إلياس خوري واحد من أبرز الأصوات الروائية العربية المعاصرة، الذي كانت فلسطين بالنسبة له قضية جوهرية وجرحا قوميا، وشكلت فضاء إنسانيا وأدبيا ظلّ يحضر في مقالاته ورواياته وأحاديثه بوصفه رمزا للمأساة والذاكرة والحقّ المسلوب. وبعد نكسة 1967 انخرط خوري في الكتابة عن القضية الفلسطينية، متكئا على حساسية فنية عالية، وباحثا عن كيفية تحويل التاريخ والدم والشتات إلى سرديات قادرة على الحياة، بعيدا عن الشعارات المباشرة والخطابات الجاهزة.
وفي مقالاته النقدية والفكرية، وقف خوري مدافعا عن فلسطين بوصفها، جوهر العدالة الإنسانية في المنطقة، ورأى أنّ القضية الفلسطينية اختبار للضمير العالمي والعربي معا، ولذلك كتب باستمرار عن مخيمات اللجوء، وعن النكبة المستمرة، وعن أثر الاحتلال على الوعي الجمعي، متتبعا كيف يمكن للكلمة أن تصبح وسيلة مقاومة وصونا للذاكرة.
وفي رواياته، كان الحضور الفلسطيني أكثر كثافة وعمقا؛ ففي رواية «باب الشمس»، التي تُعدّ من أهم أعماله وأكثرها انتشارا، بنى خوري ملحمة سردية عن المخيمات الفلسطينية وتجارب الفقد والمنفى والبطولة اليومية، في محاولة لإعادة كتابته عبر حكايات الناس البسطاء الذين عاشوا النكبة وما تلاها. وقد استطاع أن يمنح الفلسطينيين في نصوصه صوتا يعبر عنهم من الداخل، كاشفا عن تفاصيل حياتهم وهمومهم وأحلامهم، بحيث تحولت الرواية إلى نص مرجعي في الأدب الفلسطيني والعربي. وفي ثلاثية «أولاد الغيتو» واصل مساءلة الذاكرة الجماعية، واستحضار المأساة الفلسطينية كجزء من السردية الإنسانية الكبرى عن المنفى والهوية والاغتراب.
إنّ علاقة إلياس خوري بفلسطين تتجاوز البُعد العاطفي أو التضامني، فهي علاقة تأسيسية في مشروعه النضالي والأدبي والفكري؛ إذ شكّلت فلسطين مرآة لفهم معنى الحرية والعدالة، ومنحته مادة غنية لبناء نصوص روائية مركبة تعكس تشابك الذاكرة الفردية والجماعية. ولعلّ سرّ فرادة تجربته أنّه كتب عن فلسطين من موقع المحبة والانتماء الإنساني، فجعل من المأساة الفلسطينية مأساة كونية، ومن حكايات المخيمات أساطير معاصرة تحفظ الذاكرة وتفتح أبواب الأمل.
قبل وفاته بأشهر، كتب مقالة وهو يرقد على سريره في المستشفى، منها: «لا خيار أمام الفلسطينيين في غزة وفي الضفة والقدس، سوى العودة إلى الأول. ففي الأول تبدأ الأشياء جديدة وتحمل نكهة الحرية. ففلسطين هي أول العرب وتأويل العرب، وأول القيم وتأويل القيم. ففيها تعلمنا معنى الحرية والمقاومة والحب، ورأينا أمامنا أفقا لن يستطيع أحد إقفاله في وجوهنا». وفي مقالة أخرى على السرير ذاته يقول: «كيف يفقد الشجاعة من امتزجت تجربته بالتراب منذ بداية المقاومة الفلسطينية؟ غزة وفلسطين تُضربان بشكل وحشي منذ ما يقارب العام أيضا، وهما صامدتان لا تتزحزحان، إنهما النموذج الذي أتعلم منه كل يوم حب الحياة». عندما توفي إلياس خوري في 15 سبتمبر/أيلول 2024 كان وقع ذلك كبيرا ومؤثرا عند الفلسطينيين، كيف لا، وهو فلسطيني حقيقي وإن كان لبناني الأصل، فقد كان لفلسطين كأحد أبنائها البررة، كان عضوا في حركة فتح الفلسطينية، وعمل محررا لسلسلة «ذكريات الشعب» الصادرة عن مؤسسة البحوث العربية، ومديرا لتحرير مجلة «الكرمل» الفلسطينية، ورئيس تحرير لمجلة «الدراسات الفلسطينية» حتى وفاته. إنّه عاشق فلسطين ومن أبرز الأصوات وأنقاها وأجملها. ولذا جاءت شهادات النخبة الفلسطينية تشيد بإلياس خوري ومكانته المرموقة في قلوبهم، وفي ما يلي عدد من هذه الشهادات لكتاب من فلسطين والأردن:
استحضر الشاعر وسيم الكردي لقاءه الأول مع إلياس خوري في نص شاعري قائلا: «التقيته مرة واحدة، في مسرح المدينة في بيروت، كانت الحياة تطل من بين يديه كأغصان متشابكة، ترسم الفضاء بنسغها. كانت تنبت من بين كلماته، نظراته، نبضاته.. وتطل على كل وقت. وتأخذنا معها إلى نصوصه قصصه وروايته، ولكنها كانت تأخذنا أيضا إلى معنى أن يكون المرء إنسانا ذا رؤية وخطوة وهوية.. في حياته حياة وفي موته حياة، إنه إلياس خوري».
وفي مقالة لها كتبت الروائية سامية عيسى: «كان غريبا في بيئة الثقافة التي لم تخلُ من النفاق وحب الظهور وازدواجية المعايير. ولكنه كان ثابتا لا يحيد عن قول كلمة حق من أجل المظلومين. وكان أشجع من عرفتهم أو قرأت لهم من عمالقة الكتابة والأدب والشعر والفكر. لم أره يوما يحيد عن قول الحق أو الحقيقة ولو كلّفه ذلك حياته. كنت أخاف عليه أحيانا من نفسه ومن شجاعته النادرة، ولكنه لم يكن يتراجع، حتى حين يخوض صراعا فكريا حادا يصل إلى حد التحول إلى صراع شخصي، ونفور من أولئك الذين لا يتورعون عن الانحراف عن درب الحقيقة.. ظلت فلسطين في قلبه في كل المواجهات الفكرية والسياسية التي خاضها، وجعل من نفسه ابنا أصيلا لها، لا متبنى.
كان مجتهدا ومتورطا بحب فلسطين. لا يكل ولا يمل عن العمل من أجلها. إن في الأدب أم في الصحافة أم في أي كلمة يلقيها أو يكتبها في أي ندوة أو مؤتمر هنا في العالم العربي، وهناك حيث يروّج الغرب زورا عن خطاب معاداة السامية، كتهمة تطاول كل من يجرؤ على فضح جرائم إسرائيل. كان يكتب من أجلها حين يكتب عن أي حدث أو ثورة إن في سوريا أم مصر أم لبنان أم تونس، أم غيرها، بل كانت فلسطين هي الرابط بين كل ما يكتبه أو يفعله من نشاط. فهو ليس مجرّد مثقف أو أديب، إنّه إنسان أولا، ومناضل شريف، وروح تنزف بالحقيقة والكلمة الحرة والمفارقات المدهشة وجرأة الوقوف حتى بقدمين تتعثران من دوار التفاصيل وهو يسير في شوارع بيروت، شاردا مهموما في رواياته. كان يكتب روايات فلسطين بعصارة روحه ونبل فظاظته، حين يقارع المنافقين والمنافقات. لا يأبه بمودة زائفة على حساب المعنى الذي شغل حياته، في البحث عنه والذي اختار فلسطين عنوانا له».
وعن رواية «باب الشمس»، يقول الباحث عماد موسى: «قام خوري في تحفته «باب الشمس»، بالتشمير عن ساعديه وخاض في عبء الذاكرة ورعب النسيان، وما كان لأحد من الكتاب العرب أن يكون بهذا القرب من ضمير أهل فلسطين. وما استطاع، أحد عربا أو فلسطينيين قبله من أنسنة النكبة وتجاوز جمود التاريخ».
وعن علاقته الإبداعية الخاصة يقول الشاعر رائد وحش: «يرافقني إلياس خوري في حياتي الصغيرة، مثل صديق يعرفني أكثر ممّا أعرف نفسي، فألجأ إليه دوما ليعينني على فهم العالم، والطبيعة البشرية، والتحولات الاجتماعية الكبرى، من خلال تجربة استثنائية مجالها الكلمات. صوته الخارج من سطور الكتابة مثل صوت البحر، يحدّثني طويلا عن الحياة المتخمة بالشِّعر، عن الأشياء التي تغيم فلا نعرف من ضبابية المشهد أيُّنا الحقيقي: نحن أم خيالاتنا! وعن الهوية المنقسمة على نفسها والذوات المتشظية، وعن الكلمات التي تغدو أقسى وسائل التعذيب. إنّ خوري أدرك سرّ الأدب جيدا، فهو واحد من أكبر الرواة المعاصرين في اللغة العربية».
