سلسلة من الأفلام القصيرة والتغريدات التي نشرها المقاول والممثل المصري محمد علي في “يوتيوب” و”تويتر” أخرجت آلاف المصريين إلى الشوارع مطالبين بعزل الرئيس عبد الفتاح السيسي. ليس بسبب الفقر المدقع الذي يغرق فيه نصف السكان، ولا بسبب الرقابة الشديدة على وسائل الإعلام، أعيد النظر في ثورة الربيع العربي. الفساد العميق السائد في النظام، والفيلات والقصور التي بناها السيسي، والامتيازات التي أخذها ضباط كبار في الجيش لأنفسهم، وأموال الجمهور التي تذهب إلى مشاريع متباهية بدلاً من خلق فرص عمل.. كلها أشعلت الحريق الذي لن يعرف أحد إلى أين سيؤدي.
قبل ست سنوات تقريباً خرج عشرات آلاف الأتراك في مظاهرات ضد نية رجب طيب اردوغان تحويل متنزه عام وجميل في وسط إسطنبول إلى مركز تجاري ضخم، الذي كان سيستفيد من بنائه مقاولون كبار ومقربون من الرئيس. أوقف المشروع. شخصيات رفيعة في حزب “التنمية والعدالة”، الحزب الحاكم، قررت قبل سنتين تقريباً تشكيل منتدى سيحاول رسم طريق سياسية جديدة تعارض سلطة اردوغان الاستبدادية. في الأسابيع الأخيرة استقال عدد من رجالات الحزب من صفوفه، وهم ينوون تشكيل حزب جديد. وهو لن يكون مختلفاً عن الحزب الحاكم من ناحية أيديولوجية، لكنه سيطرح سياسة غير فاسدة ستحاول هز سلطة الرئيس الفردية.
يصعب في إسرائيل في هذه الأثناء توقع أن يخرج الجمهور إلى الشوارع لوقف الخطر المتمثل باستقرار ولاية نتنياهو. واحتمالية أن تقوم شخصيات رفيعة في الليكود وتقول لنتنياهو كفى وحتى هنا، كفى للسلطة الفردية، وكفى لاختراع قوانين شخصية وسحق نظام القانون.. احتمالية ضئيلة.
الفرق الجوهري بين إسرائيل وجارتيها يكمن في الوهم بأن أجهزة الديمقراطية هنا محصنة وناجعة، وتمنح الجمهور القوة لتغيير نظام الحكم، وإقصاء رئيس حكومة فاسد وضمان المحافظة على قيم الديمقراطية الليبرالية. الجمهور الأعمى يشعر بأنه يستطيع الاكتفاء بوضع بطاقة انتخابية في صندوق الاقتراع والاعتماد على “النظام” ليقوم بدوره. في مصر وتركيا تلاشى هذا الوهم منذ زمن، وتبخر الاعتماد.
في إسرائيل ما بعد الانتخابات، ينام الجمهور على الكرسي وينتظر نتائج المشاورات مع الرئيس، وينتظر أيضاً التفاهمات التي سيتم التوصل إليها أو لا يتم التوصل إليها بين الكتل والمرشحين، وينتظر التنافس على تشكيل حكومة جديدة. وفي نهاية الأمر هذا الجمهور نفسه غير المبالي سيحصل بتثاؤب على من سيضعونه أمامه على المائدة، بيبي أم غانتس، مع ليبرمان أم بدونه، مع دعم العرب أم بدون. من يعارضون نتنياهو يأملون ألا يشكل حكومة، وإذا شكلها فعليه أن يختفي من حياته السياسية مع تعليق لائحة اتهام على باب منزله. لا يوجد ما يفعلونه، يقولون هذه هي الديمقراطية. مصر والجزائر وتونس وتركيا فهمت منذ زمن أن جمهوراً غير مبال لا يمكنه أن يتوقع ديمقراطية.
إسرائيل على مفترق طرق خطير، ولم ينقضِ بعدُ تهديد استمرار حكم نتنياهو، وإن احتمال تشكيله حكومة ولو لفترة محدودة مع تناوب أو بدون تناوب، يجب أن يقض مضاجع كل مواطن، سواء صوت لـ “أزرق أبيض” أو لليكود. لقد حان الوقت لأن يخرج الجمهور إلى الشوارع ويرسم خطوطاً حمراء توضح للرئيس والليكود وكل من سيوصي بنتنياهو، وتحديداً لقيادة “أزرق أبيض”، بأن على نتنياهو “عدم الاستمرار”. هذه هي مهمة الجمهور الأكثر إلحاحاً. ويجب ألا تنتهي آداب المائدة في بيت الرئيس بيوم آخر حتى بيوم واحد آخر من ولاية نتنياهو. الرئيس يفهم الخطر، وعلى غانتس أن يصمم بشكل كامل من أجل أن يكون هو الأول في التناوب، ولا يمكنه للجمهور أن يغفر لهما إذا ما تمكن نتنياهو بعد حملتين انتخابيتين من النفخ في بوق النصر.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 25/9/2019