إلى نساء السعودية.. قيادة السيارة حق وضرورة ومتعة

حجم الخط
0

عبد الحميد صيام تستعد النساء السعوديات لإعلان يوم التاسع عشر من شهر حزيران (يونيو) القادم يوما تقوم فيه النساء السعوديات بأعداد كبيرة بقيادة سياراتهن في شوارع المملكة أسوة بالسيدة المحترمة نوال الشريف، التي تحدت القوانين المجحفة بحق المرأة السعودية وقادت سيارتها بصحبة أربعة من أفراد عائلتها يوم 21 أيار (مايو) وتم اعتقالها في مخفر الدمام وتوجيه خمس تـُهم لها تتعلق بالإخلال بالنظام العام. ولسنا متأكدين من نجاح النساء السعوديات في كسر هذا الحاجز والاستجابة للدعوة التي يتم تناقلها وتوزيعها على المواقع الشبكية والمدونات والبريد الالكتروني، فقد يجدن عشرات الألوف من الشرطة ورجال الأمن والمطوعين بانتظارهن أو تخويفهن سلفا لوأد الاحتجاج الحضاري هذا في المهد، مثلما فعل رجال الأمن يوم الحادي عشر من آذار (مارس) عندما انتشر نحو 24 ألف شرطي في شوارع الرياض لإرهاب الشباب ووأد المظاهرات الاحتجاجية سلفا، فأسرعت قناة العربية لتعلن أن الذين استجابوا للدعوة في مدينة الرياض اثنان فقط. وهذا ليس مستبعدا بعد أن قتلت قوات الأمن المنظم الرئيسي ليوم الغضب فيصل أحمد عبد الأحد في الثاني من نفس الشهر كرسالة استباقية لكل من تساوره نفسه بالمشاركة. فرجال الأمن السعودي لا يكتفون بضبط الأمور في داخل المملكة، بل يصدرون خبراتهم الرفيعة إلى دول الجوار.

لا نعرف في أي عرف وأي دين وأي قانون يمكن تبرير منع المرأة من ممارسة حق مكتسب تستحقه المرأة بالضبط كما يستحقه الرجل، لأن عملية قيادة السيارة أصبحت ضرورة من ضروريات الحياة، وهي عبارة عن عملية ذهنية ومهارات وحركات تؤديها أعضاء الجسم بتناغم وتنسيق وانضباط عجيب، بحيث يصدر الدماغ أوامره لأعضاء الجسم المعنية كالعينين واليدين والرجلين فتقوم هذه الأعضاء بالاستجابة الفورية للتعليمات الذهنية المتلاحقة بدون توقف، فيتم تقدير المسافات والسرعة والإشارات وتترجم هذه التعليمات إلى حركة سليمة للسيارة، بحيث تسير عندما يسمح لها بالسير وتتوقف بعد الضغط على الفرامل لمراعاة الضوء الأحمر مثلا، وتزيد السرعة أو تنقص حسب الأوامر التي تتلقاها القدم التي ستضغط على دعسة البنزين وتتجه يمينا أو شمالا أو إلى الخلف بُعيد تشغيل المؤشر الضوئي وهكذا… فليس لهذه العملية الذهنية التي تنتقل من الدماغ إلى أعضاء الجسم لتترجم إلى حركة سير السيارة علاقة لا من قريب ولا من بعيد بجنس السائق، سواء كان رجلا أو امرأة، شابا أو عجوزا مسلما أو ملحدا، أبيض أو أسود. لكن قوانين الدول جميعها تعاقب من لا يستوفي شروط القيادة كالسن القانوني والسياقة تحت تأثير الكحول أو السياقة بدون رخصة رسمية. فقدرات الأطفال الذهنية لا تكتمل إلا بعد سن معينة تتراوح بين السادسة عشرة والثامنة عشرة بغض النظر عن أحجامهم الجسمية. كما أن دماغ المخمور لا يصدر أوامر سوية ومتزنة فيشكل خطرا على نفسه وعلى الآخرين ولذلك تكون عقوبة السياقة تحت تأثير الكحول أو المخدرات غليظة جدا. أما غياب الرخصة الرسمية فتعني أن السائق في حالة انتهاك للقانون حتى لو أحسن فن القيادة، فلا بد من قيام الجهات المختصة بفحص قدرات الشخص الفنية والذهنية وتتأكد من اجتيازه الامتحانين النظري والعملي وتترجم النجاح في الاختبارين بإصدار رخصة سياقة رسمية لمدة محددة يتم تجديدها دوريا. ولسنا بحاجة إلى القول إن كل دول العالم بملياراته الستة وملايينه التسعمئة قد توافقت على السماح للرجال والنساء المؤهلين والممتحنين بقيادة السيارة إلا في السعودية. وليس من المنطق أن تسمح كل الدول الإسلامية في العالم للنساء بقيادة السيارة إلا في السعودية، ومتابعة لنفس المنطق، ليس من المعقول أن يكون كل المسلمين، عداك عن غيرهم، على خطأ والنظام السعودي فقط يملك زمام الحقيقة المطلقة دون غيره، وأن كافة علماء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أخطأوا التأويل وسمحوا للمرأة بقيادة السيارة إلا حفنة من ‘علماء السعودية’ وجدوا في كتاب الله وسنة نبيه الكريم ما يرتكزون عليه لإصدار مثل فتوى كهذه.

قيادة السيارة اكثر صونا للأخلاق لا يمكن في مثل هذه العجالة أن نعدد الفوائد التي تعود على المرأة وعلى العائلة وعلى المجتمع ككل، فــيما لو انتزعت المرأة السعودية حق قيادة السيارة. ولكننا سنذكر أربع فوائد تعود بالخير على المرأة والعائلة بشكل خاص. وهذه الفوائد ليست اختراعا مني، بل من باب التذكير بما يعرفه كل الناس ويمارسونه بشكل يومي.

أولا: قيادة السيارة تقرب أفراد العائلة من بعضهم البعض. وهل هناك أجمل من الدقائق التي تقضيها الأم مع ابنتها أو ابنها عندما تصطحب أحدهما أو كليهما إلى المدرسة. وعندما تصل المدرسة تحتضن الأم ابنتها وتقبل جبينها وتدعو لها بالتوفيق والنجاح، أو عندما تنتظر ابنها بعد انتهاء الدوام فيدخل الطالب السيارة ويقبل يد أمه وجبينها ويعودان إلى البيت معا وتسأله الأم عن دروسه ومعلميه وامتحاناته وواجباته البيتية. نصف الساعة تلك صباحا ومساء مع البنت أو الولد تعزز الحب والاحترام والرحمة بين الطرفين، وتنسج علاقة حميمة تأتي ثمارها مع قادم الأيام عندما يتذكر الابن تلك السويعات التي قضاها مع أمه وتلك النقاشات الجميلة التي دارت بين البنت وأمها وترجمت إلى محبة عميقة لا تقدر بشيء. أتمنى أن تجروا مقارنة بين حسنات هذه الممارسة وقيام سائق غليظ من جنسية أخرى لا يتكلم اللغة ولا يعرف العادات وينظر شزرا من خلال المرآة، وهو مهموم دائما يفكر في مستقبله المهزوز هنا ويتلوى من القهر أو الحزن لسوء معاملة، أو شوق لأهل أو خوف من ترحيل.. لا ينطق بكلمة واحدة وإن نطق فلإعطاء أمر أو انصياع ذليل لأوامر ابن السيد أو ابنته.

