اقبال التميميبعد انتشار ربيع ثورة الشعوب العربية الذي زحف على أكثر من دولة، عاودت إسرائيل تمحكّها بتركيا لأنها تخشى من أنها ستكون بحاجة لوساطتها لو استمر ارتفاع منسوب النخوة في الشارع العربي، وأدى ذلك إلى قرار المنتفضين استكمال الميل الأخير بضبط بوصلة الزحف باتجاه القدس، أو أصابت عدوى هذا الربيع الشعب الفلسطيني فبدأ انتفاضتة الثالثة، خصوصاً وأن إسرائيل أصبحت عارية الصدر إثر سقوط دروعها من حكام العرب المخلوعين من قبل شعوبهم، إذ كانوا يقدمون لدولة الكيان الصهيوني خدمة تلجيم شعوبهم ويضمنون حمايتها استرضاء للحليف المشترك، الولايات المتحدة الأمريكية.
تخلت الولايات المتحدة الأمريكية عن حلفائها القدامى من حكام العرب المخلوعين، وعادت الصحف الإسرائيلية تلحّن لتركيا معزوفة شراكة المصالح، خصوصاً فيما يتعلق بالأحداث المؤسفة التي تجري حالياً في سورية، متحيّنة جميع الفرص للاصطياد في الماء العكر، على أمل أن تكون تركيا قد فقدت الذاكرة ولم تعد تعي ما قامت به إسرائيل من إجرام بحق الأتراك المدنيين الذين كانوا على متن سفينة ‘مافي مرمرة’ يوم 31 من ايار/مايو العام الماضي، حين قامت القوات الإسرائيلية بقتل تسعة أتراك مدنيين بدم بارد، لأنهم تجرأوا على تحدي التواطؤ الدولي ضد أطفال غزة الذين استصرخوهم لفك الحصار عن حليبهم وأدويتهم.
أول تسريبات آلة الإعلام الصهيونية التي تسعى للإيحاء بأن الجانب التركي تخطى فترة الحداد، ادعاء أن المؤسسة الخيرية التركية التي نظمت قافلة المساعدات الخيرية المتجهة إلى غزة العام الماضي، رضخت تحت ضغوطات من ‘مسؤولين أتراك’ وأعلنت بأن سفينة ‘مافي مرمرة’ لن تشارك في الحملة الخيرية القادمة.
هذا الإسفين هو أحد الأساليب الإسرائيلية المستهلكة التي يعاد تدويرها مراراً لضرب أكثر من عصفورين بحجر واحد.
العصفور الأول هنا، هو الإيحاء بأن إسرائيل مطلعة على الشأن الداخلي التركي، وهذا يعني أن لها مناصرين من داخل البيت التركي ممن يوصلون لها الأخبار وممن يمررون اجنداتها السياسية بالضغط على أشخاص أو مجموعات لتمرير مشيئة إسرائيل.
العصفور الثاني استثارة الشك الداخلي والفتنة بين أفراد المؤسسة التركية بالإيحاء بأن من بينهم من منح ولاءه لإسرائيل فلا يأتمن افراد المؤسسة بعضهم البعض نتيجة استثارة الشكوك حول إخلاصهم وانتمائهم لوطنهم الذي سيبدو وكأنه يأتي في الدرجة الثانية بعد مصالح إسرائيل.
الإسفين الثالث زرع بذرة الشك بين الفلسطينيين والأتراك بالإشارة إلى تغيّر في الوعود المقطوعة من قبل الأتراك، والتي مدّت المحاصرين في غزة بشحنة من الأمل بأن هناك من يستبسل من أجل إبقاء أسرهم على قيد الحياة.
بعد هزّ هذا الوتر بوقت قصير، ومن أجل قياس نبض الحكومة التركية، أرسل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بمذكرة تهنئة بمناسبة إعادة انتخابه في 12 حزيران، قال له فيها ‘ستكون حكومتي سعيدة بالعمل مع الحكومة التركية الجديدة لإيجاد حلول لجميع المسائل العالقة بين بلدينا، آملين معاودة تعاوننا معاً واستعادة روح الصداقة التي ميزت العلاقات القائمة بين شعبينا على امتداد أجيال’. محاولة بائسة على ما يبدو، لأن أردوغان ما زال على رأس الحكومة وهو الذي تجرأ ونبش قذارة إسرائيل علناً معترضاً على تغوّلها وإجرامها بحق الفلسطينيين العزّل. بعدها طفت على السطح ادعاءات بأن ‘نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي، موشيه ياعالون، أجرى مناقشات ‘سرية’ مع وكيل وزارة الخارجية التركية، فريدون سينيرليوغلو، من أجل التوصل إلى وثيقة مصالحة على مستوى حكومة لحكومة’. وفي هذا ايحاء بأن الحكومة الإسرائيلية هي ندّ على كفّة الميزان المقابلة لكفّة الحكومة التركية التي تحظى باحترام العالمين، الأول والثالث وما بينهما.’المناقشات السريّة’ هو تعبير إعلامي اعتدنا عليه من إسرائيل لوصف فشلها في أي محاولات لأن هذا التعبير يعفيها من إراقة ماء وجهها ومن ذكر التفاصيل، وإلى أي مدى قامت بإذلال نفسها للإبقاء على سياساتها قيد الاستمرار على حساب الآخرين ومصالحهم.
بعد ذلك، قال نائب وزير الخارجية الإسرائيلي، داني أيالون- الذي قام بإذلال السفير التركي في إسرائيل أمام الصحافيين عندما أجلسه على مقعد منخفض- لمجموعة من الصحافيين الأتراك الذين كانوا في زيارة إلى القدس’ أعتقد أن ما خسرناه عبر السنوات القليلة الماضية هي الثقة.
الآن نحن بحاجة إلى التخلي عن لعبة تبادل اللوم حول سبب فقدان هذه الثقة’. من المؤكد أن الثقة لم تكن البند الوحيد الذي خسرته إسرائيل عندما أثبتت أن تنمّر أفراد حكومتها لا يقتصر على قهر الشعوب بل يمتد ليطال شخصيات دولية لها ثقلها، وفي ذلك دليل على اضطراب البناء النفسي لممثليها على مستوى أعلى، أو ربما هو ليس كذلك.
استمر الإعلام الإسرائيلي بالدندنة حول وجود قنوات اتصال بين الدولتين ‘في الخفاء’ لإعادة وصل ما انقطع، رغم أن اسرائيل استمرت في استغباء أنقرة، متفادية حقيقة أن تركيا طالبت إسرائيل وبإصرار باعتذار رسمي وتعويضات لعائلات ضحايا سفينة المعونات التركية التي هوجمت من قبل القوات الإسرائيلية أثناء حملها لمساعدات غذائية وطبية من الشعب التركي لأهالي غزة المحاصرين.
إن جميع محاولات إسرائيل لفتح قنوات الحوار مع تركيا من خلال البوابة الخلفية، فشلت وأدت في النهاية إلى فائض كبير من المسودات التي تشير ضمناً إلى اعتراف إسرائيل بمسؤوليتها عما جرى، لكن المسؤولين الإسرائيليين استمروا في تعنتهم ورفض الاعتذار المباشر للأتراك، مدعين أن تحقيقاتهم الداخلية تشير إلى أن قواتهم تصرفت من منطلق الدفاع عن النفس.
في هذا السياق عارض وزير ‘الدفاع’ الإسرائيلي ايهود باراك تقديم اعتذار على أساس أن الاعتذار يعني الإعتراف بأن قواته أخطأت، بينما ادعى هو أن ذلك غير صحيح، بينما وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان المعروف بعدم تعاطفه مع الأتراك، عارض بشكل قاطع مبدأ الإعتذار من أصله.
سياسة عدم التنازل بالاعتذار هذه متأصلة في الإسرائيليين لأنهم وبكل بساطة يرون في أنفسهم شعب الله المختار، طبقة فوق جميع الأمم، شعبا غير مضطر للاعتذار عن قتل من هم دونه منزلة. وبالرغم من حالة استعصاء إيجاد لغة مناسبة تفضي إلى مصالحة بين الطرفين، ورغم أن السفير التركي لم يعد إلى عمله في تل أبيب، كما توقف السياح الإسرائيليون عن زيارة المدن الساحلية التركية، إلا أن إسرائيل أبقت سفيرها ‘غابي ليفي’ في أنقرة، مدعية أنه رغم الخلافات السياسية بين البلدين، إلا أن التبادل التجاري زاد بنسبة 25′ ما بين الأعوام 2009 و2010 وارتفاع النسبة بمقدار 40′ في الربع الأول من عام 2011. استمرت إسرائيل ببث سمومها عبرالصحافة الالكترونية وكأنها ‘المبصر الوحيد في سوق العميان’ مستغبية تركيا وجاهدة في محاولة إيصال رسالة لأنقرة مفادها، بأن تركيا لن تستطيع التعامل مع جيرانها العرب دون التعكّز على إسرائيل.
في تقرير كتبه آلون بن ميئير يقول فيه ‘تعلم تركيا بأنها لو أرادت أن تلعب دوراً قيادياً في الشرق الأوسط، وبالذات عقب الانتفاضة العربية، وبنفس الوقت أن تؤثر في سياسات إسرائيل، لا يوجد أمامها من خيار سوى التعاون مع إسرائيل كلاعب رئيسي لحل مشكلات الصراعات العديدة، بما فيها الممتدة على طول الحدود التركية’. ويضيف بن ميئير ‘إن تركيا تعي بأن محاولتها التعاون مع الأنظمة الدكتاتورية في الشرق الأوسط فشلت’. كما يدعي الكاتب بأن ‘هناك قلقا بين الأتراك بأن العلاقات المتبادلة التي حاولوا من خلالها تقوية العلاقات مع الشعوب العربية، هي في الحقيقة غير مبنية على أي قواعد أو أسس قوية، خصوصاً في سورية التي يبدو أن وضعها غير ثابت’. ويرفع الكاتب الإسرائيلي إصبع التخويف في وجه تركيا محذراً ‘إذا تداعى نظام الأسد، وهذا أمر متوقع، العواقب بالنسبة لتركيا ستكون وخيمة، كما هو واضح من تدفق اللاجئين السوريين عبر الحدود.
إن تركيا بحاجة إلى قوة لتعزيز الاستقرار، وهذه القوة تستطيع إسرائيل أن توفرها.’هنا نقرأ بين السطور مدى وقاحة إسرائيل إذ تلوّح بأنها مركز التحكم في الشرق الأوسط، وبأنها تذكّر القيادات التركية بأن القيادات العربية دكتاتورية، متناسية أنها أسوأ مؤسسة حكم في العالم على الإطلاق، بنيت على الإرهاب والسرقة وتزوير التاريخ والمجازر وكل مفردة تقع تحت بند سوء الأخلاق.
كما يحاول الكاتب التقليل من شأن العرى التاريخية والإنسانية الوثيقة بين الشعب التركي والشعوب العربية المجاورة، لكن الأسوأ من كل هذا هو رسم اللاجئين السوريين الفارين بأبدانهم وأطفالهم من القمع على أنهم خطر يهدد أمن تركيا.
لكن في النهاية، تبقى إسرائيل هي التي بحاجة إلى تركيا وبحاجة لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة معها واستمالتها للوقوف إلى جانبها لتعزيز أجندتها السياسية ضد محاولات الفلسطينيين الحصول على اعتراف من قبل الأمم المتحدة، وضد محاولات حماس لتأسيس منصة سياسية معترف بها، وضد محاولات توحيد الفصائل الفلسطينية تحت حكومة موحدة، وللتدخل في مسار الأحداث الناجمة عن الاضطرابات في سوريا، ولكبح طموحات إيران النووية.
بالنسبة لإسرائيل من الأسهل لها معالجة هذه الأمور من خلال وساطة تركيا وخصوصاً أن التقارير تشير إلى زيادة في عدد الحوارات التي جرت بين الرئيس الأمريكي أوباما ورئيس الوزراء التركي أردوغان مؤخراً، مما يعني أن الولايات المتحدة تعلم جيداً مدى أهمية الدور التركي، وتعلم ضرورة تزويد تركيا بالأدوات اللازمة للقيادة في المنطقة من أجل خدمة مصالحهم المشتركة، على أمل استغلال دور تركيا كوسيط إقليمي ذي صوت مؤثر معتدل ومحترم في العالم الإسلامي.
تحسن العلاقات بين تركيا وإسرائيل بكل بساطة تعتمد على اعتذار إسرائيل لتركيا علناً عن قتلها للأتراك المدنيين التسعة وتعويض عائلاتهم، لكن هذا من سابع المستحيلات، لأن إسرائيل تعلم تمام العلم أن الاعتذار يعني اعترافها بالجريمة.
لذلك يحاول الإعلام الإسرائيلي حالياً تنويم الأتراك مغناطيسياً لإقناعهم بنسيان الماضي واستعادة العلاقات والتظاهر باختفاء الدم التركي وسط المياه الدولية.
وهذا رهان خاسر بلا أدنى شك، لأن تركيا التي استضافت آلاف اللاجئيين السوريين دون قيد أو شرط، وأكرمتهم وفتحت لهم حدودها، وتجرأت على شجب الممارسات الهمجية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين العزّل عندما خرس المجتمع الدولي بأكمله، لا يمكن أن تدير ظهرها لجثامين أبنائها الأبرياء الذين كانوا في مهمة إنسانية عبر البحر مستظلين براية بلدهم التي تحمل ثقافة إنسانية متحضّرة، ولديها جذور عقائدية وإنسانية وتاريخية مشتركة مع الفلسطينيين ومع جيرانها من الدول العربية.’ مديرة المرصد الإعلامي للصحافيات العربيات في بريطانيا