يستذكر جمال حويل عضو المجلس الثوري لحركة فتح فدائية ونضال إلياس خوري قائلا: «إلياس خوري، هذا الرجل اللبناني الأصل، فلسطيني الانتماء والهوية، رفيق المقاومين وملهمهم، رفيق درب العظام من الثوار، إلياس الإنسان المتواضع، الأكاديمي المثقف، القاص الروائي، والناقد والكاتب المسرحي، والأهم الفدائي الحر، رجل الوحدة والكلمة الجريئة المقاتل الجريح في معارك الثورة في مواجهة الاحتلال. إلياس خوري رفيق مخيم جنين ومقاتليه منذ عشرات السنوات، رفيق الخيمة والفقراء والمضطهدين، إلياس خوري الذي لا يترك يوما أو هجوما صهيونيا، إلا ويتواصل معنا مطمئنا علينا، ومؤكدا لنا وحدة المقاومة، ومفتخرا بالمقاومين والفدائيين. يتابع معي التفاصيل العامة في المخيم، وكم أكون سعيدا عندما يتحدث معي بلهجة الأب القلق على ابنه أو أخيه الصغير، ضحكاته تبث الأمل والإرادة والسعادة، لهذا الاهتمام من رجل فدائي استثنائي جريح في معارك بيروت جمع العلم والعمل والأهم الثبات في مواقفه، رافضا كل إغراءات الدنيا لإنّه كان يرى فلسطين ولبنان والأمة العربية أكبر وأهم من شخصه. لقد فتح لنا «باب الشمس» على مصراعيه وتحدث عنا كلاجئين وشعب فلسطيني بطريقة لم يكتب عنها أحد، لأنّه عاش في زقاق وحارات المخيم، وعاش معاناته وظلمه وجرحه وألمه وأمله بالعودة»
وعن كتابات إلياس خوري وأثرها يقول عاهد حلس: «كلما قرأتُ له مقالا جديدا، أو خبرا عن إصدار جديد له، أشعرُ كما لو أنني أقفُ أمام حبة برتقال لم تزل على شجرتها لم يقطفها أحد، أو تسقطُ على الأرض منذ أمّد، رغم انتهاء الموسم، إذ غالبا ما يكون هذا النوع من البرتقال بقشرة مجعدة وطعم مركز.. لقد تغيّر الزمن، ودخلنا في موسم جديد مختلف تماما؛ أصبح فيه محمود درويش وإدوارد سعيد وياسر عرفات وجورج حبش وغسان كنفاني وناجي العلي ورموز أُخرى ثقافية ووطنية في تعداد مكونات الذاكرة الفلسطينية.. وقد كان إلياس خوري أحد المكونات الجميلة التي ظلت مُعلّقة على شجرتها، رغم انتهاء الموسم في الحقل الفارغ من الثمر.. مَنْ يسرح في سرِّ هذا الحب والانتماء الذي حَملهُ إلياس خوري في قلبه اللبناني (بيولوجيا) والمسيحي (بالوراثة) يعرفُ كم هو جدير بأن يبقى على غصنه رغم انتهاء كل المواسم والفصول وتوقف الزمن.. إنّه ليس ثمرا في موسم وانتهى، ولكنه السؤال الخالد في معنى أن تكون إنسانا بالغ الجمال. لقد قررَ أن يكونَ صديقا لزيتون دير استيا ومنشدا للسنابل في ترمس عيا ومرج ابن عامر وطبريا وصفد وللرمل الساخن في بئر السبع، فقام بإعادة تجميع بلور الهوية العربي المكسور بحرص عالم الجمال لأنّه يعرفُ أنّ قطعة واحدة لا تكفي لمثقف عربي حر، وأنّ أجملَ شظايا الهوية العربية هي فلسطين فخبأها في روحه فنزفت حبرا جميلا واستثنائيا. لقد صنعّ بنفسه ولنفسه هوية وتركنا نسرحُ في معنى الجمال المشع عندما تكون الهوية اختيارا طوعيا يتحدى قانون الوراثة».
ويخاطب الناقد والباحث والأكاديمي فخري صالح إلياس خوري: «لقد كنت فلسطينيا، بمقدار ما كنت لبنانيّا.. حلمت بمستقبل مشرق للإنسان العربي، وتحرر هذه المنطقة، المنكوبة بأنظمتها وتياراتها السياسية من التبعية والخنوع.. كان ضميرك حيّا فلم تمالئ الأنظمة ولا التيارات السياسية الخانعة».
ومن سجنه كتب الروائي الأسير باسم خندقجي: «ثمة علاقة وجدانية مفعمة في اللغة السرّانية تجمعني بإلياس خوري، الذي أطلقت عليه «عبقري الرواية العربية»، رغم أنني كنت في بداياتي الأدبية المتواضعة منهمكا بالتجول، حالما بأنني شاعر في دواوين محمود درويش هاربا إلى الشعر من سرديات خوري المتحدية وقدرته الخلاقة على إدراك فلسطين المنكوبة في سردية ومشهدية روائية استحالت قرية مقاومة فوق أحد التلال المطلة على القدس الأبية، وذلك حين قامت مجموعة من المقاومين والمقاومات ببعث الحروف والكلمات وأنفاس خوري السردية ومقامات العشق الخاصة ببطلي الرواية نهيلة ويونس فوق ذلك التل، لتلد المغارة شمس حرية مست السردية الفلسطينية بدفئها. إذ هو دفء خوري المستمد من دفء حكايات النكبة وويلاتها، لتغدو معه الحكاية ليست حكاية نقد ورثاء وعويل، بل حكاية ذاكرة حية. خذ بيدي يا إلياس خوري ودلني إليّ، وإلى حكايتي، وكن رؤوفا بي عندما تعلمني الدرس الأول القاضي بأنّ الكون أرحم وأجمل، وأنّ الرواية معادية للإقصاء والعنصرية والحقد، الرواية مرايا، والمرايا أقنعة، والأقنعة حروف وكلمات وجمل وفقرات وفصول وامرأة، امرأة تلدك تارة وتلدها تارة أخرى».
وحول مكانة إلياس خوري يقول رياض كامل: «عند الحديث عن إلياس خوري يجب أن تقف على رجليك احتراما وتقديرا، وأن تحني هامتك إجلالا لما قدّم من إبداع غني. بإمكانك أن تفعل ذلك وإن كنت تختلف معه في رؤيته السياسية، لكن دون أن تختلف مع أحد حول مقدرته في تحريك السردية الروائية الحديثة. الأديب إلياس خوري قيمة وقامة باق في سيرته ومسيرته».
وعن إلياس خوري المعلم تكتب الروائية ليانة بدر: «امتزجت حروفك وكلماتك بحياتنا، وانبعث إشعاع الشجاعة والأمل في النصوص التي كتبتها وكتبناها.. صديق الروح وفلسطين والحقيقة.. ومع هذا تنسكب دموعنا حاملة أحلامنا الكبيرة بأن لا تغيب، وأن تظل شعلة من الإيمان واليقين، لأننا تعلمنا منك أن لا نهزم في معارك الكلمات.. ستظل، ولن ننسى كل ما أعطيته لنا».
يستحضر الروائي عاطف أبو سيف، وزير الثقافة الفلسطيني السابق إلياس خوري ودوره الكبير: «كتب لفلسطين ودافع عن سردية العربي الأصيلة، وشارك في نضال شعبنا حتى لحظة فاضت روحه إلى بارئها.. لكن تظل كتابات إلياس جزءا من حكايتنا التي نريد للعالم أن يعرف كما لأبنائنا أن يحفظوها.. يكاد يعرف كل شيء عن فلسطين من التاريخ والجغرافيا إلى ثورتها التي شارك فيها إلى تفاصيل ودهاليز السياسة إلى الحياة وحكايات البقاء.. كان أحد الحرّاس القادرين على حماية السردية العربية من الانزلاق والتيه».
وللكاتب إبراهيم جابر إبراهيم رأي مختلف عن إلياس خوري: «كان وجوده في السنوات الأخيرة يُشكّل عبئا أخلاقيا على عالم تخلَّص بمهارةٍ من الأخلاق. رجل من زمن ياسر عرفات ومحمود درويش وفدائيي الفاكهاني ومجلة الكرمل. من زمان كان كل شيء فيه يبدو بسيطا وينتهي ملحميا. كان وجود الرجل عبئا رومانسيا على القضية التي تريد في زمانها هذا أن تنسى صورها القديمة وأغانيها وغوايتها وشبابها. من يريدُ أن يرى ظِلا يمشي في الشارع بلا صاحبه؟».
كاتب أردني