ثانيا: قيادة السيارة تنقذ الأرواح وتخفف من المصائب. ليس غريبا ولا مستبعدا أن يتعرض الأطفال للحوادث والوعكات الطارئة والكسور والحروق، بل يقع مثل هذه الحوادث بشكل مستمر. وقد تقع حالات الطوارئ هذه والرجل قد يكون بعيدا عن البيت في سفر أو عمل أو زيارة أو حفلة ليلية أو تهجد في مسجد. فهل هناك من وقت للبحث عن مساعدة من الخارج وقد يكون الفرق بين إنقاذ الطفل أو موته دقائق، بل ثوان. صحيح أننا نؤمن بأن الأعمار في يد الله، لكن دور الأب والأم أن يعملا المستحيل لإنقاذ الطفل البريء. وماذا لو اندلق ماء ساخن على رجل طفل أو تعرضت أطرافه لكسر أو أصيب بحالة من الإسهال خطيرة فكل ما يخطر على بال الأم أن توصله بأسرع وقت للمستشفى. لا وقت للتردد أو التسويف أو المماطلة. فهل تقوم الأم أو الأخت الكبرى في غياب الرجل بالاكتفاء بالبكاء والدعاء بانتظار شرطة النجدة التي قد تتأخر كثيرا بينما يصرخ الطفل من ألم أو يعاني من إغماء؟ وماذا لو وقع الزوج نفسه أو الأب مغمى عليه من جلطة أو حالة إغماء أو كسر أو فيروس في المعدة وكان السائق في إجازة أو لم يكن هناك سائق أجنبي أصلا؟ ثالثا: قيادة السيارة أكثر صونا للأخلاق. ننطلق أولا من مبدأ أن المرأة شريفة خلوقة أصلا وليست كومة من لحم معروضة للناهشين. فالأخلاق ليس لها علاقة بالملبس أو المظهر أو المشي أو ركوب السيارة. ولكن لنفرض أن هناك امرأة من بين كل عشرة آلاف أو مئة ألف على استعداد للانحراف. فركوب سيارة ذات رقم محدد مسجل باسم صاحب السيارة يجعل الانحراف أصعب. فلو ان شخصا ما، رجلا كان أم امرأة، عمل حادثا وهرب يستطيع المارة أن يسجلوا نمرة السيارة ويسلموها للشرطة فيتم كشف الراكب وهويته وينفضح أمره وينتهي به الأمر في مخفر الشرطة، بل وتكون عقوبته مضاعفة بسبب الحادث أولا والهروب من مكان الحادث ثانيا. وهذا ينطبق على المرأة التي ستستخدم السيارة للقاء حبيب أو عشيق، فمن السهل كشف الموضوع بسبب السيارة التي تحمل هويتها المكشوفة والمثبتة في المؤخرة والمقدمة. المرأة الفاسقة تستطيع أن تمارس الفجور، لو شاءت، في غرفة نومها وفي بيتها وفي عملها، والمرأة الشريفة تحافظ على نفسها في البيت والشارع والسيارة والسوق والمستشفى والمنتجعات الأوروبية وحتى في النوادي الليلية. المشكلة ليست في المرأة بل في الرجال الشرهين الباحثين عن اللذة ويختزلون دور المرأة في السرير والإنجاب والطبخ والنفخ ويغيبون عن عمد الجانب الذهني لها ولدورها.

وأخيرا فإن قيادة السيارة تروح عن النفس وتتيح فرصة للسيدة العائدة من يوم عمل طويل في المدرسة أو المستشفى أو المصلحة الحكومية أن تسمع أغنية رقيقة لفيروز أو أم كلثوم أو محمد عبده تروح عنها قبل الوصول إلى بيتها لتضم إلى صدرها أولادها وبناتها. وقد تمر على عمل زوجها لاصطحابه إلى البيت فيجلس بجانبها ويستمتعان معا بحديث رقيق أو أغنية عاطفية أو حديث مشوق في المذياع. قيادة السيارة تساهم في تدريب الإنسان على احترام القانون واحترام الغير وتعلم المئات من القوانين العلمية التي تتعلق بالسرعة والمسافة وسرعة اتخاذ القرار وموازنة الأمور بدقة ومراقبة حرق الزيت والفرامل وصوت المسجل ومحطات الإذاعة والأزرار والكبسات التي تتعامل مع الأبواب والشبابيك والصندوق والكراسي ومسح المطر وتنشيف البخار وتشغيل الأضواء والإشارات وغيرها الكثير الكثير. إنها عملية عقلية معقدة يكتسب الإنسان، الذكر والأنثى، مع الأيام المزيد من الخبرة والتفنن والإتقان لهذه المهارة الحيوية فتتحول قيادة السيارة إلى شعار جميل منتشر في شوارع الأردن وسورية ولبنان: السياقة فن وذوق وأخلاق.

تخيلوا معي للحظة أن الولايات المتحدة أصدرت فرمانا على الطريقة السعودية بمنع المرأة من قـــــيادة السيارة أسبوعا واحدا فما هي النتائج المتوقعة؟ قد ينهار اقتصاد الدولة الأعظم وتتعطل المصالح الحيوية وتنهار البورصة ويغلق الكونغرس أبوابه وتتعثر برامج ‘ناسا’ وتتوقف حركة المواصلات والاتصالات وتغلق البنوك أبوابها ويختلط الحابل بالنابل وتعم الفوضى وينتشر الخراب. وربما سيقوم أحد علماء الدين في السعودية عندئذ بمباركة هذه الخطوة التي يرى أنها تنسجم مع تعاليم الإسلام. أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية