إلى حاكم.. ليته يعي

حجم الخط
0

قال بنيامين فرانكلين ذات يوم: ‘من يتخلى عن حريته خوفاً على أمنه لا يستحق حرية ولا يستحق أمناً’. فعندما راهن نظام الرئيس المخلوع مبارك على أن الإنفلات الأمني الذي أحدثه في اليوم الرابع من ثورة 25 يناير وخلو الشوارع وأقسام الشرطة من رجال الأمن سوف يروع الناس فيجعلهم يؤثرون السلامة.. فشل في ذلك، كما لم يروعهم التعامل الوحشي مع مظاهراتهم السلمية والذي كان يجعلنا نتساءل ونحن نشاهد التلفاز هل كان من يقمعها مصريين حقاً أم كانوا من إسرائيل؟!

ومع ذلك لم تتعلم الأنظمة العربية الأخرى من هذه الدروس، إذ لا تزال تعتقد أن البطش والقمع كفيلان بخنق أي احتجاجات وفي الغالب تأتي النتائج عكسية.

وفي لقاء أجرته الإعلامية منى الشاذلي مؤخراً شكر محمد حسنين هيكل الرئيس المخلوع مبارك لأنه بعناده ورفضه التخلي عن السلطة بسهولة قد أعطى الثورة وقتاً للنضوج.. بينما زين العابدين قال انه فهم وطلع إنه ما فهمش ـ على حد تعبير هيكل ـ وبالطبع كلنا ندرك أن حسني عندما قال أعي.. كان لا يعي شيئاً. لا بد أن هذا الأمر سيجعل معظم الرؤساء العرب حذرين من استخدام مصطلحات كهذه أو مما هي على شاكلة.. أدركت.. اتضح لي.. وعلمت.. ليس لأنهم فعلاً لم يعوا ولم يفهموا ولم يدركوا ولم يتضح لهم إن إرادة الشعوب يمكن أن تقلب عليهم المائدة في أي لحظة، بل لأنهم يخشون أن يجلب استخدام هذه المصطلحات الفأل السيئ لهم.. وعلى العكس فإن كل رئيس منهم يعتقد أنه الأفهم والأذكى وأنه أفضل من غيره فزين العابدين لا شك أنه سخر يوماً من ضعف معاوية ولد الطايع عندما أنقلب الموريتانيون ضده وهو خارج البلاد وأعتقد باستحالة حصول هذا الأمر في تونس ذلك لأنه ـ لم يفهم. أما حسني فقد استبعد أن ما يحدث في ميدان التحرير قد ينتهي به إلى خارج ميدان السلطة ذلك لأنه ـ لم يع ـ أن ثورة الشعب أكبر من أن يحتويها بأكاذيبه المعتادة وأساليبه التي لم تعد تواكب لغة العصر.

بالأمس القريب قام الرئيس اليمني بخطوة استباقية بعيدة عن خطوة ‘أفهم وأعي’ لقد توجه للمعارضة وقال انه سيلبي – مطالبها وسيعود للحوار معها وبدأ ببعض الإجراءات لتحسين أوضاع الشعب الغارقة في الحضيض مغلقاً بذلك الباب ـ من وجهة نظره ـ على أي مطالب قد يرفعها المتظاهرون الذين كان يتوقع خروجهم.. لكنهم مع ذلك خرجوا.. رحبت المعارضة بحوار الرئيس.. لكن الجماهير استمرت في الخروج.. لماذا؟ .. لأنها بكل بساطة تدرك أن السلطة في اليمن على أرض الواقع.. لا تفهم ولا تعي… ولن تلبي… وكان أكبر دليل على ذلك هو قمعها للمظاهرات السلمية بطرق نافست طرق قوات الأمن المصري في قمع المتظاهرين بل يدفعنا ما حدث يوم الجمعة الماضي في عدن خاصة في مدينة المعلا أن ندعو الأهالي هناك لإطلاق صفارة الاندار التي تعودوا أن تنطلق فيها مع كل حرب ابتداء’ من الحرب العالمية الثانية ذلك أنهم كما يبدو مقبلين على معركة قد تفوق ما يجري الآن في طرابلس لكن تلك الصافرة كانت تطلق قديما لحث سكان عدن على الاختباء من قصف الطائرات الايطالية للمستعمرة البريطانية أما اليوم فانهم سيطلقونها للمواجهة لا للاختباء، لقد خرج العدنيون ليطالبوا سلميا بحقهم في التغيير بعيدا عن شعارات الانفصال التي تحاول أن تلصقها السلطة بهم لتمنح لنفسها الحق في اجهاض ثورتهم وكما هو الحال في مصر لم تفلح المجزرة التي أرتكبتها قوات الأمن في المعلا كما لم يفلح تعاملها القمعي للمظاهرات السلمية في جميع أرجاء اليمن وقتلها لبعض المتظاهرين في ترهيب الناس وجعلهم يتخلون عن حريتهم مقابل امنهم فأهالي عدن وشعب اليمن كله أهل عزم وصمود وسيحققون مبتغاهم عن قريب إن شاء الله.

يقول رئيس الوزراء اليمني أن ما حدث في مصر لا يمكن أن يحدث في اليمن وهو قول يذكرنا بوزير الخارجية المصري أبو الغيط الذي استبعد ساخراً أن يحدث في مصر ما حدث في تونس وقد دفع مبارك ونظامه ثمن ((عدم وعيه)) فادحاً وهو ثمن كان قد دفعه الشعب المصري مسبقاً من حريته وألمه وفقره وانكساره لكن فاتورة حسني وفاتورة زين العابدين الحقيقية لم تسدد بعد ولا ندري بعد كيف ستتعامل الثورات مع هكذا ديون؟

وفي حالة اللاوعي التي يعيشها بقية الزعماء العرب المؤهلين للسقوط فإننا ننتظر تكرار المشهد نفسه مع معتوه ليبيا قريبا ونكاد نجزم أن الزعيم الرابع الذي سيرحل بعده يظن أنه محصن تماماً ليس لأنه استفاد من أخطاء زين وحسني والسفاح مخرب ليبيا وقام بإجراء إصلاحات حقيقية لتحسين أوضاع شعبه.. بل لأنه سيجرب فيهم أساليب قمع لم يجربها زين العابدين أو مبارك أو معتوه ليبيا من قبل وفي ظنه أنها ستكون أكثر فاعلية، إذ دائماً ما تغيب عن ذهنية السلطة المستبدة أن العنف لا يولد إلا العناد وإنه كلما زاد عدد الشهداء زاد إصرار الثوار على تقديم المزيد.

سارة عبدالله [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية