مطاع صفدي
هل نقول أن لبنان يُشغل بانتخابات فرعية في جبله المدعو (بالمتن)، وربما شغَّل معه الرأي العام العربي المهتم وكمتابع للشأن اللبناني. وبالطبع تابعت سفارة أمريكا في بيروت تطورات الحدث في كل تفاصيله، وتدخلت كالعادة في خلفياته، وحتي في مقدماته. وأوروبا الاتحادية، بل الفرنسية، لم تكن أقل انشداداً (تاريخياً) للحدث، بل عضوياً كذلك لأن صخرة لبنان، جبل لبنان، جزء مؤسس من جغرافية التراث الفرنسي وتواصلها التاريخي مع المسيحية الشرقية.
إنتخابات فرعية فاز فيها ممثل التيار الوطني العوني ـ نسبة إلي قائده الجنرال ميشيل عون ـ مقابل فشل رئيس حزب الكتائب أمين الجميل، الذي كان يترأس لبنان خلال الثمانينات وإبان الحرب الأهلية. فالمعركة تتجاوز المقعد الماروني إلي دلالة أشمل تتناول مصير الزعامة الأحادية للجبل الماروني، كمحور للزعامة المسيحية لكل لبنان. هذه الصورة التبسيطية تفتح علي أفق أوسع، للصراع علي لبنان نفسه. هل يكون هذا البلد الصغير الكبير عربياً، وعضواً رئيسياً في صف الممانعة ضد الشرق الأوسطية، أم أنه يقع فريسة الشره الأمريكي الفاغر فاه لابتلاغ الاقطار المشرقية واحداً بعد الآخر.
إنها الديمقراطية اللبنانية التي لا تزال تتمسك بمظاهرها الاجرائية، لكنها تعجز عن الانفصال عن تضاريس الواقع الطوائفي والعشائري المستحكم في عمق الصورة من كل حدث سياسي يلمُّ بهذا البلد. هنالك هذا القطاع من طبقة الزعامات المسيحية (المارونية) التي لا يمكنها أن تري في لبنان كوطن، إلا كأمارة مملوكة لصاحبها المسيطر عليها بالوراثة أو بالعنف المذهبي، أو بالدعم الأجنبي أو بكل هذه العوامل مجتمعة وسواها كذلك. فليس من تقاليد الأمارة أن تكون منتخبة، وإلا انحطت إلي مستوي سلطة زمنية عادية. إن لها سطوتها المترفعة عن إرادة أتباعها. وهؤلاء الأتباع شاؤوا أم أبوا، فهم راضون بها، ومتعصبون لأسمائها ورموزها. فإذا ما حلَّت (الديمقراطية) في ربوع الأمارة ينبغي لها أن تتخلي عن مفاهيمها. فتتقبل صاغرة إبدال مبدأ الانتخاب بآلية إنتاج الزعامة التقليدية عينها، ولكن تحت حلة التمثيل الصوري. أي أن الانتخاب في ظل الأمارة ليس خياراً بين عدد من المرشحين، بل هو تكريس آخر للزعامة التقليدية بأصوات الأفراد، وليس بصوت الجماعة ككل فحسب. ديمقراطية الأمارة تجديد شكلاني للسلطة المتوارثة. أما عندما تطرح فئات سياسية أو حزبية نموذجاً تغييرياً خارج هيكلة الأمارة القائمة، فإنها تقع بين احتمالين: إما أنها تجد نفسها مضطرة لممارسة عين الآلية التقليدية في تحشيد الأنصار علي أساس استدعاء الروابط العائلية والعشائرية والمحلية، وفي هذه الحالة يدَّعي الإصلاحيون أنهم يستثمرون واقعية العلاقات الأهلوية عينها، ولكن لأهداف التمكن من الخروج علي إطاراتها فيما بعد، حين الوصول إلي مراكز القرارات السياسية العليا. وإما أن أصحاب التغيير يضربون صفحاً عن واقعية العلاقات القائمة جملة وتفصيلاً، ويتطلعون إلي مخاطبة جمهور آخر مجرد، قد يعثرون علي بعض ممثليه في هوامش مبعثرة، أو في مساحات فالتة خارج الهيكلة المستقرة للتوزع الاجتماعي التابع لها.
من هنا ينبغي النظر إلي النظام الطائفي المعترف به رسمياً في لبنان، علي أنه في حقيقته هو نظام أمارات أهلوية سياسوية قبل أن تكون دينية أو عقائدية. فالتفاصل المستفحل بين الطوائف لا بد من إرجاعه إلي طبيعة النظام الأماراتي نفسه. إذ لا تقوم الأمارة إلا من منطلق التآمها وانضمامها علي بعضها، ما يستوجب انفصالها وعزلتها عن سواها. إنها إطار منفتح كلياً علي داخله مغلق تماماً إزاء الخارج. وما يعنيه هذا الانفتاح هو الحاجة العضوية الخالصة لخلايا النسيج الواحد كيما تتكامل وتتعاضد فيما بينها. فالأمارة هي مجتمع الأقليات. وهو المجتمع النافر من الأغراب. فمن يمثله لا بد أن ينبع من بنيته عينها. أي أن يكون أميراً جديداً، وإن كان يدّعي اختلافاً، أو أنه يجيء ضداً علي الأمير التقليدي، بما يرفعه من شعارات حداثوية، وما يطرحه من برامج إصلاحية غائمة مبهمة.
وطن الأقليات هو أقلوي كذلك. يُراد له أن يكون أمارةَ الأمارات. لكن هذه الأمارة (الكلية) تظل هدفاً تجريدياً يحوم تائهاً فوق أمارات قائمة من قديم الزمان، وقد تكلست إطاراتها. صارت أشبه بقلاع، تبدو أسوارها شفافة إزاء بعضها. لكنها حاجزةٌ مانعةٌ ضدَّ كل تماسّ فيما بينها، وقبل أن يكون لبنان وطن الأقليات، كان اسما لجبل موزع إلي أمارتين للمسيحيين الموارنة، وللدروز الموحّدين. وعندما سيطر الانتداب الفرنسي علي بلاد الشام، بما فيها طبعاً (جبل لبنان)، وما عدا ربعها الجغرافي الجنوبي: فلسطين والأردن، الملحقَيْن بالانتداب البريطاني، فقد صمّمت فرنسا، أوائل عشرينيات القرن الماضي، علي تحقيق حلم الوطن المسيحي. أرادت لأمارة الموارنة أن تتوسع وتحكم دولة لبنان الكبير. وهذه الصفة (الكبير) جاءته من سلخ أربعة أقضية سورية وأضافتها إلي جغرافية الجبل. لكن أبناء هذه الأقضية كانوا في غالبيتهم من المسلمين أو المسيحيين الأرثوذكس والدروز. ومع ذلك أرادت سلطة الانتداب إقامة دولة مسيحية علي قاعدة أغلبية غير مسيحية، وغير مارونية تحديداً.
لقد قضيَ لبنان فترة استقلاله كلها محاولاً تَبْيئة الصيغة الطوائفية في كيان دولة ديمقراطية وعلمانية. لكن الطوائف أمعنت في إنتاج أنظمتها السياسية الفرعية الخاصة بها علي شكل أماراتها التقليدية. وخلال الحرب الأهلية التي طالت خمسة عشر عاماً ونيفاً، استردت هذه الأمارات أقاليمها الجغرافية كذلك. أمسي لبنان الأرض والواقع موزعاً حسب خارطة لقومويات متفاصلة، تكاد تكون عنصريات في السياسة والتعامل اليومي فيما بينها. فلم تستطع مرحلة السلام التي أعقبت اتفاقية الطائف، استعادة الدولة الجامعة. حتي عندما وقعت حرب تموز 2006 تظاهرت إسرائيل أنها تحارب الشيعة ممثلة في حزب الله. أي أن العدوان يستهدف أحد (شعوب) لبنان فقط وليس الدولة ولا الكيان. وقد صمد هذا (الشعب) الفرعي وأخفق العدوان الاسرائيلي الوحشي. فكل النقاش السياسي الذي أعقب هذه الحرب، متصاعداً إلي حدود المآزق الخطيرة المنذرة كالعادة بأوخم العواقب، إنما يجري بين أمارات مغتربة عن بعضها، بالرغم من أن ألسنة الزعماء لا تزال تلهج بدعوات الوفاق والمشاركة والحفاظ علي السيادة والسلم الأهلي. ذلك ما يثبت أن كل هذه الخصائص هي المنقوصة وغير الموجودة. إنها ترسم ملامح الواقع الصعب الذي صار من المتعذر، أو من الاستحالة، تجاوزه والعمل علي بناء بدائله المطلوبة.
لقد أُريد للدولة اللبنانية أن تغطي واقع الأمارات القائمة. لكنها قلما نجحت في ستر العورات. بل ربما فاقمتها ونقلتها إلي مستوي الخصائص التي تميز (الكيان) اللبناني، وتشكل فرادته بين بقية الكيانات الدولتية العربية. فالسلبيات قد تنقلب إلي إيجابيات في ثقافة الواقع التجزيئي المتحكم في الحراك الجيوسياسي لكليات المنطقة العربية. إذ يبدو أن كل قطر بات مهدداً بتفريخ قطريات فرعية داخله. وفي لبنان تحديداً، وبعد كل مأزق بنيوي، تعود الطلائع الثقافية إلي المناداة علي الصيغة الحداثوية، الموسومة بالتعددية الإيجابية والتنوع الإثني والثقافي المبدع، وإرساء هوية المواطنة فوق كل الاستتباعات المتعضية الموروثة. غير أن الصيغة التركيبية المتناقضة لازدواجية الدولة/الأمارة، لا تلبث أن تجدد حاكمية الصراع المواقعي بين الفئويات، بديلاً عن العلاقات المجتمعية السوية المنشودة. كل أمارة لديها مشروع اختطاف للدولة. والدولة في النهاية لن تكون ملكاً لفئة دون أخري، لأنها لن تكون موجودة. كذلك تنسحب كل مساحة تخص مفهوم الوطن الواحد للجميع، لتحل مكانها مساحات الأقاليم الفئوية المتفاصلة المتجاورة، جغرافياً وإنسانوياً.
وفي اللحظة الراهنة من عنف المأزق الشمولي الذي يجتاح لبنان الوطن والمصير والإنسان، كأنما يحين موعد مع ولادة أخري غير مسبوقة للدولة بدون الأمارات هذه المرة، أو للأمارات بدون الدولة نهائياً. بمعني أن عصر اختطاف الدولة لحساب هذه الأمارة أو تلك، قد ولَّي. كذلك في الوقت عينه إن لم تنجح مبدئية المشاركة الوطنية أخيراً، وبعد كل أهوال الصراع علي الفرادة والأحادية، في تجاوز مناورات المحصاصة وأفخاخها، فلن تكون هناك دولة، ولن تصمد أمارة أمام أخري. فلم يعد يمكن لدولة لبنان أن تتقاسمها الأمارات وأن تظل مع ذلك دولة لكيان واحد متمتع بالتكامل البنيوي والسيادة الوطنية المتكافئة. هذا الوضع يخلخل البنية الاجتماعية، وهو الذي يترك فراغات سياسية وثقافية بين التكوينات المتغالقة ضد بعضها، كيما تتسرب منها وإليها التدخلات الأجنبية. كل أمارة ضعيفة في ذاتها ومحتاجة إلي الدعم الخارجي.
كان التحدي النهضوي اللبناني يطرح، من منعطف إلي آخر، الحلولَ الصعبة للجسر علي الهوة بين النموذج الأماراتي والنموذج الدولتي. وقد دفعت الطلائع المتنورة أثماناً باهظة وراء مشاريعها في التغيير. كان الحلم النهضوي هو في إنتاج المجتمع الآخر ما فوق تضاريس الواقع القروسطي المستمر في هذا النظام العام المحروس بالسلطات الغيبية، المتمكنة من السيطرة علي مفاصل الحراك السياسي. فلقد تعذّر دائماً إنشاء المؤسسة السياسية في معزل ثقافوي وحقوقي عن الكنيسة والجامع. فلبنان الذي شهد تاريخه المعاصر أرقي الحركات الأيديولوجية، سواء منها القومي أو العالمي، إلا أنه مع ذلك كان سريعاً ما ينشد متراجعاً إلي أرومات الأمارة القروسطية، إثر كل نكسة سياسية تعصف بالبلاد بفعل الرياح الخارجية أولاً.
قد تكون اللحظة الراهنة هي الذروة الأعلي التي يبلغها تصاعد الجدلية التناقضية الكبري المحايثة للكينونة اللبنانية، ما بين حاكمية المحاصصة وثقافة المشاركة. فالأولي صنعت جحيم الحروب الأهلية المتعاقبة. والثانية لا تزال تغذي النوايا المصيرية، دون أن تكون قادرة بعد علي إبداع تلك العلاقة (الإعجازية) بين ثورية الأفكار وقابلية الأشياء.