لندن ـ “القدس العربي” ـ إبراهيم درويش:
يرى مرتضى حسين في موقع “إنترسيبت” أن تنظيم الدولة هو الايديولوجية الزائفة أو “الإله الكاذب” الذي هزم في الشرق الأوسط. وبدأ مقالته الطويلة باستشهاد من آرثر كوستلر الذي كتب عام 1949 عن خيبته من الاتحاد السوفييتي وقال فيه “إن اليوتوبيا الثورية التي تبدو كأنها إنفصام كامل عن الماضي عادة ما تتشكل بناء على صورة الجنة الضائع وعن الماضي الذهبي المجيد”. وكتب كوستلر كلماته بعد تمرده وثورته على انتهاكات الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين وجاء المقال ضمن مجموعة نشرت تحت عنوان “الرب الذي فشل” حيث نشره الشيوعي الذي رأى الثورة تفشل وتنحرف نحو الستالينية.
وكتب كوستلر إن الحل الوحيد أمام الظلم هو الثورة وتأجيل التفكير للأيام الأحسن و”عندما ندرس التأريخ والأهداف الشامخة التي بدأت الثورات لتحقيقها والنهاية المأساوية لها فإننا نرى مرة بعد الأخرى كيف تقوم الحضارة الملوثة بتلويث أحفادها”. وبالنظر إلى الربيع العربي وثوراته في العقد الماضي فإن النهايات التي تحدث عنها كوستلر ليس من الصعب العثور عليها. فقد فشلت كلها بعد أن أمسكت بخيال العالم في عام 2011. إلا أن الطرق التي أدت لظهور الانتفاضات ما زالت موجودة وكذا الطرق التي فشلت فيها كل ثورة مهمة وتدعونا للنظر إلى الوراء. فمن بين الثوريين كان هناك ديمقراطيون وليبراليون يريدون التقدم للأمام. وإلى جانبهم كان هناك حركات عنف يوتيوبية مثل تنظيم الدولة والقاعدة تحمل فكرة تدمير المجتمعات الإسلامية وإنشاء “الخلافة”. وقامت الأنظمة الديكتاتورية بسحق الديمقراطيين فيما استطاع الجهاديون ولفترة قصيرة بتحقيق رؤيتهم عن الخلافة ليراقبوا تدميرها. وفي الوقت الذي لا تزال الفكرة الجوهرية التي حركت الديمقراطيين العرب جذابة إلا أن المشروع الجهادي قوض بسبب فشله. فلم يخسر الجهاديون المواجهة العظمى مع الأنظمة المحلية والنظام العالمي، مواجهة قالوا إن الله وعدهم بالنصر بها إلا أن محاولتهم فرض أفكارهم على المجتمع لوثتها سلسلة من الجرائم والكوارث. وبدلاً من بناء عصر ذهبي جديد من القوة والأمن تبدو فكرة الخلافة اليوم مثل أية حركة راديكالية حديثة وعدت بجنة جديدة على الأرض قبل أن تدمر نفسها وعلى أيدي المؤمنين بها. ويعتقد الكاتب أن هزيمة تنظيم الدولة وللمفارقة يعتبر خذلانا من الغرب لأن ساسته ودبلوماسييه والمعلقين كلهم أجمعوا على أن الحرب ضد “الجهادية العالمية” طويلة وتوازي الحرب الباردة. وستكون والحالة هذه مبررا للميزانيات الدفاعية المتخضمة والأهداف التي يتحدثون عنها. مع أنه لا يوجد ما يشي أن الجهادية مثل الوطنية والشيوعية قادرة على المنافسة مع الديمقراطيات الغربية. صحيح أن المقاتلين الأشداء والمتعاطفين مع التنظيم سيواصلون وفي المستقبل المنظور هجماتهم على الغرب وستظل الجماعات بتقديم الولاء له إلا أن صعوده وانهياره السريع يقدم درساً حول الجماعات الألفية المدمرة لذاتها.
تناقض ظاهري
ويرى الكاتب أن هناك مقاربة بين ظهور النازية في ألمانيا كما حلل المؤرخ السياسي الألماني فريتز ستيرن “سياسة ثقافة اليأس: دراسة في صعود أيديولوجية ألمانية “(1962) وقال ستيرن إن الحركة النازية قدمت تناقضاً ظاهرياً حيث حاول أتباعها تدمير الحاضر الكريه من أجل الإمساك بالماضي المثالي وبناء حاضر متخيل، مشيراً الى أنهم حاولوا استعادة الماضي وحنوا لبناء مجتمع جديد يقوم على أفكار قديمة ستحظى بقبول عالمي. وانتهى المشروع النازي المثالي بهزيمة مهينة والأمر نفسه سيحصل لتنظيم الدولة. فبرغم دعايته المثيرة والصورة التي يقدمها له الإعلام الغربي فلم يعد نذيراً للقيامة وليس إلا واحداً من المنظمات الراديكالية المتعصبة في التأريخ التي احترقت سريعاً قبل أن تصبح ركاماً من الرماد. ومن هنا ففهم صعود تنظيم الدولة مهم جداً لمنع ظهور جماعة أخرى تسيطر من جديد على المخيال العالمي.
ويشير الكاتب إلى ياسين الحاج صالح، الذي كتب كتابه “الثورة المستحيلة” الذي خبر تنظيم الدولة في الرقة. ويقول إن “الجهادية القاسية وغير الواقعية وذات الطبيعة المدمرة لنفسها تنفر الجميع إلا الهامش”. ويرى صالح أن الجهادية ليست عودة إلى القيم التقليدية إلا بقدر ما هي إلا نسخة مكررة لظاهرة حديثة وهي العدمية. وهي فلسفة تعود بجذورها للقرن التاسع في أوروبا، وترى أن العالم المادي والحياة نفسها ليست مهمة. ومع أن الحركة لم تدع ولم تقد للعنف إلا أن أتباعها استلهموا منها حملات إرهابية بأوروبا. وفي المجتمعات الإسلامية، وسوريا مثلاً تبحث العدمية عن أدلة دعم لها في الدين الإسلامي.
تبرير القتل والانتحار
وتعتمد تنظيمات مثل الدولة على هذه الفكرة، فمع أن القتل والانتحار محرمان في الإسلام إلا أنه يتم تبريرهما في زمن الأزمة والتعب حيث يتم التقليل من الحياة المادية في الدنيا مقابل التعويض عنهما في الحياة الأخرى. ويقول صالح إن الجهادية تعتمد على استغلال ظروف الأزمة لإكراه الناس الذين يجدون أفكارها غير مقبولة. وقد ينجح الجهاديون في استغلال مظاهر فشل الجماعات المعارضة الأخرى أو الحقد على الديكتاتوريين المحليين إلا أن الجماعات العدمية لا تحظى بدعم على المستوى الشعبي. وحسب وزارة الخارجية الأمريكية فإن ما يقدر بـ 40.000 شاركوا في القتال في العراق وسوريا ومن نحو 100 دولة. وربما كان العدد مهما إلا أنهم لا يشكلون إلا نسبة ضئيلة جدا من 1.2 مليار دولار. وبرغم استخدامه البروباغندا والتكنولوجيا التي ضخمت رسالتها أكبر الوسائل الإعلامية في العالم لكن تنظيم الدولة لم يكن قادراً على تجنيد إلا فئة قليلة من المجتمعات الإسلامية والدياسبورا. كما أن غالبية الذين انضموا للتنظيم جاؤوا بسبب مشاكل اجتماعية أو تخرجوا من السجون ” فلربما منحت الجهادية حلاً لأشخاص مثل هؤلاء إلا أنها كانت حلاً لأفراد أو مئات وليس لقطاعات بعينها او طبقات”. وأسهم منظور الجهادية والطريقة للتعامل معه بتضخيمه من الطرفين، فالبنسبة للمتطرفين استطاعوا الحديث عن صدام الحضارات. أما الذين قالوا إنهم يعارضون الجهادية فقد أدت طريقة تعاملهم معها إلى نتائج عكسية. فبدلاً من التعامل معه كمشكلة ثقافية وتتعلق بالحكم والسياسة أسهم الغرب بتشويه التهديد الجهادي الذي كان مفيداً لبناء الجهاديين البعد الأسطوري لهم. وجزء من هذا هو إعلان الخلافة، فلم يهتم أبو بكر البغدادي، مثلاً بتوصيف ماهية إحياء الخلافة التي كانت شكلاً للسياسة خدم زمنه. ولم يتقدم “الخليفة” بأي برنامج سوى الحديث عن إنهاء “المنطقة الرمادية” والتي تشير للسلام والتعايش بين الناس.
فشل الخلافة
لم تنجح الخلافة بقدر ما قدمته من عنف وخطاب بتحقيق أي من أهدافها. ووصف الذين خرجوا من حكمها نظاماً كابوسياً بائساً وبدلاً من تخويف القوى الإمبريالية قضى الجهاديون الوقت كله وهم يقتلون المسلمين. ولم يكن الخوف الذي زرعه في الغرب بسبب عملياته كافياً لتدميره. ومن هنا فلم يكن جذاباً لأهل الشرق الأوسط الذين انتفضوا ضد انظمتهم استبدال نظام وحشي وعقيم بآخر أكثر وحشية وعقماً. ومع أن التنظيم نجح عبر منظومته الإعلامية بجذب الكثير من المتحمسين ونجح قادته بكسب ولاء جماعات في العراق وسوريا إلا أن هذا النجاح لم يعوض عن غياب البرنامج الآيديولوجي الكافي للحكم. وكتب كريس أنزالون، الباحث في جامعة هارفارد قائلاً “واجه تنظيم الدولة المشاكل ذاتها التي واجهت الجماعات غير الجهادية المتطرفة، وهي أنه لم يكن لديهم مقترحات لحل المشاكل الحقيقية – الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية والجيلية التي تعاني منها المجتمعات حول العالم”. وفي النهاية “قلدوا النظام الذي زعموا أنهم يرفضونه – وكل ما فعلوه هو أسلمة اللغة المتعلقة بالحكم. ومن ناحية عامة يفشلون في حكم المناطق التي سيطروا عليها من النظام وبطريقة أسوأ”. وأصبح صورة مشوهة عن الحداثة الغربية التي يزعم التنظيم أنه يقاومها. خاصة أن فكرة الخلافة هي مفهوم حديث جاء رداً على الحداثة.