إلى عالم مغاير قد يولد من رحم كورونا
عتبة المشهد: في مديح كورونا
شكرا لك أيها الفيروس الزائر لهذا الكوكب، الذي كان على وشك الانهيار. حروب هنا، وأسلحة فتاكة هناك. قتل جماعي للأطفال هنا، وتشريد لآلاف الأسر هناك، تواطؤ بين الكبار في الضفة الأخرى، وصغار ينتظرون زمن الطعام، ولعبة توزع عنهم، ويطلب منهم الابتسامة أمام الكاميرا.
يلعبون، وهموم عديدة تمزق عيونهم، ضحكتهم ليست كبقية الضحك. شكرا لك أيها الفيروس، لكونك ستعيد بناء الأشياء من جديد. كان علينا أن نستقبلك بالحليب والتمر، كعادة احتفالنا بعريس مبتهج حالم بلقاء عروسته.
شكرا لك أيها الفيروس، وشكرا حتى لمن صنعك عن قصد، أو سمح لك بالتناسل من عائلتك الكبرى، من دون منحك شهادة ميلادك، معلنا عن ولادة قبل وقتها. في جميع الحالات، أيها الفيروس، ها أنت تخلخل زمن الغدر، والسؤال الذي نطرح عليك، سيدي الفيروس كالتالي، ومعذرة سيدي الفيروس إن لم أتمكن من صياغته بشكل جيد، لأن لفظة السلاح ترعبني وتخيفني حد الذعر:
– ماذا سنفعل بكل هذه الأسلحة التي اشتريناها؟ أولن نقتل بعضنا بعضا غدا؟ علمنا بائعها كيف نضغط على الزند هنا، وكيف ندمر الأرض هناك، وكيف نخنق الناس حينما يمرون بالقرب منا؟ لا قيمة لها الآن؟
– إسمعوا كلامي أيها التافهون: أنا الفيروس كورونا، جئت لكي أعيد بناء عالمكم الآدمي، قتلتم الكبار والصغار وشردتم النساء بدون حشمة. اليوم، كل شيء سيعاد وفق القانون الجديد. قانون مستمد من الإنسان وللإنسان. ما كان عليّ أن أزوركم لو وجدتكم في أبهى إنسانيتكم. قتلتني مهانتكم وبيع إنسانيتكم في المزاد العلني. إني هنا لأغار عليكم وعلى ما تبقى في بعضكم القليل من دم صاف هو جذر إنسانيتكم.
وسط المشهد: في حلم بناء الإنسان
هو لن يرحل عنا، إلا إذا تأكد أن زمن الطهر من بيع صكوك الغفران، قد ولّى. لن يرحل عنا إلا إذا تأكد أن باعة الدم والخطايا سيرحلون، وسيتركون هذه الأرض الحالمة بإنسان جميل، على وشك الظهور، راغب في الطرب والرقص حتى فجر اليوم الموالي لذهابه. هو لن يرحل إلا حينما يتأكد من أن أثمنة السلاح، هي في الأصل حليب الأطفال، وعطر النساء وفرح رجال سيرقصون على نغمات أفلام عشقوها منذ بداية البدايات…
هو لن يرحل، إلا حينما يتأكد أن لعبة السياسة قهرت الناس، وجعلتهم في علب سردين يباع دون زيت ولا طماطم، بل، سيبقى بجوارنا يعلمنا ما السياسة، بل وما الحياة؟
– لطفا سيدي الفيروس، سنحتمي بك من زمن اشتعل رأسه شيبا، وغنى فيه الكبار فرحين بشواء قلوب الصغار… أمطروا سماءهم بالرعب وزيت البارود. نقلوا أخبارهم وهم يقتلون تحت صوت المدافع بحثا عن سبق إعلامي.
– تجردنا من آدميتنا سيدي الفيروس، لم نعد نعرف غير ثمن أهواء شلّت بأخبار شاب طفلنا وهو يحلم بمعرفتها، لكن بدون هوى.
– عذرا سيدي الفيروس، هربنا من بيوتنا وتركنا الجدة بدون حكاية، ومزقنا دفاتر أمهاتنا العذارى بعشق علو السماء. لا تغضب علينا سيدي الفيروس. لن نتمنى لك عمرا مديدا بيننا.
– ماذا قلت أيها الكاتب الأحمق؟ تهددني بالموت، وأنا الذي أتيت لكي أطهر أرضكم من سير متعفن عليها بدون اتجاه؟ تتمنى رحيلي بدون أن أكمل لكم وصايا من أجل أرض معطرة بالماء والصابون؟ أنظر إلى يديك كم مرة غسلتها قبل أن تعرفني أيها الكاتب التافه التائه بين دفات كتب حالمة بموت الشعراء؟
– عذرا سيدي الفيروس. جددت الحياة فينا وجعلتنا نعيد ترتيب أوراقنا من جديد. سيدي الفيروس، لأول مرة أعرف معنى الديمقراطية في حضرتك. لأنك تصيب الغني والفقير والمالك وغير المالك. علمتنا سيدي الفيروس، معنى السياسة الآتية من رحم الجذر اللغوي: ساس الشيء، معناه قاد. علمتنا أسئلة العقل والجسد وجعلت أهل العلم والمعرفة والجمال يعودون إلى أماكنهم الدافئة، بعد أن أتلفتنا المتاهات والحماقات وقطاع طرق الكلام.
– لو لم أظهر أيها الأشقياء، لخربتم ما تبقى فوق هذه الأرض من نسمة الحياة. أيها التافهون، إنكم لا تفرحون إلا بقتل بعضكم بعضا، كم من طفل مات تحت أنقاض حجر عصفت به طائرة بدون طيار؟ كم ثمنها أيها الحمقى؟ تخافون مني وأنا الذي لم أولد بشكل طبيعي من أسرتي، بل، أياديكم اللعينة هي التي صنعتني. حتى حياتنا زعزتموها أيها الجائعون الحالمون فقط بصوت الرصاص، ولا شيء غير هذا؟
خاتمة المشهد: رحيل طفولي
– سأرحل عما قريب، بعد أن تقدموا لي وعدا، بحياة أخرى غير تلك التي وجدتكم عليها، يا باعة الحروب. سأرحل حينما أتأكد أن أطفالكم سيلعبون بدون ذعر من صواريخكم الحمقاء المرعبة لنا ونحن في العدم. كم قتلم بها أيها المجنونون من إمرأة جميلة عاشقة لحكايا الليل… لا شعراؤكم أصغيتم إلى استعاراتهم ولا حكم فلاسفتكم أدركتم مغازيها…تائهون في البحث عن معلبات حياة مللت مشاهدتها وأنا بجانبكم أيها التافهون.
– سأرحل، لأن عيون الأطفال جددت ماءها وجعلتهم سادة هذا العالم، سأرحل لأنني ساعدتكم على اختفاء الفاشلين فيكم… بائعي الوهم، القابعين في انتظار رحيلي. قبل أن أرحل، سأعدكم بأنني سأعود إليكم إن خالفتم وصاياي الكبرى. لا أحب أن أرى فيكم شقيا…لتقتسموا متعة الحياة… أيها الخائنون الغافلون السارقون لحلم جميل لم تعرفوا كيف تستمتعون به .
– نعدك سيدي الفيروس، بأننا على وصاياك سائرون، وإن خالفها كبارنا، فبالله عليك عد في ثوب آخر، واعلن رحيلنا الجماعي لأننا لن نكون أشقياء إلا كما تشاء لتنقض على ما تبقى فينا من عروق، تعرقل فيها سير حياة وزعت بين كبار عاقين وصغار حالمين راغبين في الاستمتاع بزمكان غير هذا سيدي الفيروس. نعدك بأن لم نبن عالما جميلا يسود فيه الحب والوئام، فلك ما تريد، عد واضرب فينا من أشعل الحروب وباع السلاح وحرم الصبي من ثدي أمه، وحول الماء إلى عفن يصب في فيه الفقير …عد إلينا سيدي الفيروس، وابدأ بما تشتهي نفسك، هنا سنعد لك مقابرنا، ونكون آنذاك خائنين لوصاياك… إن لم نطهر ثوبنا من دنس البارود وهدم أسوار فيها رائحة جدي وهو يحكي بجانبها أنشودة حياة، فما عليك سيدي الفيروس، إلا أن تفتك بما تبقى فينا من هواء…
– يبدو، سيدي الفيروس، أن رحيلك قد حان…أرهقت ساستنا، هم اليوم يتساءلون، كيف سنصيغ اللعبة من جديد؟ لا عليك، هم اليوم قلوبهم صافية بشدة عطر ممزوج برائحة مطهر لك.
– لي أنا أيها الكاتب الأحمق؟ والله إن أعدت شتمي لأقضي عليكم جميعا أيها التافهون العالقون الخائفون، الممددون تحت أغطيتهم المكدسون، لأرز يعدون حبيباته في انتظار خروج لن يتم إلا برحيلي.
– معذرة سيدي الفيروس، معذرة لالة كورونا…لن ننسى فضلك والله علينا، على الأقل جعلتينا سيدتي…
– تخاطبني بسيدتي أيها الأحمق، مازال زواجي لم يتم بعد، ولو تم لخربت حرثكم ونسلكم أيها الحمقى. معذرة آنستي. فقط كنت بصدد تعداد محاسنك آنستي. أوقفت العديد من أشكال التفاهة، أعدت الاعتبار لأناس كانوا على وشك السقوط في ظلام حالك. طهرت الأرض من تفاهات عديدة، كانت تطل علينا من كل نافذة. تفاهات هزمتنا في عقر بيتنا وخارجه، هي اليوم تختفي على أمل أن لا تعود.
– إن عادت سأعود لهم.
– شكرا لك آنستي. خير جميل والله نشرته فوق هذه الأرض. هواء نقي الآن أشمه. زرقة مدينتي صافية كصفاء وجه القمر. حبر جميل أخط به وصاياك آنستي الآن. كشفت عن المعدن الأصيل وعن الزائف. أنظري آنستي كم هي جميلة هذه الأيادي التي تتبرع لتطهير هذا العالم من الفقر والظلم… كم هم لطفاء جدا آنستي. وباعة البارود آنستي وعدونا بأنهم لن يسرقوا طعام الصغار وحليبهم … والله أنت حكيمة جميلة آنستي. تضحك. ترغب في معانقتي.
– آنستي، لو تكرمت بغيري .
– خائف هارب مني. (تضحك).
– آنستي ألتمس منك الرحيل. لو أطلت خاب ظننا فيك وفي خيرك ونعيمك الكبير.
– طيب. طيب. تسألني الرحيل؟
– نعم سيدي الفيروس…آنستي كورونا. نسألك الرحيل، آن الأوان لننعم بخيرك وبدفئك وبما تركت لنا من طهر في هذا الزمان والمكان… دعينا نرقص فرحين بعالمك الجديد، ونتتبع تفاصيله في مقاهينا المغلقة ومدرجات المعرفة الفارغة الآن… لن نخذلك في صياغة جديدة للحياة… نعرف أنك إن عدنا إلى حروبنا وخرابنا ودمارنا ومآسينا ستعلنين زواجك المرعب والمخلخل لنا من جديد، آنذاك لن تكوني رحيمة أكثر من اليوم.
– تشكرين آنستي كورونا…لن نقول لك إلى اللقاء، بل، نقول لك وباللغة العامية المغربية الشعبية الجميلة:
الما والشطابة حتى القاع لبحر…
يسدل الستار، وكل تشابه مع ما ورد في ثنايا هذه المرتجلة، هو من باب ما أملته ظروف الحجر الصحي وشطحاته وتفاصيل هذه الحياة.
٭ كاتب من المغرب