إلكسندر دوغين وحرب الفلسفات

الثقة بالفلسفة الأخلاقية لا تكفي وحدها صناعة عالمٍ يقبل بالتطهير، بمعناه المعرفي والوجودي، حتى بات البعض أمام خيار الذهاب إلى فلسفة «إرادة القوة» بوصفها وعيا بمفهوم تلك القوة، وبمدى قابليتها على خلق توازنات يمكنها أن تحكم العالم، وأن تؤطر فاعلياتها، على مستوى ضبط إيقاع السيطرة والرقابة في الاقتصاد والجغرافيا والعسكرة، وعلى مستوى التماهي مع التعالي النرجسي في تسويغ فرضية الذات المتعالية، إذ يتحوّل هذا التعالي إلى مجال تمثيلي وإشباعي وتعويضي، وربما يتمثّل عبر استعادة غير واعية للأطروحة «النيتشوية» حول علاقة إرادة القوة بسيطرة الكائن «السوبرمان» وفي جعلهما المحركين الأساسيين في تغذية تشييد شبكات الهيمنة، ودفعها إلى إنتاج «الحقائق» بوصفها تمثلات السلطة وقوتها، وأطروحاتها في صناعة الخطابات والآليات التي من شأنها مركزة العالم، عبر مركزة أسواقه وشركاتها وأجهزته الامنية وأدلجاته، وإخضاع السلطة إلى نمط مؤسسي/ قطبي تحكمه تلك الإرادة، وهذا ما يجعل رهانات الحروب والتنافسات محكومة بعوامل وفرضيات إنتاج تلك القوة وإمكاناتها، فالولايات المتحدة والغرب لا يتحمّلان بعد انتهاء الحرب الباردة والانتصار على «الشيوعية» العودة إلى «الثنائية القطبية» وإلى تقويض مركزة السيطرة على الأسواق والممرات المائية والقواعد العسكرية والثروات، لذا تُستعاد الآن سرديات الحديث عن «شخصيات نيتشه» المتعالية وكأنها تذكير للغرب « الاستعماري» بضرورة صناعة المزيد من الحروب والهيمنات، وتحويل «النيوليبرالية» إلى مجال استحواذي يقوم على أدلجة القوة والحريات والحقوق، وعلى نحوٍ يُكرّس مفهوم القوة الواحدة، عبر صياغتها «النيوامبريالية» أو عبر صيانتها العسكرية المؤسسية كما يحدث في «حلف الناتو» الذي بات يتمددُ، ويسعى ليقضم كلّ أوروبا، بما فيها الجغرافيات الساخنة كما في أوكرانيا.

اللجوء الثقافي إلى السلطة أو المركزة له ما يبرره كما يقول»علماء النيوليبرالية» لأنه الوسيلة الناجعة لتحويل القوة إلى مصدر حمائي، وإلى تغذية المؤسسات والمختبرات الأكاديمية بترياق «الفرد السوبرمان الحر» وبالأفكار والمعلومات والخطط التي تُشبِع غروره وتعاليه، وربما ذهب البعض منهم إلى ما هو أعمق، حيث تطوير تقانات العمل في الأجهزة السرية، وفي مؤسسات التحليل الأيديولوجي والعقائدي والنفسي، وصولا إلى تنشيط عمل «مراكز بحوث الذكاء الاصطناعي» ولعل ما كان يشاع عن هربرت ماركوز وعمله في مؤسسة تابعة للمخابرات الأمريكية، دليل على ذلك، رغم أنه كان واحدا من أعمدة جماعة فرانكفورت النقدية، وأحد مؤسسي الاتجاه الفرويدي الماركسي.

الذهاب إلى السلطة يعني ـ من جانب آخر- الذهاب إلى الثروة وإلى القوة بوصفها إرادة حمائية، وإلى نفضّ اليد عن ربط الأيديولوجيا بالثورة والعاطفة، وربما إلى الذهاب صلاحيات تصنعها «الذات المُفكّرة» التي تُتيح تحويل القوة إلى مجال للشُهرة ولتطوير أشكالها القومية، فضلا عن تحويل الفكرة الفلسفية من عنصر معرفي مجرد إلى خطاب يصلح لمقاربة فكرة الحرب، وإلى تسويغ إدارة الصراع الأيديولوجي بوصفه أنموذجا متقدما لصراعٍ جيوبوليتيكي، له أدواته وأجهزته في توجيه مسار السلطة، وحتى في صنعها، وفي تغذية أجهزتها الثقافية والأمنية بفواعل لها القدرة على تغيير اتجاهاتها، وعلى تعزيز فاعلية خطابها وأهليته للمواجهة.
الحديث عن شخصية مثيرة للجدل مثل إلكسندر دوغين، يثير شهية الباحثين عن علاقة رجل الفلسفة برجل السلطة، وعن مدى القدرة على تحويل الفكرة الفلسفية إلى طاقة تُسهم في تأهيل الخطاب السياسي الاستراتيجي، وفي تطوير مسار الخطط والبرامج التي تدخل في تحسين مستوى المعارك الأيديولوجية الجديدة، التي بات يعتمدها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في صراعه الجيوبوليتكي مع الغرب، وبقدر ما يوصف دوغين بأنه «عقل بوتين» فإنه يملك موقفا قوميا داعما لسلطة بلاده، فيجد في الحرب الأوكرانية، وفي العقوبات الغرب – أمريكية على روسيا بأنها جزء من تلك الحرب، وأنها تدخل في تأطير الصراع القومي، وهذا ما يجعل من راديكاليته في الموقف نظيرا لراديكاليته في المنظور الفلسفي، وفي أدلجة تلك الفلسفة لتبدو أداة فاعلة في دعم الجهد اللوجستي الروسي في حربها المفتوحة، وفي اجتراح مفاهيم تخص المعركة الجيوبوليتكية مع الغرب، وفي السيطرة على الجغرافيا كمعادل للسيطرة على السياسة والاقتصاد والثقافة.

ربط الفلسفة بالقوة يعني العمل على صياغة مقولات ومفاهيم تتسق والحاجة إليها، وبقدر ما أن عمل دوغين الاستراتيجي صار مرهونا باصطناع سياق يقوم على تغذية السلطة بالأفكار، وتقويتها بما يجعها أكثر تمثيلا لقوة أدلجة الضد، ولمواجهة غواية «النرجسية الغرب أمريكية» التي توهمت مع فوكوياما بتصديق النهاية الأيديولوجية للتاريخ.

دوغين والأيديولوجيا الضد

ربط الفلسفة بالقوة يعني العمل على صياغة مقولات ومفاهيم تتسق والحاجة إليها، وبقدر ما أن عمل دوغين الاستراتيجي صار مرهونا باصطناع سياق يقوم على تغذية السلطة بالأفكار، وتقويتها بما يجعها أكثر تمثيلا لقوة أدلجة الضد، ولمواجهة غواية «النرجسية الغرب أمريكية» التي توهمت مع فوكوياما بتصديق النهاية الأيديولوجية للتاريخ، رغم معرفة الكثيرين أن الأيديولوجيا ليست بعيدة عن الميتافيزيقيا، وعن الموت الذي يمكن أن يهددها، وهو ما بدا واضحا الآن، إذ تتعرض مركزة العقل الغربي إلى الأمراض ذاتها التي تحدث عنها ماركس في القرن الثامن عشر، عبر مظاهر الضعف الذي أضحت تعاني منه كثير من المؤسسات الكبرى، بما فيها مؤسسة السوق التي تواجه تداعيات أزمات التضخم والعجز، وربما الركود، فما زال العالم الغربي يعيش التصدّع الذي تعرّض له مع أزمات 2008- 2009 الاقتصادية.. أطروحة دوغين عن «استرجاع الأمة الروسية الكبرى قوتها، والعودة إلى قيمها المحافظة» يعني الدفع باتجاه البحث عن القوة، وعن آليات المواجهة، ليس في حربٍ أيديولوجية افتراضية، بل في حربٍ جيوبوليتكية محتملة، لا تقل شأنا في مخيالها عن صياغة مُهددات مضادة للنرجسية الغربية، التي تحولت في سياق علاقتها الوظيفية والأيديولوجية مع السلطة إلى قوة لنوع من العسكرة القومية أو «الوراسية» كما يسميها دوغين، وحتى الدعوة للاستيلاء على الأرض بدافع السيطرة على الجغرافيا، إذ تحولت دعوته للسيطرة على الممرات المائية كصيانة إجرائية للأمن القومي، عبر القيام بفعل عسكري تمثّل بقيام روسيا بضم شبه جزيرة القرم عام 2014، والبدء بعمليات عسكرية خاصة في أوكرانيا، وصولا إلى توظيف الروح القومية في هذا الصراع، من خلال دعم استقلال عدد من الأقاليم الأوكرانية، التي يتحدث سُكانها باللغة الروسية، وهذه الإجراءات تكشف عن طبيعة ما هو مخفٍ في الصراع، وعن رفض روسيا لعولمة الغرب، ولإجراءات التمدد الغرب – أمريكي، ولمنع وجودها العسكري والاقتصادي في الجغرافيا التي يمكن أن تتحول إلى منصات لحروب ضدها. أطروحات دوغين «الجيوبوليتيكية» انطلقت من مقاربته لأسباب فشل إدارة السياسة والاقتصاد في الاتحاد السوفييتي السابق، الذي تحوّل إلى جغرافيا مترهلة، وإلى معسكر ضخم انهارت بسببه الروح القومية، وهو ما دفعه إلى التصريح بضرورة ربط روح الأمة الروسية بإرادة القوة التي يمثلها الأنموذج «البوتيني» وتوظيف الفلسفة بمعناها النقدي في هذا السياق، فكانت دعوته إلى التخلّص من الشعبوية الأيديولوجية، وبالعودة إلى «حضارة المياه» كبديل امبراطوري عن «حضارة اليابسة» الأيديولوجية، بوصفه خيارا استراتيجيا لمواجهة الأعداء، الذين كانوا يراهنون على مأزق الروح القومية، وعلى هشاشة الأسواق الروسية، وعلى حصارها عبر البحار- بحر آزوف، البحر الأسود – ومن خلال نشر القواعد العسكرية في المحيطات – الهادي والأطلسي، وهو ما حدث بالفعل، إذ قامت روسيا بالسيطرة على بحر آزوف، وعلى الممرات المؤدية إلى البحر الأسود، وإلى صياغة عقد عسكري جديد تنتشر على وفقه الأساطيل الروسية في المحيطات.. التحوّل في النظر إلى وظائف الفلسفة، دفع الولايات المتحدة وجهات متعددة إلى «تقويض» شخصية الكسندر دوغين، بدءا من اغتيال ابنته، وصولا إلى إخضاعه إلى عقوبات أمريكية، التي تمّ فرضها ليس بتوصيفه كخبير جيوسياسي، بل لأنّ أفكاره وأطروحاته الفلسفية جعلت الرئيس الروسي بوتين يقدم على خطوة عدّها البعض خارقة للمألوف العسكري، وربما التصديق الفلسفي بفرضياتٍ أعطت حضورا لدوغين لأن يكون أكثر تمثيلا للمفهوم النيتشوي حول صناعة إرادة القوة، وحول تقويض المفهوم الكرنولوجي للتاريخ، ومن منطلق أن «الحقيقة تصنعها شبكات القوة والهيمنة» كما يقول نيتشه..

دوغين والنظرية الرابعة..

اتهام دوغين لليبرالية الغربية بالعنصرية، وبأنها تواصل صناعة الرعب، يعكس مدى التقاطع في النظر إلى مفاهيم القوة والتقدّم والتعايش، فالغرب في نزعته النيوليبرالية فقد إنسانيته، وصار أكثر مركزية في تداول القوة، وفي السيطرة على الأسواق والجغرافيا، وعبر الشركات متعددة الجنسيات، وتحويل العقل إلى مختبر أو مؤسسة أو مخزن تُدار من قبل «الحاكمية الكبرى» وأن التمردات القومية، وصعود الشعبوية القومية، كما سمّاها دوغين ستفتح الأفق لنشوءات عالمية جديدة، ولاقتصادات ناشئة أكثر تحررا وأكثر إنسانية.. أطروحاته أو كمّا عبّر عنها بـ»النظرية الرابعة» تأتي في سياق التعريف بالوعي الذاتي، بوصفه تمثيلا لفكرة القوة التي تصنعها الذات الواعية، الذات المُفكّرة بتوصيف ديكارت، التي تجعل من إرادتها فعلا خلاقا ومتنوعا، وفي صياغة عقدٍ جديد، ولحضارات جديدة تقبل بالتنوع وبتعدد الأقطاب، بوصف أن فكرة «الوعي الذاتي» هي جوهر الاختلاف في المواقف وفي الرؤى، وفي تجاوز عُقد الأدلجات التي كانت جزءا من ميتافيزيقا الهيمنة والمركزة، وباتجاه عالمٍ آخر يتقبل الوجود القومي كجزء من وجود الذوات المُفكّرة، بما فيها الوجود الذي يتعزز بالقوى الفاعلة، بما فيها قوة الجغرافيا، وقوة الأصدقاء، التي ظل يروّج لها دوغين تحت يافطة البحث عن «أمة جديدة» وعن فلسفة تقبل بأن تكون أداة للحرب المقبلة..

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية