نيويورك (الأمم المتحدة) ـ «القدس العربي»: أوكرانيا هي الشغل الشاغل للأمم المتحدة منذ بدء الهجوم الروسي في الرابع والعشرين من شباط/فبراير 2022. جميع جوانب النزاع موضع تمحيص وتقارير واجتماعات وقرارات. فلا يكاد يمر أسبوع دون اجتماع أو اثنين في مجلس الأمن الدولي. وبسبب الفيتو الروسي يعجز المجلس عن اتخاذ أي قرار فتنتقل المسألة إلى الجمعية العامة التي تعتمد قراراتها بأغلبية عالية. مجلس حقوق الإنسان أيضا يدلي بدلوه ويعد التقارير المفصلة، والمحكمة الجنائية الدولية تقفز إلى الواجهة بمباشرة التحقيق في الجرائم المشمولة في ولايتها فورا وتعيين العديد من المحققين لجمع المعلومات والوثائق. كل المنظمات الدولية تقدم تقارير دورية عن تأثرها بالحرب وما هي فاعلة إزاءها مثل منظمة الأغذية والزراعة «فاو» والمفوضية العليا للاجئين، وبرنامج الأغذية العالمي، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد» واليونسيف فيما يتعلق بالأطفال واليونسكو تعد تقاريرها حول المواقع التراثية التي دمرت. ودخلت على الخط سيما بحوث، رئيسة هيئة الأمم المتحدة للمرأة حاليا وسفيرة الأردن لدى الأمم المتحدة سابقا، والتي أيضا قامت بزيارة لأوكرانيا وعادت بتقرير يثير الغثاء على وضع المرأة الأوكرانية. وفي لقاءات بعض هؤلاء المسؤولين مع الصحافة المعتمدة لدى الأمم المتحدة يبدعون في وصف ما آلت إليه الأوضاع بعد غزو أوكرانيا. لكنهم يترددون ويتلعثمون ويخرجون عن أطوارهم إذا أثرت مع أي منهم الممارسات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة ونظام وجرائم الحرب التي ترتكبها ضد المدنيين والأطفال وسكان البوادي وتهويد القدس وبناء الجدار العازل الذي صدر فيه رأي قانوني من محكمة العدل الدولية، وعمليات التطهير العرقي واستخدام الأسلحة الفتاكة في المناطق المكتظة بالسكان وحجز الجثامين وغير ذلك من قائمة الجرائم التي تملأ آلاف الصفحات. عندها تتغير اللهجة ولغة الجسد وانسياب المعلومات ويكررون جملا أكل عليها الدهر مثل تأييد «حل الدولتين» وكأن هناك أرضا ما زال فيها متسع لدولة فلسطينية مستقلة مترابطة ذات سيادة وقابلة للحياة.
نترك ذلك جانبا ونركز اليوم على موضوع مبادرة حبوب البحر الأسود والتي عندما وقعت في شهر تموز/يوليو 2022 بين أطرافها الأربعة: روسيا وأوكرانيا وتركيا والأمم المتحدة، اعتبرت انتصارا عظيما لتركيا والأمم المتحدة وراح الأمين العام، أنطونيو غوتيريش، يكيل المديح للمبادرة وفاعليتها وكيف استطاعت إعادة الاستقرار لأسعار الحبوب والأسمدة على مستوى العالم. فهل هذه الضجة التي أطلقتها الدول الغربية حول دور المبادرة العظيم عند إطلاقها وحول كارثيتها عند إلغائها صحيحة أم مبالغ فيها؟
إيضاحات حول المبادرة
تم توقيع اتفاقية تصدير الحبوب في تركيا في 22 تموز/يوليو 2022 والتي تسمح بتصدير الحبوب والأسمدة عبر موانئ البحر الأسود لمدة ثلاثة أشهر تجدد بتوافق الأطراف. وقد شكلت لجنة لإدارتها من مركز تنسيق مشترك مقره في مدينة اسطنبول، ويعمل به موظفون من روسيا وتركيا وأوكرانيا والأمم المتحدة. وتقول تقارير الأمم المتحدة إن المبادرة نجحت في تصدير أكثر من 32 مليون طن من السلع الغذائية من ثلاثة موانئ أوكرانية على البحر الأسود إلى 45 دولة عبر ثلاث قارات. وساعدت المبادرة على عكس الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية العالمية، التي وصلت إلى مستويات قياسية قبل وقت قصير من توقيع الاتفاقية.
فقد سجل مؤشر أسعار الغذاء لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو» انخفاضا شهريا ثابتا خلال العام الماضي، حيث انخفض بأكثر من 23 في المئة من ذروته في آذار/مارس 2022 ومكّنت المبادرة برنامج الأغذية العالمي من نقل أكثر من 725 ألف طن من القمح لمساعدة المحتاجين في أفغانستان وإثيوبيا وكينيا والصومال والسودان واليمن. كما تمكنت أوكرانيا من تقديم أكثر من نصف حبوب القمح لبرنامج الأغذية العالمي كالمعتاد في كل سنة.
تم تجديد الاتفاقية من جميع الأطراف في 18 تشرين الثاني/نوفمبر لمدة 120 يوما أخرى وفي 17 آذار/مارس، وافقت جميع الأطراف على تجديد المبادرة، لكن روسيا وافقت على التمديد لمدة 60 يوما فقط في انتظار المراجعة، وفي 18 أيار/مايو، أكدت روسيا مشاركتها في الصفقة لمدة 60 يوما إضافيا.
وفي 17 تموز/يوليو 2023 قررت الانسحاب من المبادرة تماما متهمة الغرب باستغلال المبادرة لأسباب تتعلق بشيطنة روسيا وتحويل المبادرة الإنسانية إلى عملية تجارية تدر الأرباح على الدول الغربية.
وقد أعلن المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بسكوف، أن روسيا على استعداد أن تعود للاتفاقية إذا ما تم تنفيذ الجزء الروسي منها. وتؤكد روسيا أن الجزء المتعلق بوصول الحبوب والأسمدة الروسية إلى الأسواق العالمية لم ينفذ بسبب العقوبات الغربية على روسيا التي شكلت حجر عثرة أمام التصدير الروسي، حيث تعاقب السفن وشركات التأمين والموانئ التي تتعامل مع روسيا. كما ترفض أوكرانيا إطلاق خط أنابيب الأمونيا الذي يصدر هذه المادة إلى أوروبا.
وقد عقد مجلس الأمن الدولي جلسة مفتوحة مطولة يوم 3 آب/أغسطس ترأسها وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكين، حول آثار هذه الخطوة وتحت عنوان «الجوع والأمن الغذائي وعلاقة ذلك بالصراعات المسلحة». وتكلم في الجلسة رفيعة المستوى 81 مندوبا ومدعوا وجهوا في غالبيتهم اللوم على روسيا لوقف برنامج تصدير الحبوب للدول الفقيرة.
وهاجم بلينكين الغزو الروسي لأوكرانيا وأثر ذلك على الأمن الغذائي العالمي وخاصة بعد انسحاب روسيا من مبادرة حبوب البحر الأسود قائلا إن أسعار الحبوب ارتفعت في العالم بأكثر من 8 في المئة بعد تعطيل المبادرة من قبل روسيا. وقال إنه يتعين على جميع أعضاء المجلس وأعضاء الأمم المتحدة مطالبة روسيا بعدم استغلال واستخدام المستضعفين في العالم كوسيلة ضغط. ودعا إلى إنهاء ما وصفه بالحرب غير المبررة وغير المعقولة.
المندوب الروسي، السفير فلاديمير سافرونكوف، وضع اللوم على الدول الغربية فيما يتعلق بأزمة الأمن الغذائي، قائلا إنهم يحاولون استغلال هذا الموضوع من أجل شيطنة روسيا. وقال إن العديد من أزمات الغذاء الأكثر حدة ناتجة بشكل مباشر أو غير مباشر عن تصرفات الولايات المتحدة وحلفائها أو نتيجة سياساتهم طويلة المدى. وقال إن الأزمة الغذائية يجب أن تؤخذ في إطارها الصحيح وخلفياتها التي تعود إلى أيام الاستعمار واستغلال ونهب وسرقة الموارد الطبيعية لتلك البلاد والآن يتبححون بأنهم يقدمون مساعدات غذائية لتلك الدول. وأكد سافرونكوف أن الدول الغربية حولت أحد شقي اتفاقية الحبوب من شق إنساني إلى شق تجاري، مضيفا أنه لم يصل إلا 3 في المئة فقط من صادرات الحبوب إلى الدول المحتاجة، بينما حصلت الدول الغربية على حصة الأسد.
تفاقمت الأزمة بعد استهداف الموانئ ومخازن الحبوب حيث شنت روسيا عددا من الغارات الجوية بعد إلغاء الاتفاقية على موانئ أوديسا وتشورنومورسك وميكولايف على البحر الأسود بالصواريخ والطائرات بدون طيار، ما أدى إلى تدمير البنية التحتية الحيوية للموانئ والمرافق وإمدادات الحبوب. الأمم المتحدة طالبت بوقف استهداف الموانئ ومخازن الحبوب التي قد تشكل انتهاكا للقانون الدولي الإنساني وتترك آثارا بعيدة المدى على الأمن الغذائي العالمي، ولا سيما في البلدان النامية.
وحسب تقارير الفاو، فقد زاد مؤشر أسعار الأغذية في آب/أغسطس بنسبة 1.3 في المئة عن الشهر السابق بينما ظل منخفضا بنسبة 11.8 في المئة عن مستواه المسجل في تموز/يوليو 2022 وتأتي هذه الزيادة نتيجة للارتفاع الحاد في مؤشر أسعار الزيوت النباتية الذي ارتفع بنسبة 12.1 في المئة بعد سبعة أشهر من الانخفاض. من جهة أخرى تدنت أسعار الحبوب الخشنة بنسبة 4.8 في المئة مدفوعة بزيادة الإمدادات الموسمية في الأرجنتين والبرازيل، واحتمال أن يكون الإنتاج أكبر ممّا كان مرتقباً في الولايات المتحدة الأمريكية، حسب تقرير الفاو. ويشير تقرير الفاو أن أسعار السكر تراجعت بنسبة 3.9 في المئة في ضوء تأثّر الأسعار العالمية بالتقدم المحرز في حصاد قصب السكر في البرازيل وتحسّن تساقط الأمطار في معظم المناطق المزروعة في الهند، وبالطلب المحدود من إندونيسيا والصين، وهما أكبر بلدين مستوردين للسكّر.
ليس هناك ما يؤكد أن هناك أزمة غذاء عالمية بسبب إلغاء مبادرة الحبوب. لكن الأطراف المتصارعة تفسر آثار وقف مبيعات الحبوب من الموانئ الأوكرانية على هواها. فالأصل في النزاع الحالي هو الهيمنة. ففي حين تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون أن يكسروا ظهر القوة الروسية بجرها إلى حرب طويلة خاسرة في أوكرانيا، تحاول روسيا أن تستخدم كل ما لديها من وسائل لتغيير معادلة الهيمنة الغربية مرة وإلى الأبد. مبادرة بيع الحبوب من مؤانئ البحر الأسود تظل ورقة في يد روسيا تحاول استغلالها في حربها ضد حلف الناتو ودول الحلف تعمل على كسب التعاطف لصالح موقفها بالإدعاء أنها تسعى لتأمين الغذاء الأساسي للدول الفقيرة وأنها تضع احتياجات هذه الدول الإنسانية فوق كل اعتبار سياسي، وهو خطاب لم يعد يقنع الكثيرين وخاصة في القارة الأفريقية، وآخر هذه التعبيرات المناهضة للهيمنة الغربية ما حدث في النيجر وقد لا يكون الانقلاب الأخير.