إمكانية إقصاء الآخر غير متاحة في ظروف مصر الراهنة

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياب

دخلت مرحلة الاحتراب الديني والسياسي في مصر طورا جديدا يجب التنبه إليه والعمل على تجاوزه، ولن يكون ذلك إلا بتوافق وطني وجدية كاملة في بناء دولة ديمقرطية لكل مواطنيها دون تمييز، وهي دولة يقوم عليها نظام سياسي تتكافأ فيه الفرص ويتنافس عليه القادرون بغير شقاق أو احتراب، وبذلك يتاح للجميع الاحتكام إلى صندوق الاقتراع في اختيار من يسوس ويتولى الأمر؛ وفيه تتجسد الإرادة العامة، وينتقل القرار إلى الشعب صاحب السيادة ومصدر شرعية الحكم الجديد في نهاية الأمر. ولا يمكن أن يتحقق هذا في بيئة مشحونة بالطائفية والمذهبية والانقسام الجغرافي والاجتماعي، وفي ظل افتقاد العدل والمساواة، ولا في مناخ ملبد وغائم وغامض، بعوامل الشد والجذب بين حكم قديم، توفرت له الإمكانيات المالية والبشرية والدعم الإقليمي والدولي، وهي إمكانيات كبيرة ومتنوعة، لذا لا يريد أن يغادر أو يسلم بسهولة، وفي المقابل نجد القوى الجديدة الصاعدة تواقة إلى البناء وتهيئة الظروف التي تحررها من قيود وضغوط الحصار الخانق والواقع المتردي، وتواطؤ كثير من الممسكين بخيوط الإدارة والأمن والاقتصاد؛ وكلها معيقات لبناء الذات ومعطلة للتكافؤ في حلبة المنافسة السياسية والحزبية.

ومع ما هو معروف بأن العمل الثوري يقوم به الثوار، فإن الإدارة الراهنة لا تعيره الاهتمام اللازم، وتكتفي بالمسكنات والترقيع والوعود وما على الثوار إلا الانتظار، وبدت الفترة الانتقالية مجرد نقل سلطات وليست تغيير نظام فسد بنظام آخر مبرأ من الفساد والانحراف. وبناء النظام الجديد يحتاج جهدا إيجابيا ومضنيا، وظروفا أكثر تهيئة وإعدادا لهذه المهمة العسيرة، وبذلك تجتاز مصر ما تمر به من فتن وانفلات أمني وعجز مؤسسي. ودون تهيئة وإعداد مناسب فلن تقوم الدولة المنشودة، ولن يعود لها دورها ولا مكانتها. وطال انتظار إكتمال الثورة وانجاز مهمتها الكبرى في تطهير البلاد واجتثاث فساد الحكم البائد وانحرافه من جذوره، وعلاج ما نخر من سوس في عظام السلطات القائمة حتى الآن، وغاب الأمل في حكم رشيد؛ يوفر الحرية والحياة الكريمة والأمن للوطن والطمأنينة للمواطن. وبدا أن الحكم الرشيد مهمة شاقة، وإمكانية ما زالت معطلة بسبب الخلط والشد والجذب، الذي يبدو متعمدا بين الثورة والثورة المضادة، وغياب الجهد الرادع لفك الارتباط بين الإثنين. وأولى الخطوات على هذا الصعيد هي التصدي لفزاعة خطر الرأي المخالف، وفزاعة الإقصاء المزعوم لقوى الثورة بعضها البعض. والفزاعتان تبدوان بهدف إعادة انتاج حكم بوليسي وحشي يجري استنساخه من خلايا سرطانية نشرها حكم حسني مبارك الطويل في جسد الدولة، فضمرت واختزلت في عائلة ورَّثت بدورها الحكم لابنها الأصغر؛ فعاث في الأرض فسادا وروع الآمنين وقهر الناشطين وصادر الحق في الاعتراض والاجتهاد والمشاركة. وكأن من يعيدون البلاد مرة أخرى إلى ذلك الاتجاه لم يروا ما آل إليه حكم حسني مبارك وسقوطه المدوي؛ هو ومن معه ومعارضته الصورية بانقساماتها وإذعانها وضعفها.

وقد تكون الإشكالية الراهنة هي في عدم وجود معارضة؛ نظرا لغياب نظام سياسي سليم وفعال، وواقع سياسي موزع بين قوى تصرخ، وأخرى تجأر بالشكوى، وثالثة تلهج بالتأييد والثناء. ومن سمات واقع كهذا أن القوى التي تشعر بأنها الأكثر عددا والأوسع انتشارا تبدو متعالية ومستكبرة، مع أن الإحساس بالقوة لدى أي فصيل لا غبار عليه إذا لم يكن في مواجهة الناس، ولا يترك آثارا جانبية منفرة من رموزه فتبعدهم عن الشعب، وعلى الضفة الأخرى فإن الاعتراف بقوة الغير ليس عيبا ولا ينقص من قدر الأضعف، إذا كانت ثقته بنفسه عالية؛ واعتماده على ذاته أصيلا وتعاونه مع الغير صادقا، وسعيه لامتلاك ناصية القوة المشروعة قائما. والعيب هو في رؤية نواقص وعيوب وأخطاء الأقوياء دون تنبيه أو تحذير. ما كان محظورا تحت الحكم البائد لا يجب أن يكون كذلك الآن؛ فالعداء للنقد والتقويم سمة من سمات الاستبداد والفساد التي تمتع بها حكم حسني مبارك؛ بضيق أفقه وعناده، واعتقاده بأنه على صواب ونصف إله طول الوقت. وهذا أفقده جدارته السياسية والإنسانية؛ حيث كانت تأخذه العزة بالإثم وتركبه النشوة إذا ما استمع لرأي منافق يؤيده، ويخرج عن طوعه وينكل بكل رأي ناقد ومخالف له، والأجدر هو من يجد في نفسه عيبا فيصلحه ومن يرتكب خطأًً فيعتذر عنه ويصححه ولا يتمادى فيه.

حاجة الثوار الآن ماسة إلى التعاون والتنسيق قبل الشقاق والاحتراب، ولن تقوم لهم قائمة بعيدا عن وفاق وطني وشعبي حقيقي وجامع، ولا يستقيم ذلك بينما هناك من يسعى للإبقاء على الفراغ الموجود وإضعاف الجميع كي يحتكر القوة لنفسه ويضعف غيره أملا في القفز على الحكم. وهي سنة أخذ بها مبارك فانهار وانهارت معه البلاد. والاحتراب والشقاق يتمان بفعل اختراق القوى المضادة للثورة لصفوف الثوار؛ وهي قوى تجد السند والمدد من زبانية الحكم البائد بعمقه الإجرامي وتحالفه مع البلطجية ولصوص المال والأعمال وطلقاء السجون وأصحاب السوابق، وجلادي الشرطة ووحوش أمن الدولة وامتداداته في جهاز الأمن الوطني الجديد؛ وهو جهاز مستحدث في الشكل والهيكل وقديم في المضمون والوظيفة. وكي تحل المنافسة محل الشقاق والاحتراب علينا اكتشاف العجلة من جديد، وتحديد مواطن الإجماع ومواقع الاختلاف؛ وهي واضحة ومعلومة، ومواطن الإجماع تتلخص في تأكيد المثل العليا والتمسك بالثوابت الإنسانية والوطنية، وضماناتها الدستورية، التي تحمي الحريات، وتصون الكرامة، وتوفر الحياة اللائقة، وتحقق العدل الاجتماعي، وتضمن المساواة السياسية والقانونية، وتدافع عن التراب الوطني؛ كلها ليست محل خلاف، وهي مبادئ ‘فوق سياسية’ ومن بعدها فليتنافس المتنافسون اتفاقا أو اختلافا.

وذلك هو الأساس للنظام الجديد المجسد لمصالح الشعب، الذي لا يقصي أحدا. والشقاق والاحتراب تفجرهما حساسية مفرطة تجاه الرأي المخالف، ولا تبدو نفس الحساسية المفرطة ضد البعض ودعواته الفظة لقتال المخالف في الرأي والاعتقاد، ولا مع التسامح والعفو المغرض مع جرائم مبارك وبطانته؛ باستبدادهم وفسادهم وتبعيتهم واعتدائهم على الأبرياء وقتلهم للشهداء، وفي هذا دعم كبير للثورة المضادة. والإقصاء ليس ممهة صاحب الرأي أو الكاتب، ولا يقوم به شخص مهما كان وزنه ودوره، لأن الاستئصال عمل مؤسسي يستمد مواصفاته من طبيعة المنظومة القادرة على ممارسته؛ وهي صاحبة سلطان؛ توفر القوة المادية لتحقيقه، وتملك الطاقة على العنف المفرط، ولديها إمكانيات الترويع وإلحاق الضرر بالآخرين، وتحت تصرفها المال الذي يرعى الخارجين على القانون وإفساد أكبر عدد ممكن من الناس، وتوظيف كل ما يقع تحت تصرفها في التضليل والخداع والحرب النفسية ونشر الشائعات. وهي إمكانيات لا تتوفر لصاحب رأي أو حامل قلم يتحرى الحقيقة ويسعى للصدق ما استطاع، وليس مجرد إبداء رأي يعني إقصاء الخصم!. الشقاق والاحتراب أرض خصبة للعمل المنفرد، ومناخه يلائم المتربصين لحرف الثورة عن مسارها، وبدلا من أن تعزز الثورة التوافق والوحدة الوطنية تستغله الثورة المضادة في الصراع والتفتيت والتقسيم. والتخلص من الشقاق والاحتراب يحول دون أن يكون الوطن مجرد حيز سياسي لطائفة بعينها، أو مساحة جغرافية لفصيل واحد، أو غيتو مغلق على من فيه. والكاتب وصاحب الرأي الجامع لا يمكن له أن يقصي أحدا؛ فمن كان بالأمس منددا بالحظر على البعض ومقاوما لحرمانه من حقه الإنساني في المشاركة والعمل العلني؛ من كان كذلك يؤلمه أن يجد من اشتد عوده يرمي بسهام طائشة ونبال هائمة ضده، وبتأثير خمر النشوة نسي المعاناة ووقوف القوم إلى جانبه. وثورة 25 يناير العظيمة كانت نتاجا عبقريا لتحرك سلمي وروح فدائية غير مسبوقة كان فيها الشباب في مقدمة الصفوف فخرج الجميع من ورائهم في مشهد نادر في التاريخ. ومن تعرض للاستئصال لا يمكن له أن يدعو لاستئصال من يخالفه إلا أن المشكلة فيمن يستأصل نفسه، ويخرج عن نطاق الجماعة الوطنية وفي مواجهتها.

والاستئصال عمل دائم ومستمر تقوم به منظومة الحكم العربية، وليس المصرية منها فقط، التي مهما رفعت من شعارات في اليمين أو الوسط أو اليسار لا تتحمل رأي كاتب ولا رؤية عالم ولا نقد مفكر، واستسهلت الاختيار البوليسي، ضمانا لاستقرار مزعوم؛ حتى جاءها ما لم تتوقعه وما لم تألفه. وإذا كان الإقصاء قرارا في يد جلاد، فالقرار الديمقراطي يجد سنده وشرعيته في قانون عادل ومنصف، وهو ما لم تصل إليه الثورة بعد، وسوف يحل على الجميع مع اكتمالها؛ وتوجيه ضربتها القاصمة للإقصائيين، الذين يتصورون أنهم فوق القانون. ومن يعجز عن مقارعة الحجة بالحجة ويواجه الرأي بالرأي مكتفيا بصب جام غضبه على منافسه أو خصمه، مستخدما أقذع ألوان السباب والشتائم يخسر معركته دائما. والقوي الذي يحرص على إضعاف شعبه يكرر ما قام به الحزب الوطني المنحل، ولا فرق بين الاثنين. وجدارة المواطنة الحقة مستمدة من العمل تقوية قوى الشعب ومنظماته وأحزابه الوطنية، والتعامل مع الرأي المؤيد والمخالف على قدم المساواة، والوقوف منهما على مسافة واحدة، وأخوف ما نخافه إذا ما سارت الأمور على ما هي عليه أن تنصب القوى التي تملأ المشهد هرجا ومرجا، وتشكو الإقصاء رغم الحضور غير المسبوق، لمجرد إبداء رأي مخالف؛ أن تنصب إذا ما وصلت إلى الحكم محاكم تفتيش؛ تبحث في الضمائر والنوايا، وتشرعن للقتل على الهوية، وهذا قد تكون له توابعه بفعل المتوقع من الضغط المادي والنفسي الزائد، والمتجاوز لقدرة الفرد والمجتمع على التحمل، فيخرج علينا أتارتورك مصري يعلق مخالفيه على أعواد المشانق ردا على ما يقوم به المتشددون والمتطرفون من ترويع وإرهاب، ووقوفهم ضد الرغبات والاحتياجات البشرية المشروعة وتحويل حياتهم إلى جحيم لا قبل لهم به. فرفقا بالناس قبل طفح الكيل يرحمكم الله!’ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية