إلياس فركوح: قاموس من الاختلاف والوعي المستريب

حجم الخط
0

د. محمد عبيد الله

مبدعون قليلون جمعوا بين الكتابة بمعناها الابداعي، والوعي النظري والنقدي المصاحب لها، بمعني الدفاع عن توجهاتهم ونصوصهم بصورة تنظيرية متميزة تقدم مفاتيح لنصوصهم مثلما تسمح لهم بالشروع في تشييد مشروعات كتابية تتجاوز المنجز النصي الي صيغة أوضح قد تمثل اتجاها أو تيارا ابداعيا مميزا. الياس فركوح واحد من أولئك الذين حافظوا علي الكتابة السردية الجديدة في الثلاثين عاما الأخيرة، دون أن يكون انتاجهم كميا فحسب، اذ سعي منذ البداية الي الاعتراض علي توجهات الخارج أو المجموع لصالح الفرادة الذاتية والصوت الخاص، ولم يكتف بتقديم قصص وروايات تقع في باب الخصوصية الذاتية، وفي باب الكتابة التي تتلون بصاحبها وتشتق فرادتها من خصوصية شخصيته ورؤيته، بل تجاوز ذلك الي خوض نقاشات نقدية وحوارات متعددة دفاعا عن توجهاته، ليس من باب مساندة نصه فحسب، بل ليبلغ برؤيته حدا ما من حدود النظرية الأدبية التي لا يكفي النص وحده لاقامتها.

وهكذا ترافق النص السردي عند الياس فركوح مع رؤية نقدية وفكرية تعمق التوجهات والخيارات الجمالية، وهي رؤية غير ثابتة أو جامدة، بل ان الأسئلة المستريبة المتحولة تقع في عمق تلك الرؤية لتحولها الي صيغة من القلق المنتج للابداع والمحرك للتجريب الذي لا يعرف التوقف. ولعل المفتاح الأساس لكتابة فركوح أن نقرأه مبدعا ومنظرا، وأن نتمكن من تحديد تلك التوجهات المخاتلة التي تتأبي علي الضبط والتحديد، واذا كانت النظرية في العادة أكثر وضوحا وتحديدا من النصوص الممثلة لها، فان حالة الياس فركوح مختلفة ومغايرة: نظريته تستقي طبيعتها من نصه، ونصه أيضا متأثر بنظريته، ولذلك فكلاهما متحول غير قابل للاستقرار أو الثبات والاكتمال، وفي اطار هذه الحالة المستريبة التي تتولد من وعي مستريب تتفجر أسئلة الكاتب وتتعدد نصوصه في صورة شهادة عليا علي عالمنا الراهن ولكن من منظور مغاير ومختلف.

الحداثة والتجريب والتجديد وكل قاموس الاختلاف.. يمكننا أن نعبر منه الي نصوص فركوح، كما يمكن أن تنقلنا كتابة فركوح دائما للبحث عن توصيفات مغايرة لها، فهي لا تشبه الا صاحبها، وهي تنطلق من رؤية متطورة وخاصة الي وظيفة الكتابة والي أبعادها وماهيتها ومواصفاتها، وكل هذا يستدعي القارئ المشارك لا المتلقي الذي ينتظر التسلية والحكمة، القارئ عند فركوح يشارك في النص من خلال ما سيتحمله من تعب ومشقة في التأويل وفي التحاور مع تلك الأسئلة المسننة التي لا تتوقف الا لتبدأ. انها لعبة الصيد المخاتلة اذا شئنا استعارة عنوان احدي شهادات الكاتب، ولذلك تحتاج قارئا يتقن هذه اللعبة ولا يعرف الاستسلام.

ومن جانب آخر تتوافر هذه التجربة علي مداخل متعددة للناقد والدارس والقارئ، ليتابع جانباً مضيئاً من حركة السرد العربي، ولا يعني هذا أنها تجربة سهلة أو متاحة، وانما هي تجربة متحدية تحفر في أرض بكر، وتحفِّز قارئها علي استنهاض طاقاته محاورةً وتساؤلاً، واذا شئنا استعارة عنوان احدي شهادات الكاتب (لعبة الصيد المخاتلة)، فاننا سنصف هذه الكتابة بأنها من ذلك النمط المخاتل، الذي ينأي عن التحديد والانضباط النهائي، مثلما تفارق منطق الجواب الي حيرة السؤال، وتسعـي الـي تلك المناطق المخاتلة التي لم تألف الكتابة محاورتها، ومجابهتها. وكل نصّ من نصوص (فركوح) ينفتح علي أسئلة وخيارات متعددة، وطبقات متداخلة، يقف أمامها القارئ، بما يشبه طرق الأبواب المسحورة في حكايات التراث، تلك الأبواب التي تتناوب بين المغلق والمفتوح، وتظلّ تتعدد وتتكاثر، في متوالية متتابعة من غير أن تصل الي صيغة الباب المغلق، أو الأفق المسدود.

وتجربة (فركوح) عامّة من تلك التجارب الجديدة التي تمرّدت علي بعض ما رسَّخته الكتابة القصصية حتَّي الستينات والسبعينات، وبامكاننا أن نعدّ القصة القصيرة (كجنسٍ أدبي) من تلك الأجناس التي بنيت علي التجريب وتعدد الخيارات، ولا نستطيع أن نضبط مرحلة واضحة من حياتها اتَّسمت بالتحديد أو الضبط، ولذلك ظلَّت عصيَّةً علي التعريف المتَّفق عليه، وحتي اليوم لا نستطيع أن نتبيَّن ماهيّتها بوضوح، فهي جنس مخاتِل بتعبير فركوح نفسه، وليس من صيغة نهائية لها، مثلما ليس هناك منهج بعينه يمكن أن يكون صالحاً لِمحاورتها، وانَّما يمكن اللجوء الي منهج قرائي مفتوح، يقرأ النصّ بالنصّ، ويحاول أن يعني باكتشاف آليات حركته وتركيبه ومساءلة ملامحه الأسلوبية من داخله، ووفق العناصر الجمالية التي يقترحها.

أما الياس المثقف والانسان فتجده علي مقربة من الأجيال الجديدة دائما، يفتش دوما عن النصوص الجديدة، ويتبني كناشر اصدار المتميز منها، وفي سلسلة (تباشير) التي أصدرتها دار أزمنة منذ بداية التسعينات صدرت أبرز المجموعات القصصية لجيل التسعينات القصصي، وخارج هذه السلسلة ساهم فركوح في تطوير نشر الكتاب الثقافي والأدبي المتخصص علي الرغم من تراجع الاهتمام بهذا النوع من الكتب انعكاسا لتراجع الثقافة نفسها في السنوات الأخيرة. يواصل فركوح نشاطه في عمان بعد تجارب مداخلة، ابتداء من عمان القديمة التي ولد فيها وعرف تحولاتها من داخلها، مرورا بالقدس التي درس في مدارسها، وكتب عن تلك التجربة في بعض قصصه المتأثرة بالسيرة الذاتية، أما بيروت فلها موقع خاص فهي مدينة الأصدقاء والنضج وانطلاق الكتابة. وقد يتخيل بعض القراء أن كتابة فركوح ليست كتابة مكانية بالنظر الي انشغالها بعناصر سردية أخري وباللغة وجمالياتها الرؤيوية، ولكن المدقق في نصوص فركوح سيجد اعتناء غنيا بالمكان في بعض مجموعاته القصصية وفي روايتيه، ولكن بطريقة مغايرة في معاينة المكان والتفاعل مع جمالياته، وهي طريقة مشتقة من خيارات فركوح وأسئلته وتأملاته المختلفة.

كتب الياس القصة القصيرة والرواية والشهادة الابداعية والمقالة النقدية ـ الأدبية، كما كتب قراءات تقع في باب النقد لبعض التجارب السردية والأدبية، وساهم في الترجمة وفي الصحافة الثقافية وحركة النشر، وهو حتي اليوم يبحث عن أفق جديد ولا يستقر له حال، وربما هذا ما يدفع كتابته الي التجدد والي التطور بعيدا عن التراكم الكمي الذي لا يضيف جديدا لكاتب مكرس منذ زمن بعيد. يضاف الي ذلك أنه أحد الأسماء المحلية القليلة التي حققت حضورا عربيا وعالميا مميزا، فنصّه مقروء وموقعه في صدارة الأسماء المرتبطة بالكتابة الحداثية المتجددة. الياس فركوح مثال نادر للمبدع الحقيقي المنشغل بمهمته الأساسية في الحياة: أي كيف تكون كاتبا ومبدعا وبأي معني؟ وما الذي يترتب علي هذا الخيار الصعب؟

شاعر وناقد من الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية