ من الدولار عملة لها، وهو اقتصاد متنوع، وهذا سر قوته وهيمنته.
وأضاف الكاتب: ألا ترون أن ما قاله الدكتور مصطفى محمود قبل أكثر من عقدين من الزمان يتحقق بحذافيره.. ألا ترونها حربا إعلامية تحاك بخبث ودهاء لصالح القوى الكبرى.. إلا ترون ما يجري تصديره للشباب والناشئة من نماذج مشوهة تحتفي بالشذوذ والانحلال والمثلية وتنتهك حرمة الأديان والمقدسات.. كما حدث في حفل افتتاح أولمبياد باريس من مشاهد مسيئة للسيد المسيح! هذه هي حضارة الغرب، حضارة المادة التي تصارع للبقاء ليس بغرس القيم والأخلاق الحميدة ولا القيم الإنسانية النبيلة، وإنما تتغذى على قيم الاستعمار والاستغلال والقتل والدمار وانتهاك حرمة الأديان وسحق إنسانية الإنسان..

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية