إلياس خوري في مَوقِفَين

أكرم مسلّم
حجم الخط
0

في روايته «مملكة الغرباء» يكتب إلياس خوري على لسان إحدى شخصياته في ما يخص استذكار الموتى: «هكذا يبرر الأحياء خياناتهم للموتى ببعض الكلمات العاطفية التي لا معنى لها. نحن نخون الموتى بشكل دائم، الكتابة عنهم هي ذروة خياناتهم. لكن هذا ليس صحيحا. مجرد استمرارنا في الحياة رغم كل هذا الموت هو خيانة. ولذا نلجأ إلى الذكريات كي لا نخون، ولكن في النهاية ماذا نذكر؟ لا نذكر إلا أنفسنا».
لا أظن إلياس يقصد بهذه العبارةِ المقتبسةِ إدانةَ الرثاءِ أو التذكّرِ، أو إدانةَ استئنافِ الحياةِ التي رقص لها في مشفاه الأخير قبل رحيله بأيام مع ابنته، بمقدار ما هي فعل تأمّل في الموت وسياقه، الموت الذي رأى فيه إلياس وجهاً من وجوه الحياة. لم أعايش إلياس، لأسرد ذكريات عنه ومعه، لكنني سأكتفي بموقفين شخصيين بسيطين لا يخلو أحدهما من طرافة.
لقائي الأول معه كان اللقاء الأخير وجاهياً، لكنه كأي لقاء أوّل ترك انطباعاً خاصاً. كان ذلك في مدينة بلجيكية لم أعد أذكر اسمها، في أكتوبر/تشرين الأول عام 2008 على هامش برنامج استضافته بلجيكا تحت اسم (مسارات فلسطين)؛ موسم طويل ومتعدد من الأنشطة مكرّس للثقافة الفلسطينية، شارك فيه عشرات الكتّاب والفنّانين والمثقفين من فلسطينيين وعرب اعتنقوا فلسطين. لم يكن يعرفني، وكنت بالطبع أعرفه اسماً كروائي لبناني كبير، ومناضل التحق بالثورة الفلسطينية في ظروف لبنانية خاصة ومركّبة، لكنني لم أكن قد قرأت له بعد. جلسنا، خمسة أشخاص لا يعرف مُعظمُنا الآخر على طاولة أشارت إليها السفيرة المثقّفة ليلي شهيد، وعرَّفَتنا بِنا، كان بيننا صحافي شاب قال إنه يعمل في نشرة ثقافية جديدة. سأله إلياس: من يموّل النشرة؟ فأجاب الشاب: نطمح إلى تمويلها من إيراد الإعلانات. فقال إلياس: لم أسأل عن الطموح، سألت عن الآن، من يموّلها الآن. راوغ الشاب مرّة أخرى محاولا التملّص، فأسعفه حضور نادل قطع الحديث، لكن إلياس لم ييأس ولم ينس الأمر، فعاد وسأل بعد ذهاب النادل: لم تقل لي من يموّل النشرة؟ لا أعرف ما الذي أجبر الشاب على أن يجيب بصدق بعد مراوغته، قائلاً: الأميركان. امتقع وجه إلياس وقال بعد رفشة من كأس النبيذ الذي ملأه النادل: عندما تصل الأمور إلى أن يستثمر الأميركيون في الثقافة العربية فهذا يعني أن وضعنا كارثي فعلاً. ما لفتني فضوله الإيجابي، واستشعاره الذكي لوجود نقص مريب في جواب الصحافي الشاب، وشجاعته في السؤال، وإصراره على المعرفة حتى النهاية، خاصة أن الأمر يتعلق هنا بموضوع ثقافي.
كان اللقاء الثاني افتراضياً عام 2018، يعني بعد عشر سنوات من لقائنا الحضوري الوحيد، صرت وقتها أعرفه أكثر، فقد كنت متابعا مقالاته في «القدس العربي»، وقرأت له «أولاد الغيتو- اسمي آدم» وأحببتها، وكان تعرّف إلي في «سيرة العقرب الذي يتصبب عرقا»، واستكتبني في شهادة ضمن ملف عن (الأدب الفلسطيني الجديد) في مجلة «الدراسات الفلسطينية» عام 2013. حدد معي عبر الإيميل موعدا لمكالمة تتناول ملفاً عن معلمي وصديقي حسين البرغوثي، أراد مني تحريره لصالح المجلة نفسها. كنت في البيت، رنّ جوّالي في الموعد المحدد، وعندما أجبت دون كاميرا، قال: «شو ما بدك إيانا نشوفك، افتح كاميرا يا رجل»، لا أحب الكاميرات لذا لم أستخدمها مسبقا، حتى إنني لم أحاول تجريب الأمر. لم ييأس. قال: «سهلة، اضغط على الأيقونة أسفل الشاشة من جهة اليسار»، فضغطت ويا ليتني ما ضغطت. ظهرت على الكاميرا. لم أكن مهيأ للقاء مرئي، كنت بـ»الشبّاح». ضحك إلياس أوّل ما رآني، وقال: «بحيّيك هيك الثوريين ولا بلاش، بلا رسميات بلا همّ..». سار اللقاء بينما أنا أذوب خجلًا في داخلي، فأنا في الحياة أقل شغباً مما أنا عليه في الكتابة. انتهى اللقاء ولم أُصحّح سوء فهمه لشبّاحي الذي رآى فيه راية ثورية.
عملت على تحرير ملف حسين. في الجلسة الافتراضية الثانية لمتابعة العمل، ارتديت «قميص الحرير» كما يقولون، وفتحت الكاميرا. فتفاجأت بإلياس بالشبّاح، ليقول: «لَكَانْ، ما في حدّ ثوري أكثر من حدّ، أنا اليوم بالشبّاح». يعكس هذا المشهد الطريف شخصية إلياس الشبابية والحيّة والمرنة والشجاعة المتعافية من العُقد الاجتماعية والشخصية، وأيضا حسن نيّته في قراءة الآخرين.
مات إلياس قبل أن نلتقي في جلسة أَريحيّة فأستعيد معه الموقفين. وكم تمنّيت لو كنت قرأت «باب الشمس» في حياته فشكرته على سحرها ووفائها وفنّيتها العالية. عندما رحل كتبت عنه جملة واحدة ما أزال أراها مفيدة، على حسابي على «الفيسبوك»: «كم اتّسعتَ بفلسطين! كم اتّسعتْ بك!». فكيف اتسعتْ بلدٌ بشخص؟ وكيف اتسّع شخص ببلد؟ المسألة أعمق من مجرد كتابته الكفؤة عن فلسطين، العابرة إلى لغات بفضل الترجمة، فالجملة تحيل إلى مسألة الهوية وخيارات إلياس المتعلقة بها، والطريقة التي كتب بها فلسطين بعد أن اتخذ منها مجازا لمأساة الإنسان، كذلك من الجانب الآخر ما أتاحه ذلك الزمن الفلسطيني المنفتح والحيوي «زمن الثورة» من حاضنة عريضة لإلياس ومن يشبهونه من الشبان العرب. هذا هو إلياس خوري وهذه هي أسراره، عاش على البرزخ وانتمى إليه، ونضج على التخوم، فرأى وروى.

كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية