بـ ‘أرض اليمبوس’ يواصل خوضه في المناطق الوعرةعمان ـ من أحمد مرزوق: في الرواية الجديدة للكاتب الأردني إلياس فركوح ‘غريق المرايا’ (دار أزمنة – الدار العربية للعلوم) تتجاوز الصورُ الفوتوغرافيّة، ‘أشكالَها المرئيّة المُعطاة من النظرة الأولى، بوصفها تصويراً وتمثيلاً من تصاوير وتمثيلات أشياء العالم’، كما يقول هو نفسه، لتدخلَ منطقة العالم الخاص الكائن في تلك الأشياء، ‘تحرفُ ماهياتها الظاهرة المباشرة وتُفارقها، لتصبحَ، هي بذاتها، تأويلاً ‘وليس تفسيراً وشرحاً’ أجتهده أنا للعالَم رامياً إيّاه تجاه وعي القارئ، واجتراحاً أضفره في نسيج الكتابة عن عالم خصوصيّ آملُ من سواي أن يقرأه في كتابي’. في هذه الرواية، التي يعتبرها الناقد فيصل دراج ‘تجديداً في تجريب روائي، بدأ من زمن ويستمر في زمن لم يأتِ، يخوض إلياس فركوح في منطقة جديدة وعرة، يواجه تحد آخر، من تحديات الكتابة الصعبة، التي تعيش قلقا دائما، إذ تبرز الصورة في الرواية كعنصر مهم وأساسي، فلا يكفي، بالنسبة إلى إلياس فركوح، إدراج ‘صورة الشيء’ بين الفقرات السرديّة على صفحة الكتاب ليكون هناك حوار بين نوعين من التعبير، ‘إذ ينبغي، بالنسبة إليّ على الأقل، أن أصلَ إلى ما هو مُشترَكٌ ومُكْمِلٌ ومُضْفِرٌ ليتنامى حوارٌ مفهوم بين منطوق الشيء في الصورة بحسب قراءتي له، والاستجابة المتفاعلة والفاعلة الكائنة في السرد الذي أكتبه’. حاولت ‘غريق المرايا’، يتقصد صاحب ‘أرض اليمبوس’ الكتابةَ على نحوٍ يأتي بجديد، لا على مستوى ‘الخطاب/ المناخات/ المواضيع/ الرؤية إلى الوجود’، التي طالما أولاها عناية كبيرة، وإنما السعي للوصول إلى بِنيةٍ تجترحُ لنفسها تواليها، وتغايرُ، في الوقت نفسه، ما بِتُّ أراها ‘نصوصاً ضيقة’! باختصار: لقد تغذّى النصّ اللغوي/ السردي بالنصّ المرئيّ/ الصُوَري، كما تغذّى الثاني بالأوّل وأوْسَعَ في مداه. إنها عمليّةُ تغذيةٍ يتبادلانها أثناء الكتابة’. إن تنوعات الصورة في ‘غريق المرايا’، وفقاً إلى الناقد العراقي لؤي حمزة عباس ‘تتحقق بالقدر الذي تضيء فيه عوالمها، وهي تؤدي مهمة مركبة تحافظ فيها على استقلالها’. أسأله إلى أي حد يمكن للمتنافر من العناصر والمختلف أن يلتئم في بنية سردية تتطلع إلى أن تكون جديدة وخارج السائد؟ فيجيب قائلاً: ‘إن الرواية لن تكون روايةً إذا ما خالَفَت ‘جوهر’ الحياة والواقع’. ‘وهذا الجوهر، بحسبي، إنما يتجلّى في هذا الاصطخاب العظيم لعناصر الحياة في كل ساعات يومنا. في كل أيام سنواتنا. في كل سنوات أعمارنا. إنه اصطخاب المتعدد، المتنافر، المتعاكس، المتقاطع، الموازي، المتصادم والمتصادي’. عند الجلوس للكتابة، يفشي هنا إلياس فركوح بعض أسرار الكتابة لديه، فيقول: ‘تراني أُحْشَدُ بالتاريخ لحظة البدء بالولوج في تخيّل تفاصيل المكان وشخصياته. التاريخ القريب أعني، وما عِشتُ قسطاً منه بالفعل. لا مفر لي من هذا. كل ذلك يعبرُ عليَّ حاملاً معه طعومَه، وألوانه، ولغاته، وتلك ‘الدمدمة ذات الصدى’ الحافرة فيّ لأكتبها. ولا مفر لي. أقولها من جديد وأكررها، لأنني أصبو لإفراغ محمولي هذا على الورق لتُبنى حكاياتُ الرواية. إذا لم أفعل، فإني، في عَين ضميري، خائنٌ للجميع: لي أولاً وأخيراً، وللشخصيات ومصائرها، وللمكان، وللأوقات التي عَبَرَت، وللرواية إذ أخذلها بتحميلها سَقْط الخيال المحض غير المرتكز على حيثيات الحياة’. ولا يعرف صاحب ‘الملائكة في العراء’ إذا ما كان قد اجترح بنية سرديّة تتطلع إلى أن تكون جديدة وخارج السائد، بيد أن ما يعرفه حق المعرفة هو أنّ الرواية ‘تتحلّى بـ’جوهر’ الحياة في واقعها اليومي. جوهر يجمع في صميمه كل المتناقضات، ليُدخلها دوامةَ الصَخَب العظيم الناتج من تلاطمها، وارتطاماتها، وتطاحنها، فتكون الحياةُ هي الحياة التي نعرف ونعيش. نعرف ظاهرها ونعرف، أيضاً، كيف نقرأ كتابها الدفين على نحونا، ونعيشه بالكتابة فيه وعنه’. في رواية إلياس فركوح، الجديدة فعلاً، لن نعدم إشارات إلى الكتابة، في ما يشبه الكتابة عن الكتابة داخل الكتابة نفسها، من خلال الكلام عن كتابة تفك الحصار. هذا الانشغال بالتفكير في الكتابة، يبدو أصيلاً لدى صاحب ‘ما هذا البيت المشترك’، وينسجم مع رؤيته إلى الكتابة. إذاً ليست ‘غريق المرايا’ هي الأولى التي يتجلى فيها مثل هذا التأمل، تجربتي في الرواية الثانية ‘أعمدة الغبار’ بُنيَت بعضُ مشاهدها أو فصولها وفق هذا المنظور، ولقد نَوَّهَ إلى ذلك الأستاذ إدوار الخرّاط في تقديمه لطبعتها الأولى حينذاك، منبّهاً لهذه الخاصيّة. كما ثمة الكثير مما حمل جوانبَ التفكُّر بآليّة الكتابة حين تُنْجَز بالمقارنة مع ‘الحكي’، وكيف تتغيّر الواقعة الواحدة وتنحرف حين تخضع للتَرَوي والتَأَني وإعمال الفكر المصاحب لفعل الكتابة، منحازةً لجاذبيّة اللغة وما يمكن أن أصفها بـ ‘عقلانيتها’. كان هذا واضحاً لمعظم مَن قرأ وكتب عن ‘أرض اليمبوس’. الكتابة لدى إلياس فركوح واحدةٌ من عمليات فكّ الحصار عن ‘المُعطى الجاهز والملوَّن والمصنوع في كل الحكايات، والأخبار، ووقائع التاريخ المدوَّن. أفكُّ حصارها بإطلاقها خارج الأُطُر التي حَبَسَها فيها مَن قام بتكريسها، إما تقصيراً سببه نقصان الاطّلاع، أو تحصيلاً لمنفعة قريبة أو بعيدة المدى، أو تجنباً لـ ‘فضيحة ما’!’ نعثر في ‘غريق المرايا’ على ما يشبه الفوضى، لكن المقصودة، وكأنها، أي هذه الفوضى، أضحت مسعىً أساسياً في العمل. ماذا تقول؟- الرواية، كما أفهمها، ليست إسباغاً لمفاعيل العقل المتواطئ والمتدبِّر لفوضى العالم. الرواية لا تهدف إلى إقناع القارئ بما هو معروضٌ في واجهات وسائل الإعلام كإجابات حاسمة، ومراكز الأبحاث والدراسات كمسلّمات، والإحصاءات والبيانات الصادرة عن المؤسسات كأرقام. الرواية لا تتواطأ مع ‘الخارج المرسوم’ بالاستسلام لحججه والتسليم بـ ‘روايته’، بقدر ما تعمل على الحفر ‘في ما هو تحت’، وبالتالي لا تزعم لنفسها أيّ امتلاكٍ لحقيقة أو إجابات. الرواية تسأل وتُشْرِكُ كل مَن يقرأها في عمليّة التفكير بـ ‘احتمالات’ الجواب. ولأنّ فهمي للرواية كما أشير؛ فإني أميلُ إلى بنائها وفقاً لفوضى العوالم التي تتعرض لها بالسرد. عوالم تتقاطع أو تنعزل بلا أيّ قصديّة متأتية عن شخصياتها، وكثيراً ما تكون خاضعة للمصادفة المحضة أو ما يشبهها. عوالم تُبنى بمعزلٍ عن الترتيبات المسبقة، ثم تُهدَم من دون إرادة أناسها أو رغبتهم.
أو ليست الحياة هكذا؟
مع ذلك؛ إلّا أنّ لكل رواية ‘تسلسلها المنطقي’ في كيفيّة بنائها، وإنْ بَدَت على غير اتساق في مشاهدها أو فصولها الأولى عبر القراءة السريعة. إضافةً إلى أنه من اللائق بأيّ كاتب وواجبه الأخلاقي احترام ذكاء القارئ، باعتباره طرفاً مشاركاً في ‘تَدَبُّر’ صياغة النصّ وتشكيله من جديد. نحن لا نقدّمُ شروحاً للواقع، بقدر ما نطرح واقعاً تعوزه الشروح الصادقة وانسيابيتها المزعومة.’ نحن أيضا في مواجهة مع كتابة تسعى إلى دحض المرجع، إضافة إلى أن فصول العمل أو أقسامه، التي يأخذ كل واحد منها عنواناً واستهلالاً وصورة خاصة به، أحياناً ما تعبّر عن فصول متصلة منفصلة، كأنما العمل هنا يتوسع بفضل ما تخوضه من مغامرة إبداعية لا تعرف الحدود؟’ هذا صحيح في ما يتعلق بالفصول المتصلة المنفصلة، أو، لتحري الدِّقة، أقول: الفصول المنفصلة مستقلة كابتداء، لكنها المتصلة الموصولة كلّما تواصلَت وتتابعَت كنسيجٍ يتناظم في خيوطه ليشكّلَ قماشته السرديّة المتوائمة مع بعضها بعضاً.’ تجربتي في ‘غريق المرايا’ عملَت على التحرك الحذر والمحسوب بين التخوم. تخوم القصة القصيرة كوحدة من وحدات متوالية قصصيّة من جهة ‘وهذه من الإنجازات السرديّة النادرة في الأدب العربي، كما تعلم’، وتخوم الرواية كفضاء يتسع لتعدد الشخصيات واختلاف الأمكنة والأزمنة والحالات. إضافةً إلى ضَفْر هذا وذاك بقراءات جُوانيّة للصور المنشورة وأخرى رَسَمَت نفسها بالكلمات عبر السرد. بين تلك التخوم تحركَت مجموع وحدات أو أقسام أو فصول النصّ لترسمَ له مساراته الخاصّة كلّما نما، وتَتابَعَ، وحفرَ، وكَشفَ، وانْكَشَف لقارئه ولـ ‘نفسه’ أيضاً. بهذا المعنى أميلُ للاعتقاد بأنّ ‘غريق المرايا’ كُتِبَت من دون الانتساب إلى مرجعٍ سرديّ واحد محسوم. فمن حيث التقسيم في وحدات، تكون أقرب إلى المتوالية القصصيّة. أما إذا أُخْضِعَت للفضاءات التي تدور فيها، وتعمل على تشكيلها كشخصيات ذات صِلات وعوالم وأمكنة ووظائف حياتيّة وهموم وحكايات؛ فإنها رواية بكامل معناها. ناهيك عن مجموع الروافد الخاصّة ‘كل شخصيّة على حِدة’ المؤدية إلى سؤال المصائر وغموض الأفولات.
ثمة وحدة في المعنى/ المعاني المطروقة بأثقال التساؤلات، وأقصد بهذا ‘الموت’ بوجوهه المختلفة. وبذلك نكون حيال حَبْلٍ غليظ تندرج في أليافه الوحدات الصُّغرى، أو الفصول والأقسام المعنيّة بذوات الشخصيات وعوالمها الخاصّة، إنْ كانت متداخلة أو منعزلة. وهذه، في ذاتها، تُعَيِّنُ وتحددُ التعددَ داخل وحدة المعنى وتُثريه بالأبعاد الإنسانيّة ومذاقاتها المتنوعة.
أنحنُ ندخل في تجربة الجديد ‘لا أقول التجديد’ لنخرجَ بما يُرضي طموحنا للوقوف على أرضٍ نكتشفها ‘أو ما نظنّها كذلك’، محاذرين السقوط في خديعة الشكل الخاوي من مبرراته؟’ تلعب الرواية على غرائبية بعض الشخصيات، وكذلك غموض مآلاتها، أي في شكل عام على عدم الوضوح في الكثير من التفاصيل التي تحيط بحياتهم. وكأن ‘غريق المرايا’ تتحرك في حقل لا شيء فيه حقيقي، وحقيقي في الوقت نفسه؟’ أن نقول بعدم الوضوح إنما نؤكد على مساحات مُعتمة يعوزها ما يكفي من نور وإضاءة. يعوزها الكشف عن الناقص منها، وفيها، ليكتمل معناها. إذاً؛ نحن حيال تلك المناطق الملتبسة في معيشنا اليوميّ، ومصائر حيوات بالآلاف ملفوفة بالنقص وعدم الاكتمال. ‘ ماذا أفعل عندما أواجَه بشخصيات كهذه تطالبني بكتابتها؟’ سأقول لك: مواجهتي ستكون هي تأملي لمبدأ ‘الوجود الناقص’. وإني من الذين يميلون، وبقوة، للاعتقاد بأنَّ الاكتمال محض أسطورة أو مجرد خرافة، وفي أحسن الأحوال افتراضٌ ورجاء. غير أنّ هذا من المستحيلات التي يبرهن التاريخ والواقع اليومي عليها. نعم؛ كثيرة هي شخصيات رواية ‘غريق المرايا’ مضفورة بغموض المصير. أي: ببياض النهايات المطالبة بأن نقوم بتعبئتها، أو بالسواد الخافي لبقيّة حياتها، وبالجُمَل الناقصة المنتهية بنقاط اللانهاية. وأعرف أنَّ مسألةً كهذه لهي مما يطيبُ لكثيرٍ من الروائيين الَلعب عليها بإعمال وتفعيل مجموعة افتراضات، وبذلك تستوي الروايةُ عندهم بإجاباتٍ تقول بأنّ الحياة قيد الفهم والتدارُك وإمكان السيطرة. وأنّ لكل معضلةٍ حلولها. وأنّ بمقدورنا كشف مستور الغامض، إلخ. بصراحة: لستُ من هؤلاء. إذ كيف لكائنٍ مثلي، يستندُ إلى جدار السؤال الصلد العنيد، أن يتواطأ على ‘حقيقة النقصان’ في أشياء العالم ومخلوقاته؟ ثم دعني أقول معلناً وشاهداً على أنَّ ‘غريق المرايا’ بقدر ما هي حَفْرٌ في طبيعة نشوء مجتمع مدينة عمّان، فإنها، في الوقت نفسه، مفتوحة على خشيتي الكامنة على مصيرها الغامض. مصير أناسها، إنْ عبروا بها وتلاشوا كأنما لم يكونوا يوماً، أو أولئك الذين يدركون إمكان التهديد بإدارة مستقبلها بإرادةٍ تجيء من خارجها! ‘ ينفتح زمن الرواية على زمن عصيب. حروب واجتياحات واغتيالات سياسية، وحضور لمفكرين ومناضلين وأدباء تقدميين. كل ذلك يشير إلى أنك تنحاز إلى لحظة بعينها، بكل ما تعنيه من ظلال سياسية واجتماعية ونضالية؟’ بكل تأكيد. فأنا وليد تلك اللحظة الممتدة حتّى الوقت الراهن. عايشتُ كثيراً من تفاصيلها وأحداثها. عارفاً بحكاياتها من أصحابها تارةً، وشاهداً على بعضها تارةً، ومنخرطاً ببعضها الآخر في أوقات. كانت، وما زالت، جزءاً من يومياتي ويوميات جيلي وذاكرته. اللحظة السياسيّة العربيّة، إذا أجرينا مراجعةً هادئةً لها، نجدها لحظة عصيبة وقلقة وصاخبة ودمويّة بامتياز، وتبدو كأنها مفتوحة على لا نهائيات! تتجدد وتتناسل وتتعمق وتتلوّن جارفةً معها عبر هدير الزمن وجوهاً وشخصيات ناضلَت بحق: ناضلَت وبذَلَت بنزاهةٍ وأخلاقيات ومُثُل وطنيّة باتت مفقودة، وها ترانا نبحثُ عن ذِكْرٍ لها يناسبها ويليقُ بمكانتها، فلا نعثرُ إلّا على ما يشبه الفتات وخفوت الظلال! هل غابت عن الذاكرة العربيّة، أم غُيّبَت قصداً لتُدفَن في أرشيف التناسي والإهمال!
نعم؛ هي اللحظة السياسيّة العربيّة المتأبّية على الانتهاء وكأنها متأبدة. اللحظة المحاصَرة بالسقوطات والانهيارات والدم. المُسيَّجَة بجبريّة الأفول. انحيازي لهذه اللحظة هو اعترافي بوجودي الفردي داخلها. وشهادة وفاء وتقدير وعرفان وتذكير بجميع الذين بذلوا من دون حساب، المجهولين منهم أسوةً بالذين عُرفوا. وإنّ واحدةً من إشارات كتاب ‘غريق المرايا’، هي إقراري بكل الرماد الثقيل المخيّم على ما مضى وما سيجيء!’ أتراكَ تعاينُ، بصفاء ووضوح، نهايات لـ’أشيائنا’ العربيّة بمقدوركَ أن تكتبها؟’ من جهتي؛ لقد رسمتُ شريحةً صغيرةً مما أعرف لتكون مشروعَ قراءة، تختلف معها أو تعاضدها، فذاك ليس سؤالي. ما يعنيني هو القراءة كفعلٍ استنباطيّ للمكتوب.