‘إمرأة خارج الزّمن’: لا تُفسح في المجال للنسيان

حجم الخط
0

عبده لبكيهل تسير الحياة في شعب كثيرة، ثمّ لا تلبث أن تلتقي في طريق واحد، لا يُعرف من يرسمه، القدر أم الإرادة!

؟ وقد يتوهّم المرء عندما ينظر في المرآة أنه جزء من الزمن، ولكن سرعان ما تلتهمه التساؤلات، فإذا هو في صراع مع الزّمن. هذا ما تسجله سلوى البنا في روايتها الصادرة مؤخراً ‘إمرأة خارج الزمن’ فتستوقفنا أمام شكل الدائرة التي لا تعرف لها نقطة للبداية، ولا أخرى للنهاية، وكأنها محاولة لأنسنة الأبعاد في الزمان والمكان. ثمّ يأتي اللامنتظر ليتصرف بمكوّنات الواقع، فلا يعود للكائن غير المجازفة، حائلةً بينه وبين ما يريد أن يشعله على القمّة. طبعاً، إنّها حالة تقود إلى الألم عبر ترددات داخلية، لكنّها من صنع الخارج. هذا الخارج الطّالع من المجهول بل من الغياهب، وهو يزداد ثراء من خصبنا. يلفتنا في مقاربة سلوى البنا وجدانية الحدث متلازمة والصيرورة، وكذلك الواقعية ذات الطابع المحلّي التي ترقى إلى الشمولية، دون أن تفقد شيئاً من خصوصيتها. وتتابعها، فتأخذك في صور متلاحقة من الوصف الناسج أجواء الرّؤى، تعيشها وتتأملها. وتنتظر من الكاتبة إشارات أخرى وأنت في حدقة التوقع، إذ أن ثمة مسألة مطروحة وليست من عالم المجردات، بل هي في الولادة من الشوق، إنها القضية. قضية وجود أو لا وجود. ورغم الضياع الكياني، فإنّ التشبث بحدود هي من صميم الحق في الوطن وليس منه بديل، يستمر عبر التقلبات وصروف الحدثان، ويستمد طاقته مما في القلب ومما في الذاكرة، مما في الطفولة ومما في تجربة اليفاع. وقد يتحول إلى الآخر، رغم تراكم المتغيرات، لعل فيه ما ينقذ.. في رواية ‘امرأة خارج الزمن’، الأشياء المعقودة داخل النفس لا تفسح في المجال للنسيان، إذ أنها في حوار داخلي لا يتوقف. وقد نلاحظ بين حين وآخر بعض الهدوء، ثمّ ينكشف عن أمواج من الرفض والغضب الدفين، وهو غضب يبرره الحق وليس من أذن تسمع.

لقد كان من الطبيعي أن يتخلل مجريات الرواية ذلك الهتاف الهادر بصمت: هتاف القلب وهتاف الصداقة، هتاف الأخوة وهتاف البنوة، هتاف الغربة وهتاف الثورة، هتاف الحياة وهتاف الموت. أليس أن ما هو ناجم عن المعاناة يصبح أكثر تجاوزاً فتسمعه حتى الحجارة!

؟.

يُذكّرني أسلوب سلوى البنا بإبداعيّات ‘ماركيز’ الذي في سرده نقرأ الأحاسيس الغامضة، ينسجها مع ضباب التأمل ويحيطها بهالة من الشعر الواصف، ثم يسوق دقائق حالاتها تحت أشعة تلتمع فتوشّح بيواقيتها حواشي الشعور، وتتلاقى جميع العواطف والمشاعر وتلتحم بالمبادئ والقيم، وكذلك تنحدر إلى حيث الواقع تجتمع فيه كل ما ترميه الأيدي، أو يتساقط بفعل الزمن أو اللامبالاة، وأحياناً اليأس.

والكاتبة في دقة تَتَبُّعها للتفاصيل تسمي الأشياء بأسمائها إمعاناً منها في الواقعية، وإدراكاً لخفايا الداخل البشري، وقد أبدعت في إخراجها إلى الضوء، من خلال المظاهر على غرار الغشتالتيين.

سلوى البنا لا تصف اعتماداً على الخيال أو التخييل، بل على المشاهدة، حيث لكلّ من الحركة والشكل حالات لا تخفى على العين النافذة إلى الكامن المتحفز في العتمة، وحيث الرؤية بتؤدة تفضي إلى الكشف.

وحتى في غياب المتكأ والأرض، لا يفوتها أن توثق نفسها بالصاري الذي شراعه فاتح صدره للرجوع، هذه طبعاً حالة، وإن علتها الكآبة إلى حين، إلاّ أنها سرعان ما تطلق حمائم الأمل لكي لا يعود الماضي مجرد حلم، بل يصبح موئلاً يتوازن فيه العيش اليومي ومثاليات الفكر الإنساني، حالة من الانفتاح على جميع الجهات. نعم، ولكنها حالة من الانغلاق أيضاً على ما هو حميم وثمين من حياة جماعية لم ينقطع نبضهاً يوماً.

أما الخروج من الذات، فيبقى هو المأزق لأننا نطرح السؤال: ولكن، إلى أين؟ ألا يشبهه الخروج من الوطن أو هو إيّاه! أو أن الخروج من الوطن يعوّض منه دخول الذات، ولكن ليس للانزواء، بل للانتظار، وغالباً ما يكون في ظل المقدس من القيم وأيقوناتها، طالما أنّ الوطن محمول في الذات ويتوالد، وطالما أن للذاكرة دفترها من ورق الزيتون وزهر الليمون وحجارة الشهادة، وأيضاً من خبز الجدّات و’قهوة الأمهات’.. إنها المفارقة الكبرى حيث الكينونة في أبعادها الثلاثة: الأرض والذات والكلمة، يقهرها البعد.

وثمة حديث آخر يرافق الجسد حيث يحل، في الوحدة والانفراد، وفي الجماعة والمشاركة، وفي القضايا الكبرى واليوميات الصغيرة، كأن لا انفصال بينها أو تباعد، ما دام الالتزام واحداً في الحل والترحال.

سلوى البنا تنقل ما تداركته خلال السنوات بوعي وإدراك، دلالة على أن ما في اللاوعي لا يني يخاطب صاحبته في فترات السكون التي تتيح للأطياف والزمن الغابر أن يتمثلا أمام الأعين، بل أن يجلسا إلى مائدة الكاتبة ليقاسماها الخبز المجبول بزيت الحنين، ويستمعا معها إلى اصوات ما تزال حية رغم خروجها من البساتين، لأنها في البهاء.* كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية