إلى الطغاة: ارتقوا لمستوى ليلى الطرابلسي!

حجم الخط
0

مالك التريكي

على مدى عشرين عاما أو أكثر كانت النقاشات مع الزملاء والأصدقاء العرب حول موضوع ‘كلنا في الاستبداد شرق’ لا تخلو في كثير من الحالات من سؤال: ‘أي الأنظمة العربية هو الأسوأ؟’ وقد كانت المنافسة تكاد كل مرة تنحصر بين نظام بن علي ونظام آل الأسد. أما حكم القذافي، فقد كان مستبعدا أصلا من شرف المنافسة على اللقب لأنه لم يكن بين هؤلاء الصحافيين والمثقفين من يزعم أنه تمكن من فهم حكم يتجاوز القدرة البشرية على التعريف والتصنيف. وكان رأي الأقلية منا أن نظام بن علي هو الأسوأ لأنه نجح في خداع العالم، إلى حد تنويمه، بحكاية ‘المعجزة الاقتصادية’ و’السد المنيع ضد الأصولية والإرهاب’. كما أن صورة البلد السياحي، المجاور لأوروبا والمنفتح على العالم، قد يسرت لنظام بن علي إخفاء طابعه الاستبدادي مدة طويلة نسبيا. إلا أن الأغلبية بقيت تصر على أن نظام آل الأسد هو الأسوأ لأنه يحكم بتضافر الوطأة العسكرية مع التناسل الاستخباري والانحباس الإيديولوجي. أي أنه نظام ذاهب في الخراب مذهب تشاوسسكو. على أن هذا الانحباس الإيديولوجي قد استفحل في طور التجديد أكثر منه في طور التقليد. كان النظام منتقص المصداقية أثناء عهد التشبث بتقاليد القومية الشعاراتية، ثم انتهى به الأمر، رغم ما استبد به في الأعوام الأخيرة من رغبات ‘الممانعة’ الافتراضية، إلى أن يصير مجرد ممر لوجستي بالنسبة للحلفاء ومجرد كيان وظيفي، أي حليف موضوعي، بالنسبة لمن يفترض أنهم أعداء. لكن الأقلية المدافعة عن جدارة نظام بن علي بالفوز بلقب أسوأ الديكتاتوريات العربية طرا كانوا يؤكدون أنه أول نظام عربي يستخدم تكنولوجيا المعلوماتية في تطوير أذرع الأخطبوط الاستخباري، وأن دولة ‘الحداثة البوليسية’ هذه كانت تضاهي دولة الصين ذاتها في إحكام الخناق حول الإنترنت وجميع شبكات الاتصالات.

أما الأمر الذي كنت أحاول لفت انتباه الأصدقاء إليه، في ملاحظة ليس هدفها الدعابة فقط، فهو أن بن علي، بصرف النظر عما إذا كان نظامه أشرس من نظام الأسد أم لا، قد كان واعيا بأمور يبدو أن معظم الحكام العرب لا يدركونها. رجل لم يستكمل الدراسة. كان التونسيون يلقبونه ‘باكالوريا ناقص ثلاثة’ لأنه لم يتجاوز السنة الرابعة من التعليم الثانوي. وتقول روايات متطابقة إن بورقيبة لم يكن على علم بأن بن علي، الذي لم يعين رئيسا للوزراء إلا ليدرأ ما كان النظام يعدّه أعظم ‘خطب نازل’، خطب الأصوليين الخارجين على التصور البورقيبي لحركة التاريخ، إنما كان رجلا قليل الزاد العلمي. كان بورقيبة يظن أن بن علي من خريجي الجامعات الفرنسية مثل معظم أفراد النخبة السياسية التونسية من الجيلين الأول والثاني. كانت قوى بورقيبة الذهنية قد وهنت كثيرا في خريف العمر. لكن ما أن زف له الكائدون من أفراد الحاشية الخبر الفاجع حتى أصيب بالصدمة لهول ما سمع. استشاط غضبا واستدعى ‘الجاني’. قال له دون مقدمات: ‘ما كنت أدري أنك جنرال حـ… ار!’… بعد يوم واحد نفذ بن علي انقلابه الطبي.

لكن هذا الرجل غير المثقف، ذا الاهتمامات التافهة، قد كان أكثر وعيا بهيبة الدولة من كثير من الحكام العرب الذين ربما كانوا يفضلونه معدنا ومسلكا. كان يعرف أنه لا يليق برجل السياسة أن يتلعثم ويلحن ويهشم عظام اللغة، مثلما يفعل معظم هؤلاء الحكام. لذلك لم يحدث، طيلة حوالي ربع قرن من الحكم، أن أخطأ أو لحن. كان يلقي الخطابات بسلامة وطلاقة لأنه لم يكن يتصدى للكلام أمام الجمهور إلا بعد إعداد وتدقيق ومراجعة. لماذا؟ لأنه كان يعرف أن سلامة اللغة هي بعد بارز من أبعاد المصداقية الشخصية والهيبة الرسمية. إذ كيف يمكن لحاكم أن يأخذه شعبه مأخذ الجد إذا كان متخصصا في ارتكاب أخطاء تصعق الآذان؟ بل كيف لأطفال المدارس في بلاد حاكم من هذا المستوى أن يحترموه مجرد الاحترام؟ أمر بديهي لا يحتاج إلى تفسير. لكن فضائح الحكام العرب كلما نطقوا… هي التي تجعل هذه البداهة محل سؤال وإشكال.

حكام بلغت بهم تفاهة الشأن أنهم عاجزون عن الارتقاء حتى إلى مستوى… ليلى الطرابلسي زوجة بن علي! امرأة عديمة الخصال حقا. لكنها كانت واعية بوجوب كسب احترام الجمهور. فحسب السادة الطغاة الموقرين أن يرجعوا إلى خطب ‘الحلاقة’ إن أرادوا أن يتعلموا كيف تكون صحة اللغة وسلامة الأداء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية