تمر هذه الأيام الذكرى الثالثة لانتصار الثورتين الرائدتين التونسية والمصرية، وانطلاق شرارة الثورات الأخرى في أكثر من بلد عربي في ما أطلق عليه عالميا مصطلح ‘ثورات الربيع العربي’. لقد فتحت تلك الثورات شهيتنا لعالم عربي جديد، يشهد بداية فصل ربيع جميل يؤسس لميلاد عالم عربي حنون على أبنائه شديد على أعدائه، يستثمر خيراته في الإنسان ويوزع ثرواته على مستحقيها، ويبني مستقبلا لملايين الشباب الذين يبحثون عن لقمة عيش كريمة ولا يضطرهم شظف العيش الى أن يهاجروا ‘لبلاد برة’. عالم عربي يفتح حدوده لأبنائه ويغلقها أمام أعدائه. عالم عربي يقلع أشواكه بيديه ولا يستنجد بالغريب ليقهر أخاه القريب. عالم عربي يضم بعضه بعضا ويوحد جهوده ويضع إمكانياته لإعادة الاعتبار لقضية العرب الأولى التي همشتها أنظمة الفساد والخنوع.
عالم عربي يتجه نحو التنمية الرشيدة التي تستثمر في الإنسان أولا وفي استقلال الاقتصاد والفكاك من التبعية. عالم عربي يقوده شباب مثقفون واعون يعرفون علوم العصر ولا يضطرون لصباغة شعرهم كي يخفوا شيب الثمانين حولا أو أزيد.
عالم عربي يفتح المجال للإبداع والمبادرات وينصف المرأة ويدمج الأقليات وتصبح المواطنة المتساوية حقيقة لا حلما فلا يبقى فيه ‘بدون’ ولا مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة، ولا أحد يـُعرّف عليه بأصوله أو دينه أو مذهبه، بل بوطنه وأمته. لكن الحلم شيء والواقع الذي وصلنا إليه الآن شيء آخر.
بعد سنوات ثلاث تبدد كثير من الغيوم وانجلى الجزء الأكبر من عتمة الليل وتبين لنا أنه بمقدار ما كانت الثورات أصيلة وحقيقية إلا أن خيوط المؤامرات عليها كانت أكبر وبدأت تحاك من أول يوم من أعداء الأمة وممثليهم الأكثر تخلفا ورجعية وقمعا حتى لا يصلهم الطوفان.
ثورة أم مؤامرة؟
لقد انقسم الكتاب والمحللون حيال هذه الأحداث العظيمة إلى قسمين: قسم رأى فيها مؤامرة من أولها إلى آخرها ومن صناعة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية والفرنسية، تطبيقا لرؤية كوندوليزا رايس وجماعة المحافظين الجدد في نشر الفوضى الخلاقة لإيجاد شرق أوسط كبير وجديد مفكك ومتناحر على أساس طائفي، كي تظل إسرائيل ‘واسطة العقد’ أي القوة الرئيسية بلا منازع، ويستدل على ذلك بما نشاهده هذه الأيام في ليبيا وسوريا والعراق ومصر واليمن ولبنان.
والقسم الثاني كان يرى أن هذه الثورات أو الانتفاضات نتيجة طبيعية لوجود أنظمة فاسدة تستخدم العـنف والأجهزة الأمنية لإخضاع شعوبها وتحويل البلاد إلى مزرعة خاصة للحاكم وزبانيته وترتيب الأمور للتوريث والتفنن في خنق الحريات واستخدام اليد الحديدية في كل ما يعارض النظام، حتى أن المعارضة في بعض الدول أصبحت من صناعة النظام نفسه كنوع من الماكياج لتجميل وجهه القبيح.
لقد انتصر معظم الكتاب والمحللين في البداية لنظرية صدقية الثورة وحتميتها، ثم عاد قسم منهم وغيروا مواقفهم كلية، خاصة بعد الثورة السورية التي بدأت بالحراك الشعبي ثم انتهت الى ما هي عليه الآن، بعد أن تم إغراق الساحة السورية عن عمد وسبق إصرار بألف فصيل وفصيل لا علاقة لهم بالشعب السوري ولا بمعاناته وهمومه وآماله.
لقد اقتنعت منذ البداية بالنظرتين معا: أي أن هناك أسبابا موضوعية وحقيقية تدعو لانفجار الأوضاع، والغريب أنها تأخرت كثيرا، ولكن في نفس الوقت كنت أؤكد أن الطغاة لن يستسلموا من أول ضربة وأن أعداء الأمة التاريخيين وناهبي ثرواتها ومن زرعوا الطغاة وثبتوهم وحموهم لن يقفوا على السياج متفرجين ويشاهدوا ثلة من الحكام المحنطين والقتلة والمارقين يسقطون الواحد تلو الآخر والشعوب المقهورة تتحرر من مرحلة الاستعباد والقهر وتدخل مرحلة الحرية والكرامة والمساواة وسيادة القانون والمواطنة المتساوية والسيطرة على ثرواتها. وهذا ما حدث بالفعل، فمنذ انطلاق ثورات الحرية والكرامة بدأت المؤامرات لحرفها عن مسارها وتشتيت جهودها وقمعها بالقوة أو إغراقها بالتكفيريين والسيارات المفخخة.
وها نحن بعد ثلاث سنوات نرى ما يجري في هذا الوطن من ردة شبه كاملة على الثورات، باستثناء تونس رغم مشاكلها الجمة، إما عن طريق نشر الفوضى أو العنف المفرط أو التدخل العسكري المباشر أو الانقلابات العسكرية أو تعميم الساحة بالتكفيريين وأكلة لحوم البشر وجز الرؤوس ورجم الفتيات وهدم المعالم التاريخية، حتى بدأ الناس يعيدون حساباتهم ويقــولون آه لو بقينا تحت حكم الديكتاتور. ألم يكن أفضل لنا أن نعيش تحت حكم الطغاة بدل هذه الفوضى التي أدت إلى تدمير البلاد وتفتيت الشعوب وقتل الآلاف؟
أسباب الثورات
مخطئ من يظن أن ثورات الشعوب والانتفاضات الجماهيرية الكبرى يمكن أن تكون استجابة لمؤامرة، بل إن الثورات تقوم بعد نضوج أسباب موضوعية ومادية تدفع بالجماهير وقياداتها الواعية للانطلاق. وهذه الظروف الموضوعية تشترط نضوج شروط ثلاثة، أولا: عندما تصبح غالبية الشعب متضررة من النظام المستبد وعلى استعداد أن تقف في وجهه وتدفع الثمن. وثانيا: عندما تبدأ القيادات السياسية والفكرية والنقابية والمدنية تباعد نفسها عن النظام خوفا من تلويث سمعتها وضرب مصداقيتها. وثالثا: عندما تبدأ عملية التعبئة والتشبيك ضد النظام وتصل إلى نقطة الحسم بانتظار اللحظة المناسبة التي نسميها الشرارة التي تطلق طاقات الجماهير فتفجر الثورة بغض النظر عن فرص نجاحها والقوى المستفيدة منها وانحراف مسارها يسارا أو يمينا (بوعزيزي مثلا.
كانت هناك مجموعة من الظواهر المشتركة التي لا تخطئها عين ناقدة تنتشر في عموم الوطن العربي من محيطه إلى خليجه، كلها تشير الى ضرورة قيام هزة جماهيرية ما تطيح بتلك المنظومة، وأهمها ظاهرة ‘الرئاسة مدى الحياة’ والتوريث، سواء كان الحاكم ملكا أو رئيسا أو أميرا. أضف إلى ذلك الانصياع التام لإملاءات القوى الخارجية، فيرقصون بالسيف مع من دمر العراق ويتآمرون من جحر في شرم الشيخ على تدمير غزة. أما الفساد فحدث ولا حرج، لقد نخر في أجسام هذه الدول ليس على مستوى الطبقات الطفيلية والشرائح العليا، بل وعلى كافة المستويات. لقد أصبح الفساد هو الأمر الطبيعي والانضباط للقانون ورفض الرشوة والتعيين على الكفاءة هي الأمور الشاذة وغير المتبعة. لقد همش شباب هذه الأمة الذين يزيدون عن 70′ من السكان وانتشرت في هذه الدول جماعات سلفية وأخرى متطرفة تهتم بهوامش الأمور وتبتعد عن نقد النظام وفساده وبطشه، وتدعو للحجاب أكثر مما تدعو للعدل والمساواة، وتعمق تهميش الأقليات واستهدافها وبنسبة أعلى تهميش المرأة وتنميطها، ساعدها على ذلك قنوات فضائية هابطة تصور المرأة إما راقصة بقليل من الثياب تتلوى أمام مغن تافه أو ملفوفة بعباءة سوداء تحولها إلى ‘شيء’ لا إلى إنسان ذي عقل وقلب وضمير. كل هذه الظواهر تستدعي ثورة شاملة حقيقية على كل ذلك البنيان المهترئ. فالشعوب العربية كغيرها من شعوب الأرض تتوق للحرية والكرامة والعمل الشريف ونظام يقوم على التعددية وتداول السلطة واحترام كل أبناء الوطن بعيدا عن الفساد والمحسوبية واستغلال الدين لبسط شرعية وهمية على النظام وتطويع المعارضة تحت حجة ‘إطاعة ولي الأمر’.
إغراق الثورات بالفوضى والدم
لقد لعبت القوى المضادة للثورة داخليا وخارجيا على حرف مسارات الثورات العربية وإغراقها في الدم والفوضى فشوهت وجهها الجميل، وبدل أن نرى الشباب والشابات محمولين على الأكتاف يهتفون سلمية سلمية، أصبحنا نشاهد أصحاب اللحى الكثة من أبي القنيقاع لأبي الجماجم يجزون الرؤوس ويحملونها كأنها هدايا عيد. وبدل مشاهدة الجماهير المتحمسة للتغيير تتدفق بالملايين إلى الشوارع أصبحنا نرى الجماعات المسلحة أو قوى الأمن التي تطلق النار على المتظاهرين، وبدل أن نشاهد رموز الثورات الواعين أصبحنا نتابع أخبار جماعات القاعدة التي تحتل جزءا من أرض تقيم عليها دولتها العتيدة بادئة بمنع الموسيقى والسجائر والنرجيلة.
رغم حلكة الليل وضيق فسحة الأمل إلا أننا على يقين بأن الشعوب العربية التي نزلت إلى الشوارع بالملايين لن تنخدع بلعبة الديكتاتور العربي الذي خيرها بين شرين ‘أنا أو الطوفان’ ولا بد أن تعود إلى تصحيح الأمور ولن تقبل بأنصاف الحلول. فلو لم يكن من إنجاز لانتفاضات الربيع العربي إلا كسر حاجز الخوف من النظام القمعي لكفى ذلك إنجازا على طريق الثورات المتواصلة حتى نهاية عصر الاستبداد والتبعية والتخلف وتبديد الثروات والقمع اللامحدود وصولا إلى بناء دولة عصرية تمثل طموحات شعبها وخياراته حقيقة لا تزويرا.
‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك