إلى أنبياء الثورة والقادة الجدد: الديمقراطية ليست وصفةً سحرية!

حجم الخط
0

د. يحيى مصطفى كامل تصادف مؤخراً أثناء حوارٍ عائلي أن تطرق الحديث بصورةٍ عابرة إلى أحد المعارف المقربين وما لحق به من ضيم في قضية نزاعٍ مع شقيقه على ملكية عقار.. دون اللجوء إلى تفكيرٍ عميق أو الحاجة إلى أي جدلٍ أو نقاش خلصنا إلى السبب البسيط والوحيد وراء ذلك: لم يكن صديقنا ذاك يملك المال الكافي للإنفاق على نزاعٍ قضائي من المرجح أن يطول على عادة كل القضايا المشابهة في بلدنا ذي القوانين المرقعة وذلك على عكس أخيه الثري الذي يغذو ماله الوفير قدرته على المشاكسة وإزعاج الآخرين فضلاً عن طول البال والنفس الأطول… لقد آثر صاحبنا التنازل عن حقه الأكيد عوضاً عن المضي في طريق نزاعٍ لا يعرف أين سيجره ولا كيف ستكون عاقبته، وربما خشي أن يخسر أكثر من مجرد العقار… هكذا هي الحال إذن: قلة قدرة وضعف وعي و فقر دراية بغابة القوانين وخوفٌ من المجهول… مثُلت هذه القصة في خلفية وعيي وأنا أتابع وقائع وأحداث الانتخابات المصرية في جولـــتها الأولى، ولئن فاجأتني الأرقام حتى الآن فلم يدهشني الحضور القوي للإسلاميين؛ الأكيد أن النتيجة المبدئية أذكت غيظاً ما فتئت نيرانه تأكل قلبي على كل أولئك الذين روجوا للديمقراطية مطلباً أول وربما وحيداً للثورة إما عن سذاجةٍ أو قصر نظرٍ أو عن درايةٍ خدمةً لأغراضٍ خبيثة ناسين وغافلين أو متناسين متغافلين عن البعد الاجتماعي الأكثر إلحاحاً للثورة… بعيداً عن إعادة اختراع الدولاب لا بد أن نحدد بدايةً: ما هي الديمقراطية؟ أنا أراها أسلوباً لإدارة المجتمع يُسمح فيه للسواد الأعظم من الراشدين بالمشاركة في إدارة شؤونهم عن طريق التمثيل النيابي… للوهلة الأولى يبدو ذلك جميلاً بل ومثالياً، غير أن كل التعريفات البراقة المرهفة المفعمة بنسمات الحرية الهفهافة تغفل أن الانتخابات لا تجرى في الفراغ وإنما في دولٍ وبين شعوبٍ تجتمع على تشكيل وعيها وتوجيهه عوامل شتى كالاقتصاد والموقع الجغرافي بما يستتبعه الجوار من دورٍ ومسؤوليات وهواجس أمنية وهيكل الدولة بمؤسساته والثقافة المجتمعية بما يلعبه الموروث فيها من دورٍ متفاعلٍ رئيسي، وربما يفوق كل تلك العوامل أهميةً دور الإعلام سواءً منه الموجه أو الذي يدعي الحياد بما يخلقه من تصوراتٍ ومفاهيم يروج لها بين قطاعاتٍ واسعة مستعدة، بل نهمة للتلقي خاصةً إذا داعب خطابه مخاوفها وموروثاتها مازجاً بينهما… و في حالة بلداننا فإن ميراث الاستبداد والقمع السياسي والتهميش والافقار يضاف إلى كل ما سبق في تشكيل وعي ووجدان الجماهير… ما أود أن أؤكد عليه هنا أن الديمقراطية دائماً وأبداً ذات مضمونٍ اجتماعي ثقافي، وهي إذ تعبر عن تشكيلةٍ اجتماعيةٍ معينة فهي تجسد بنفس المقدار ثقافة وذهنــــية شرائح هذا المجتمع بما تحمله من مؤثرات… المشكلة الحقيقية أن هذه المؤثرات في الأغلب الأعم اخُتلقت أو نُقب عنها في التراث ثم روج لها بغرض خدمة مصالح الطبقات المستفيدة والمتحكمة في المقادير الاقتصادية للبلدان…. وعيٌ مزيف… ذلك الوعي المهيمن الذي تختلط فيه الأسطورة بالحقيقة بالموروث بالمزاج العام بالمخاوف والهواجس بما يخلق حالةً من التوافق الاجتماعي تسعى للحفاظ على ما يصور على كونه قيماً ثابتة لهذا المجتمع كأسلوب الحياة أو العيش الأمريكي والقيم الأمريكية التي يفاخر بها الأمريكيون مصدعين رؤوسنا في مزيجٍ من الغباء والنزق؛ وإني لأزعم أن مجتمعاً أو ديمقراطيةً لم تنج من هذا العبث والتلاعب الثقافي الإعلامي الذي يهدف إلى استقرار التركيبة الاقتصادية الاجتماعية على ما هي عليه ومنحها ثباتاً يصب في مصلحة الطبقات المستفيدة حتى لتجدن طبقاتٍ شعبية تنتخب مستغليها، وبسعادةٍ غامرة!… ولا تعوزنا الأمثلة على ذلك فالديمقراطيات (والكثير من الأحزاب الاشتراكية للأسف…) صوتت للبدء بالحرب العالمية الأولى والديمقراطية أتت بالمجانين كهتلر والحمقى الأغبياء كجورج بوش الإبن تحت تأثير وهيمنة عصبة النفط في أمريكا في انتخاباتٍ مشبوهة… كما أن الشعوب في الدول الديمقراطية لم تحل (رغم المحاولات) دون جرائم تاريخية بشعة فالديمقارطيات المزعومة والأعرق غزت واحتلت العراق بغياً وعدواناً… ولئن كان توني بلير قد أطيح به فإن جورج بوش لم يحاكم ويعدم باعتباره مجرم حرب، ولعل الميزة الكبرى في ذلك المثال الأخير هو استدراك ما كتبت بالتأكيد على الفوارق النوعية بين شعبٍ وآخر وفقاً لمقدار رقيه الثقافي وحراكه الاجتماعي التاريخي بما يتيح ذلك من مساحاتٍ متباينة لمعارضة محاولات السيطرة الفكرية ونقض القصص الكبرى المملوءة كذباً وأوهاماً التي تسعي إلى تحجيم الخيارات الديمقراطية وقيادتها في نفقٍ ضيق من الاختلافات الشكلية بين الفصائل السياسية واحتمالات التغيير المحدودة للغاية بما يؤدي في نهاية المطاف إلى تأمين ودعم للوضع القائم والمستفيدين من دوامه…(يحضرني هنا المثال المضحك المبكي المكرر أبداً حيث نهلل نحن العرب لكل انتخاباتٍ أمريكية تأتي برئيسٍ جديد أو بالحزب الآخر ونستبشر بقرب حل مشاكلنا العالقة منذ الأزل ثم نعود لنكرر بمرارة أنه لم يختلف كثيراً عن الوبش الذي سبقه وأنه يبدو أن السياسة الأمريكية لا تتغير). إن الشعب المصري الذي التفت وتكاثفت ملايين حلقاته حول الشباب المعتصمين في بداية الثورة الأولى لم تنزل غالبيته الساحقة للمطالبة بالديمقراطية وحق التصويت فقط وإنما دفعه بصورةٍ أساسية الفقر والتهميش، فمبارك ونظامه باتا يمثلان له الجوع وضيق ذات اليد… يمثلان الوصول إلى مرحلةٍ لم تعد تجدي فيها أساليب التحايل على المعايش والمتطلبات اليومية من غذاءٍ إلى مدارس إلى سكنٍ إلى علاج… ثار الشعب على الإهانة، على فرد الشرطة الذي يعامله كما لو كان شيئاً أو قمامة… ثار على بطش الأمن بالشباب المعتصم، بالأمل المتبقي في غدٍ أفضل يتجاوز ما عاشوه من ضنكٍ وضيقٍ وإهانة، لذا فمن القاصر بل والمهين أن نختزل الثورة ونقزمها في المطالب السياسية من تشكيل أحزاب إلى انتخاباتٍ ديمقراطية… في يقيني الشخصي أن الديمقراطية بهذه الصورة لا تعدو كونها مطلباً طبقياً لفئاتٍ من الطبقة الوسطى كانت ترغب في المشاركة في الحكم وصنع القرار في ظل واقعٍ تنزلق فيه يومياً نحو الفقر لتنضم إلى الطبقات الدنيا دون مقدرةٍ على وقف العجلة والحيلولة دون هذا المصير… إن مصر وشعبها يحتاجان إلى الخبز مع الحرية، وربما الخبز قبل الحرية… إلى العدالة الاجتماعية وإلى مشروعٍ متكاملٍ للتنمية الاقتصادية والبشرية ينهض بجموع هذا الشعب من قاع الفقر والتهميش والمرض، فالحق الديمقراطي الانتخابي ممنوحاً لمن لا يعرف كيف يستغله بسببٍٍ من قصر الوعي ولجوعٍ ينهش أحشاءه يصبح قليل القيمة أو عديمها، وعلى ضوء هذا تصبح الحكايا المتواترة والمتناقلة من قبيل التندر والذم وتحقير الشعب عن شراء الأصوات بزجاجة زيتٍ للطهي وكيلو من اللحم بعيدةً كل البعد عن الغرابة، بل وذات مغزى عميق ودلالة فائقة… فالذين اعتمدوا هذا الأسلوب خاطبوا مطلباً أساسياً وأرضوا حاجةً ملحةً ومباشرةً لدى الناس، وبذا أثبتوا حنكتهم ودرايتهم بالواقع… لقد ظهروا أمام الناس كأشخاصٍ يفهمونهم ويقدرون مطالبهم الحقيقية الملحة فحصدوا أصواتهم.. . يحصدونها صوب مشروعٍ يميني سوف يكرس سياسات الاستغلال والسوق المفتوح التي تتعارض مع مصالحهم على طول الخط وبصورةٍ أساسية… إن الحديث والتغني بهيامٍ عن الديمقراطية بوصفها حلاً سحرياً لمشاكلنا الاجتماعية ضربٌ من المراهقة الفكرية والسياسية في نظري… لست ضد الديمقراطية ولم أكن أبداً، فقد ناديت دائماً بالإطاحة بمبارك ودعوت إلى دولةٍ تسود فيها التعددية والقبول بالآخر وتداول السلطة… إلا أنني أرى الديمقراطية في إطار دولةٍ ذات بعدٍ اجتماعي وشبكة تضامنٍ تلبي احتياجات أبنائها فيتكافلون فيها، وإلا تصبح ديمقراطيةً مفرغة المضمون ومحض حق ٍ انتخابي مجرد لا يتمكن صاحبه من استغلاله لصالحه كصديق الاسرة الذي ذكرت في أول المقال والذي لا يملك نفقة المقاضاة لاسترداد حقه.. تصبح ديمقراطيةً تفرز أعداء الشعب الذين يستغلونه ويزورون وعيه ويشوهونه.

إن الجائعين لا يختارون اختياراً حــــراً، فالفقر غِل والجوع عبودية… والديمقراطية دون مشــــروع تنميةٍ اجتــــماعية تنهض بالشعب ديمقراطيةٌ عرجاء ستأتي دائماً بمن لا يمثلون مصالح الناس فعلاً وحقاً ومحـــكومٌ عليها بالفشل واحتمال الانزلاق إلى الاستبداد الصريح أو المقنع وراء مخايل دولةٍ تعدديةٍ حرة. علينا دائماً أن نذكر أننا ثرنا من أجل كرامة الشعب ومن أجل توفير العدالة الاجتماعية له بما يشمل ذلك من حقه الانتخابي ولم نثر فقط من أجل إعطائه صندوقاً يضع فيه ورقة قد تأتي له بحقه الآدمي العادل وقد لا تأتي…’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية