فجأة ومباشرة بعد اليوم رقم 23 من العدوان العسكري الإسرائيلي البربري على «المسلمين» في قطاع غزة إستيقظ المفتي العام للديار السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ على شاشة السعودية الثانية ليذكرنا بأننا كمسلمين «سنؤثم» جميعا، وقد يعم البلاء علينا ما دمنا ساكتين عن الظلم الذي يتعرض له الأهل في فلسطين.
يقظة متأخرة لكنها ضرورية سياسيا بعدما تمرغت سمعة النظام الرسمي العربي بالوحل والطين بسبب شراكته المباشرة لإسرائيل في حرب علنية ولاحظنا كيف تسابقت الفضائيات السعودية لنقل روايات خطباء الدين في مملكة خادم الحرمين الشريفين المناهضة للعدوان تماما بعدما أتحفتنا القناة الإسرائيلية الثانية بتصريحات بنيامين نتنياهو وهو يعلن بكل وقاحة الكون بأن لجيشه شركاء هذه المرة متحدثا عن «تفهم عربي» لنزع سلاح المقاومة.
القوم في المؤسسة السياسية والأمنية التي تتحكم عمليا بالمؤسسة الدينية في السعودية أمطرونا مباشرة بعد فضيحة نتنياهو بتلك العظات والفتاوى، التي تفننت محطة «العربية» بنقلها وإعادة بثها مرة في الصباح الباكر ومرة في الفجر ودائما في الظهيرة.
فجأة خطبة نارية لإمام الحرم المكي أعقبتها تحذيرات المفتي الفاضل ثم ثورة على صفحات «فيسبوك» لوعاظ السلطان ضد إسرائيل، فيما كانت تسيطر تغريدة الأمير تركي الشهيرة التي تحمل كما يفعل نظام السيسي في مصر حركة حماس مسؤولية عدم إنحنائها للقنبلة الإسرائيلية وهي تلتهم أجساد الأطفال.
لا أجرؤ بطبيعة الحال على الفتوى ولا أفهم في الفقة والدين، لكني أزعم بأن غالبية رجال الدين العرب سيتقلبون في جهنم أكثر من بقية المخطئين من البشر.
بعد لا حول ولا قوة إلا بإلله أقول لرجال المؤسسة السعودية «صح النوم» ففزعتهم الفقهية إنتظرت 23 يوما من الواضح أن القوم كانوا يراهنون خلالها على سحق المقاومة لتبدأ مرحلة الملامة لإسرائيل ثم التمحور والتطبيع معها.
للأخوة في مصر والسعودية أقول ..عظم ألله أجركم فقد ماتت خطتكم.
دحدوح ومسحال
كان المشهد مغرقا بالطرافة والتراجيديا في الوقت نفسه: وائل الدحدوح مراسل «الجزيرة» الحربي في قطاع غزة وأحد أبطال المشهد بالتأكيد تجبره الظروف على التحول إلى «محاور» يستضيف بعض المتحدثين وسط الدمار.
لم يكن في الإستديو ثمة إضاءة وديكور فاكتفى الدحدوح وضيوفه الثلاثة بأربعة مقاعد بلاستيكية من الطراز الذي لا يزيد سعره في عمان عن أربعة دولارات ووضعت هذه المقاعد وسط الأبنية المدمرة والخراب وقطع الحجارة والشظايا وبدأ الحوار الذي بدا أنه مكانيا على الأقل ينتمي للقرن التاسع عشر.
هذه الجلسة الحوارية المباشرة الغريبة أمام كاميرا «الجزيرة» كانت في الواقع «أدسم» من كل الوصلات البرامجية المترفة التي تحاول التعديل في سلوكنا الإجتماعي دون طائل.
أحد الشباب في إدارة محطة «الأقصى»، التي خطفت الأضواء خلال العدوان بإمتياز تدفق أملا ومقاومة وعزة، وهو يتحدث لنجمنا الدحدوح عن 12 سيناريو طوارىء تقرر في المحطة المجاهدة التي كانت بالفعل «صوت المقاومة وصورتها» مما دفع الطيران الإسرائيلي لمخاطبتها ثلاث مرات على طريقته المعتادة.
صديق لي يعتبر الإحتلال الإسرائيلي «أغبى» وأبخل إحتلال في التاريخ البشري ويتصور بأن إسرائيل في المستوى المؤسساتي كان يمكن أن تكون دولة إحتلال مستنيرة لو تخلصت من مسألتين: الجيش وتلك الحزمة من الخرافات العقائدية التي دفعت حاخاما للإستنجاد علنا بالرئيس عبد الفتاح السيسي لإنقاذ إسرائيل من الإنهيار ومن إستحقاقات «يوم القيامة».
الإحتلال الإسرائيلي يسجل نفسه بكفاءة في قائمة البشاعة والوضاعة لإنه لا يكتفي بالإحتلال والتهجير بل يتزنر بحزمة خرافات تجعله معنيا بقتل الفلسطيني وفي كل مكان وأينما ذهب.
بكل الأحوال المقاومة لقنت «الخرافة الإسرائيلية» وبعدها النظام العربي الرسمي درسا لا يمكن إسقاطه من الحسابات.. بالتأكيد الدحدوح وثامر المسحال والأبطال الذين جلسوا معهما على بقايا الحجارة من نجوم المشهد الذين ندين لهم جميعا بفضل الكلمة والكاميرا عندما تقرر ممارسة «حريتها» ضد قوة طاغية جدا وجبارة في الشر والهمجية.
كلمة أخيرة: دحدوح ومسحال لهما من إسميهما نصيب فالأول كان يتدحدح بمعنى يتمايل ويتدحرج وهو يفلت من غارات العدو ويتمركز في الأزقة، والثاني ساهم في»تسحيل» سروال العدو وعدة مرات.
غزة تدعو أحمد الشقيري
الإقتراح بالتالي المتعلق بالمذيع الشاب والنجم المتألق في حزمة «أم بي سي» أحمد شقيري قابل للتطبيق عمليا فخلال القصف المتواصل على قطاع غزة إقترح أحدهم على الشقيري تأجيل تصوير حلقات برنامجه قليلا في تايلند او طوكيو أو جبال الألب وإحضار الكاميرا لغزة.
المقترح عرض 13 سببا تجعل غزة جديرة بتصوير إحدى حلقات «خواطر الشقفيري» .. أهمها الصمود الحقيقي والإبداع والإعجاز في المقاومة والقدرة العجيبة على الإستمرار بدون مياه وكهرباء وطعام ودواء، إضافة إلى بند «صناعات التسليح» التي أبدعت فيها كتائب القسام وغيرها من فصائل المقاومة والقدرة على ترديد القرآن الكريم بالتوازي مع تنظيف بقايا اليد المقطوعة بقذيفة إسرائيلية.
تلفزيون أردني جديد
«لعل وعسى»… هذه حصريا العبارة التي يمكن أن نرددها ونحن نراقب بإهتمام النبأ السار عن إقرار تأسيس قناة ثالثة بإسم الأردن وعلى أساس قناعة علية القوم بأن المحطة الحالية مفقود الأمل فيها ولا مجال لإصلاحها.
النبأ السار أن بيان الإعلان عن المحطة الجديدة يتحدث عن شاشة تمثل مصالح الأردن في الخارج وتتحدث بإسم «الدولة» هذه المرة وليس الحكومة وتهتم بالقضايا المحلية والدولية والشباب… كله كلام جميل وجديد وواضح بشرط توفر الإرادة السياسية الحقيقية لدعم مشروع من هذا النوع وهذا حصريا ما أشك فيه.
شخصيا أثق بالزميل المختار للإشراف على «المهمة المستحيلة» وقد صادفته في مناسبة إجتماعية، وقلت له رأيي وأرى أن الرجل سيمثل نسخة أردنية من «توم كروز» لإن الثقافة السائدة في مجتمع أصحاب القرار لا تؤمن بإمكانية إحتمال رؤية «كاميرا حرة» تتجول وسط الناس وفي المكان.
إذا تقدم توم كروز بخطوات جرئية وحاول إنتاج ولو ربع شاشة حرة سأقف والمهنيين المستقلين إلى جانب المشروع الجديد وهنا تحديدا حتى لا يتهمني القوم بالسوداوية سأشعل شمعة ولن أقف عند لعن الظلام.
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
بسام البدارين