إلغاء مادة من «مدونة سلوك الموظفين العموميين الفلسطينيين» يعمق المخاوف على حرية الرأي والتعبير

سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

يزرع الرعب في قلوب الموظفين

رام الله ـ «القدس العربي»: أظهر تقرير رصدي صادر عن المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية «مدى» انخفاضا نسبيا في عدد الانتهاكات ضد الحريات الإعلامية في فلسطين في شهر تموز/يوليو 2021 مقارنة بما كانت عليه في شهري أيار/مايو وحزيران/يونيو، حيث سجلت الانتهاكات فيهما ارتفاعا شديدا، حيث بلغ عدد الانتهاكات ما مجموعه 167 و123 اعتداء على التوالي.
وجاء في رصد مركز «مدى» خلال شهر تموز/يوليو الماضي ما مجموعه 43 انتهاكا ضد الحريات الإعلامية في الضفة الغربية وقطاع غزة، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي 16 منها بينما ارتكبت جهات فلسطينية مختلفة 23 انتهاكا، في حين ارتكبت شركة فيسبوك 3 انتهاكات، هذا إلى جانب انتهاك واحد ارتكبته ادارة هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

ليس مؤشرا إيجابيا

ولا يبدو هذا الانخفاض الجزئي مؤشرا مبشرا، فبحسب مركز «مدى» فإن سبب التراجع النسبي في مجمل الانتهاكات خلال تموز/يوليو يعود إلى تراجع نطاق الفعاليات والأحداث الميدانية التي شهدتها الضفة الغربية وقطاع غزة خلال هذا الشهر مقارنة بسابقيه، حيث تخلل الأحداث الميدانية عملية قمع استهدفت الاحتجاجات على قتل المعارض السياسي نزار بنات بهدف التعتيم على ما يجري عبر استهداف وسائل الإعلام والصحافيين.
معظم الانتهاكات جاءت ضمن الاعتداءات الخطيرة على الصحافيين والعمل الإعلامي وكان أبرزها الاعتقالات وما تخللها وسبقها من اعتداءات جسدية عنيفة طالت عددا من الصحافيين خلال تغطيتهم اعتصاما أمام مقر الشرطة الفلسطينية في مدينة البيرة مساء الخامس من تموز/يوليو، الأمر الذي طال الصحافيين: عميد شحادة، ومحمد حمايل، وعقيل عواودة ومعمر عرابي، وهند شريدة، وميس ابو غوش، هذا فضلا عن ومنع الشرطة الفلسطينية مجموعة من الصحافيين من تغطية عملية توقيف ناشطين سياسيين في رام الله.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل وثق مركز «مدى» عمليات تحريض استهدفت بعض وسائل الإعلام والصحافيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى إغلاق وزارة الإعلام الفلسطينية مكتب وكالة J-Media بدعوى وجود خلل في الترخيص، وإصابة خمسة صحافيين بحجارة المتظاهرين أثناء تغطيتهم مواجهات في بلدة بيت أمر، إضافة إلى اعتداء عناصر أمن في غزة على مراسل راديو الشباب محمد بكر اللوح أثناء اجرائه مقابلات حول امتحان الثانوية العامة في دير البلح.

إلغاء المادة 22

وفي رأي مركز «مدى» فإن ما يثير القلق هو استمرار تدهور حرية الإعلام والتعبير قولا وفعلا، فإلى جانب الانتهاكات الفلسطينية الخطيرة أصدر مجلس الوزراء الفلسطيني قرارا بإلغاء المادة (22) من مدونة السلوك وأخلاقيات الوظيفة العامة، وهي المادة التي تؤكد على حق الموظف/ة العام في التعبير عن رأيه في 5/7/2021 في مخالفة صريحة وواضحة للمادة 19 في القانون الفلسطيني الأساس.
الخبير الحقوقي الدكتور عصام عابدين، يرى أن أداء الحكومة الفلسطينية مُشين في فضاء الكلمة، وعلى الحكومة قبل أن تتحدث عن الحريات تذكّر عشرات المواطنين الذين جرى زجّهم في السجون والتنكيل بهم، واستشهاد نزار بنات، دفاعاً عن حرية الكلمة، وبقاء عشرات المواقع الإلكترونية التي جرى حجبها في العام 2017 وفي العام 2019 محجوبة في عهد هذه الحكومة خلافاً لقرار بقانون الجرائم الإلكترونية ذاته رغم شدة خطورة هذا التشريع.
وأكد عابدين أن مدونة السلوك وأخلاقيات الوظيفة العامة 2020 التي جرى إقرارها بسرية تنطوي على انتهاكات واسعة لحرية التعبير والحقوق الرقمية على الإنترنت في مجالات عديدة من قبيل المادة (20) «التزامات الموظف عند استخدام الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي» والمادة (21) «العلاقة مع وسائل الإعلام والصحافة» وغيرها، وأن هذه المدونة تشكل تراجعاً خطيراً عن المدونة السابقة وهي الأسوأ بين جميع المدونات، وأنها تقف موقفاً عدائياً من حرية التعبير بمفهومها الواسع.
ووصف الحقوقي عابدين مدونة 2020 بالبضاعة الفاسدة التي لا علاقة لها بمدونة السلوك كأداة معيارية في أخلاقيات الوظيفة العامة قبل الحديث عن حرية التعبير والحريات العامة، واعتبر صياغة المادة (22) وبيان الهدف من إلغائها ينطويان على مستويات من الجهل قل نظيرها.

الحكومة: إزالة التعارض

واقتصر رد الحكومة الفلسطينية على الجدل وحالة الانتقاد الواسعة التي ترتبت على إلغاء المادة 22 على تصريح قصير جاء فيه أن «رئاسة الوزراء تؤكد على أن كل ما يشاع حول تقييد حرية التعبير هو مجاف للحقيقة» وشددت على «التزام الحكومة بضمان حرية الرأي والتعبير المكفولة بموجب القانون الأساسي والمواثيق والمعاهدات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين والقوانين والتشريعات الوطنية السارية».
ثم أضاف تعقيب الحكومة: «الهدف من إلغاء المادة (22) من مدونة السلوك هو إزالة أي تعارض أو تقييد للحريات العامة».
وما يؤكده حقوقيون ومحامون إنه بسبب الآراء الغاضبة والناقدة على مقتل المعارض نزار بنات، تم تهديد موظفين بإنهاء عملهم إذا لم يحذفوا منشوراتهم عن القضية، حيث عد البند رقم 22 من مدونة سلوك الموظفين العموميين بمثابة مساحة يمكن أن تجعلهم يحتمون به في دفاعهم عن التعبير عن وجهات نظرهم.
والمادة 22 تحمل اسم التعبير عن الرأي وفيها بندها الأول «للموظف الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام التشريعات النافذة». أما المادة الثانية فتقول إنه «يجب على الموظف عند إبداء رأي أو تعليق أو مشاركة في مواقع التواصل الاجتماعي أن يوضح أنه يمثل رأيه الشخصي فقط، ولا تعكس رأي الجهة الحكومية التي يعمل بها».
أما قرار مجلس الوزراء رقم 3 لسنة 2021 فيلغي هذه المادة من مدونة السلوك وأخلاقيات الوظيفة العامة.

توجهات مقيدة للحريات

بدورها الهيئة المستقلة لحقوق الإنساني (رسمية مستقلة) أصدرت بيانا قالت فيه «أن هذا القرار يتعارض مع القانون الأساسي الفلسطيني الذي كفل حرية التعبير في المادة (19) منه، وهو الدستور الذي يسمو على جميع التشريعات والقرارات الأخرى بما فيها مدونات السلوك، حيث إن التأكيد على حرية التعبير بموجب نص في مدونة السلوك وأخلاقيات الوظيفة العامة لسنة 2020 وهي وثيقة ملزمة للموظفين العمومين ويتعرض من يخالفها للمساءلة التأديبية، ثم إلغاء هذا النص بموجب قرار لاحق؛ يشير إلى توجهات الحكومة لتقييد حرية التعبير للموظفين العمومين، وتعريضهم للمساءلة التأديبية بناءً على ذلك، لا سيما في ظل وجود نصوص أخرى في المدونة سارية المفعول، تفرض قيوداً أخرى على حرية الموظفين في التعبير عن آرائهم بحرية.
وجاءت مصادقة مجلس الوزراء على مدونة السلوك في العام 2020 وإلزام المجلس للموظفين العمومين بتوقيع تعهد بالالتزام بالمدونة على الرغم من مرور ما يزيد عن السنة على إصدارها، مع استمرار تعطيل نقابة العاملين في الوظيفة العمومية والتي تم حلها بتاريخ 11/11/2014 ومن دون مشاورة المؤسسات الحقوقية ذات العلاقة.

إقالة بسيسو

ومن أبرز مظاهر تراجع احترام وحماية حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى مستويات غير مسبوقة إقالة د. إيهاب بسيسو (وزير الثقافة السابق) من رئاسة المكتبة الوطنية ومن عضوية مجلس إدارتها لأسباب تتعلق بالتعبير عن رأيه في مقتل الناشط والمعارض السياسي نزار بنات على صفحته الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».
وما يعزز مخاوف النشطاء والموظفين العموميين أن القرار المذكور يترافق مع سياق ورود معلومات للهيئة ولمؤسسات حقوقية فلسطينية عاملة تثبت تعرض بعض الموظفين العمومين لمضايقات وضغوط بسبب تعبيرهم عن آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي.
بيان الهيئة المستقلة يشير إلى أن القرار الجديد ليس الوحيد الذي يمنع أو يفرض قيوداً غير مبررة على حق الموظفين العمومين في التعبير عن آرائهم بحرية، فهناك قيود أخرى على حرية الموظفين في التعبير وعلى حريتهم الشخصية، مثل المادة (20) من المدونة، والتي تمنع الموظف عند استخدام الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي ومشاهدة صور أو تحميل نصوص تؤدي إلى المساس بهيبة دولة فلسطين ومؤسساتها أو أي من الشخصيات الاعتبارية، هذا بالإضافة إلى منع الموظف بموجب مصطلحات غير واضحة أيضاً من إعادة إرسال ما من شأنه أن يمس القيم والآداب العامة أو المعتقدات الدينية أو الرموز الوطنية. وما حدث ببساطة بحسب الهيئة أن «مجلس الوزراء ألغى النص الذي يكفل للموظفين حقهم في التعبير».
وبحسب خبراء قانون فإن مدونة السلوك في العام 2020 بما تضمنه من نصوص مقيدة لحرية التعبير والحريات الشخصية للموظفين العمومين، انتهاك لحرية التعبير التي يكفلها القانون الأساسي الفلسطيني، وهي مخالفة للاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين في العام 2014.
وطالبت الهيئة المستقلة بضرورة مراجعة جميع أحكام مدونة السلوك وأخلاقيات الوظيفة العامة بالشراكة بالدرجة الأولى مع المخاطبين بأحكامها «الموظفين العموميين» ومؤسسات المجتمع المدني ذات العلاقة، وإلغاء القرار رقم (03) لسنة 2021 بشأن إلغاء المادة (22) من قرار مجلس الوزراء رقم (04) لسنة 2020 بالمصادقة على مدونة السلوك وأخلاقيات الوظيفة العامة.

تضليل الرأي العام

مجموعة «محامون من أجل العدالة» أعربت عن استنكارها لصدور القرار المذكور، واستغرابها من جدوى صدوره في هذا التوقيت، سيما وأنه يتناقض بشكل مطلق مع مقتضيات نص المادة 19 من القانون الاساسي الفلسطيني التي تؤكد على احترام حرية الرأي والتعبير، حيث تنص المادة المذكورة «لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون».
وأكدت المجموعة أن قرار مجلس الوزراء المذكور «يمثل انقلاباً على باب الحريات المنصوص عليه في القانون الأساسي الفلسطيني، ويأتي في سياق استمرار حالة القمع والتضييق التي تمارسها أجهزة السلطة التنفيذية بحق المواطنين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان؛ تهدف بالنتيجة لتقنين وشرعنة القمع والانتهاكات والتغول على حقوق الإنسان وحرياته الأساسية».
وأشارت المجموعة أن القرار المذكور الذي ألغى المادة 22 بعد خمسة شهور من نشره في الجريدة الرسمية يهدف لتضليل الرأي العام والفئة المستهدفة من هذا القرار وهم الموظفون العموميون بهدف منعهم من المشاركة والتعبير عن آرائهم بحرية في القضايا التي تتصل بالشأن العام تحت طائلة الملاحقة الوظيفية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية