إنتريجنوم الوحوش المرقمن

في أحد السجون الفاشية في عام 1929 دأب المنظر الإيطالي أنتونيو غرامشي، على ترديد جملة «العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد يكافح لكي يولد. أما الآن فهو وقت الوحوش». عبارة مبهمة عند سماعها لأول وهلة، لكن بربطها بالحقبة التاريخية التي قيلت فيها، يعلم القارئ أن غرامشي يشير إلى عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى، الذي عاصره، والذي هدم الثوابت، وفكك امبراطوريات، وخرجت منه حطاماً الامبراطوريات الألمانية، والروسية، والنمساوية- المجرية، والعثمانية، التي استمرت هيمنتها لمئات السنين. أما قطبا العالم القديم – إنكلترا وفرنسا ـ فقد دبّ في أوصالهما وهن شديد هدد كيانهما ونفوذهما. ومن ثم، انتصرت الثورة البلشفية التي هددت أوروبا بأكملها، ومهدت بانتصارها، الأسباب لقيام الحرب العالمية الثانية، التي كنا لا نزال نعيش في كنف نتائجها حتى وقت قريب. فبعد الحرب العالمية الأولى، عاش العالم فترة عدم استقرار، أو كما قد نسميها «فترة انتقالية» لحين ملء الفراغ الذي نجم عن الحرب العالمية الأولى.
وتم التعبير عن فترة عدم الاستقرار تلك، أو كما يطلق عليها حديثاً «فترة انتقالية» في الامبراطورية الرومانية القديمة، بمصطلح «إنتريجنوم» Interregnum، الذي يشير إلى الحقبة التي تتخلل تعاقب حكومتين مستقرتين. وفي تلك الفترة، قد يحدث أي شيء؛ أي تظهر الوحوش متمثلة في قوى الفساد التي تحاول ملء هذا الفراغ بسبب خلو العرش المهيمن على مجريات الأمور. وبعد تلك الفترة، يخرج العالم بترتيب جديد، وخريطة قوى جديدة.
وبعيداً عن الحروب المادية في هذا الزمان، الذي تتصارع فيه قوى العالم لهدم حكومات، وخوض حروب بالوكالة، وشن حروب الجيل الخامس، هناك معركة في الفناء الخلفي أشد وطأة، ويتم التجهيز لها بحشد وتدشين وحوش الألفية الثالثة لملء هذا الإنتريجنوم، ورسم ملامح ثابتة لعالم الألفية الثالثة. وهؤلاء الوحوش هم العالم المرقمن، الذي صار يهيمن على الإنسان في جميع مناحي حياته، وتصرفاته، بما في ذلك التحكم في غرائزه وشهواته.. وقد عمد وحوش الألفية الثالثة ـ أباطرة الرقمنة ـ إلى خلق عالم مواز لنسف عالمنا القديم المادي، وتحويله إلى عالم هامشي. وكان من أعتى إنجازات وحوش الرقمنة، هو نقل الهيمنة والسيطرة على البشر من أرض الواقع إلى العالم الافتراضي، الذي صار يحاكي الواقع. وكان أهم ما في قطبي عالم المحاكاة الجديد، هو السيطرة على العقل البشري، والسيطرة على جميع الأنشطة البشرية. وكانت السيطرة على الأنشطة البشرية من أسهل المهام؛ حيث تم إقناع البشر، أن ذلك ضرباً من ضروب التطوير الحتمي للحاق بركب الحضارة الحديثة المتسارعة الخطى. ومن الواضح أن هذا السيناريو ليس جديدا. فتحت شعار التحديث وتطوير الشعوب، لركوب قطار العالم المتقدم، قامت إمبراطوريات العالم القديم باستعمار الشعوب المتخلفة، وأذاقتها الويلات، بدون أدنى رحمة أو شفقة.

وكعادة القائمين على العالم الحديث، الذين يدسون السم في العسل، لإفساد مباهج حياة الأفراد العاديين، الذين يرى فيهم القوة الناعمة، التي يمكن أن تدرء مخططاتهم الشريرة، فقد عمدوا إلى تحويل جهاز الجوال إلى قنبلة موقوتة في سبيلها للانفجار في وجه صاحبها في أي وقت.

أما القطب العنيد الآخر، الذي كان لا بد من غزوه لاستعماره، فهو العقل البشري، الذي تمت السيطرة عليه بالترويج لأهمية العالم الرقمي، المتمثل في العالم الذكي الجديد الذي فرض نفسه على واقعنا. ومن ثم صار جهاز الهاتف النقال لصيقاً بالبشر، وكاشفاً لميولهم، ولما يقومون به من أنشطة على مدار اليوم، وحتى أحاديثهم لم تسلم من التنصت عليها، تحت هدف زائف وهو، الرغبة في توفير الخدمات، والمواد العلمية، والثقافية التي يحتاج لها الفرد، بدون أدنى عناء، تحت شعار الرفاهية التي يقدمها العالم المرقمن المتطور. لكن في حقيقة الأمر، ذلك يعني انتهاك خصوصيات المرء لصالح جهات معنية، وبيع بيانات المستهلك لأكثر من جهة، بهدف الربح. أما ما يدعو إلى الخوف والذعر فهو أن جهاز الهاتف النقال الذي صار لصيقاً بمالكه ، هو العدو الأساسي الذي صار يهدد البشرية، ويقوّض الحرية الشخصية وخصوصية الأفراد، في آن. فتماشياً مع أسس الحياة الحديثة، يحتوي أي هاتف ذكي ـ وبشكل أساسي ـ على تطبيقات الفيسبوك، وخرائط غوغل، والواتس آب بشكل أساسي، بالإضافة إلى حزمة من التطبيقات الأخرى التي لا يعلم المرء سبب تحميلها على السوفت وير الخاص بالجوال عند الشراء، فيتغافلها؛ لأنه لا يعيرها أي اهتمام. فالاهتمام الأكبر صار استخدام الهاتف، وتمضية الوقت بتصفح الفيسبوك، وإرسال الرسائل على تطبيقي الواتس آب والميسنجر بشكل أساسي، ثم التمتع بخاصية وجود كاميرا الموبايل لتسجيل أحلى الأوقات، ولأخذ لقطات الصور السيلفي في أي وقت.
وكعادة القائمين على العالم الحديث، الذين يدسون السم في العسل، لإفساد مباهج حياة الأفراد العاديين، الذين يرى فيهم القوة الناعمة، التي يمكن أن تدرء مخططاتهم الشريرة، فقد عمدوا إلى تحويل جهاز الجوال إلى قنبلة موقوتة في سبيلها للانفجار في وجه صاحبها في أي وقت. فجميع البيانات والرسائل والأنشطة التي يقوم بها الفرد يقوم بتخزينها كل من تطبيقي الفيسبوك وغوغل، والتطبيقات الأخرى التي يحملها الفرد على هاتفه الذكي. ولسوف تندهش عندما تعلم أن جهات الاتصال الخاصة بك جميعها مسجلة لدى هاتين الجهتين، بما في ذلك الأرقام التي تم محوها، وينطبق ذلك على الرسائل والصور، وتحركات الفرد طوال اليوم. فبدون أدنى عناء وبدون تواجد أجهزة معقدة، يقوم جهاز المحمول برصد وتسجيل جميع تحركات الفرد، من خلال عدة تطبيقات مختلفة، بدون علم المرء، وعلى رأسها تطبيقا الفيسبوك وغوغول، حتى لو كان الجوال غير متصل بشبكة الإنترنت. وعند إغلاق خاصية تتبع الأنشطة، تظهر تحديثات أخرى لتعيد تشغيلها بدون علم المرء. والأسوأ من ذلك، الصور التي على جهاز الموبايل، التي يلوَّح دائما بإمكانية استخدامها من قبل الجهات المانحة للتطببيقات. أما كاميرات الهاتف الذكي، وكذلك اللابتوب، فهي الخطر الأعظم. فبدون علم المرء، يمكن وبكل سهولة من يترصد للمرء أن يفتحها بدون علم صاحب الجهاز. والمفاجأة الأكبر ذات العيار الثقيل هي إمكانية استخدام جهاز الموبايل كجهاز تنصت، بدون علم المرء، لينقل همساته وفحوى مكالماته لصالح أطراف معنية.
وحتى لو ادعى الفرد أن ما يدور في حياته ليس بالأهمية التي قد يعيرها أحدهم الاهتمام، أو أنه لا يخشى شيئا لطالما أنه لا يقترف جرماً، لكن ذلك اعتقاد خاطئ؛ لأن كل حدث في حياة الفرد له أهميته، وأن معرفة أنشطة ونزعات وميول الأفراد العادية هي السبيل لاستعمار الأمم، فكرياً وحضارياً ومادياً. وبالتفكر في مقولة غرامشي، فإن الوحوش خرجت وباتت بالفعل تسيطر على العالم، وتحشد المعلومات اللازمة للقضاء على أفراده، وقتل مظاهر الحياة القديمة؛ لفرض خريطة جديدة لشكل الحياة في بقية الألفية الثالثة بعد فترة الإنتريجنوم تلك.

٭ كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية