لندن- “القدس العربي”:
تحت عنوان “مخاوف حسابات خاطئة في وقت تتكالب فيه القوى العالمية على مكان في ليبيا” يرى بورزو دراغاهي في صحيفة “إندبندنت” أن الحرب الأهلية في ليبيا دخلت مرحلة جديدة بعدما استطاعت القوات التابعة للحكومة المعترف بها دوليا محاصرة مناطق أمير الحرب خليفة حفتر في وسط وجنوب البلاد.
وشرّدت المعارك الأخيرة حسب أرقام الأمم المتحدة حوالي 16.000 مدني بعدما سقطت مدن ومنشآت عسكرية وأحياء بيد مقاتلي الحكومة. وانتقلت المعركة الآن إلى المدينة الساحلية في سرت، مسقط رأس الرئيس السابق معمر القذافي والقاعدة العسكرية البعيدة في الجفرة التي أنزلت فيها روسيا عددا من المقاتلات العسكرية والمرتزقة التابعين لشركة فاغنر المرتبطة بالكرملين.
وأشار الكاتب إلى أن الحرب الأهلية في ليبيا تضع حفتر -الرصيد السابق للمخابرات الأمريكية- والذي يحظى بدعم من الإمارات ومصر والسعودية وروسيا وفرنسا ضد القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني التي تعترف بها الأمم المتحدة وتدعمها تركيا. وأضاف أن تركيا تعتبر رصيدا استعماريا وتجاريا للغرب.
ومن هنا فقد تلقى ضربة من خلال ترك هذا البلد الشاسع، الغني بالنفط ولا يتجاوز عدد سكانه الستة ملايين لروسيا وتركيا لرسم مناطق النفوذ فيه.
وتقول فيرجيني كولومبير، الخبيرة بالشؤون الليبية في المعهد الجامعي الأوروبي في فلورنس: “نحن الآن في وضع ترى فيه موسكو وأنقرة أن هناك فرصة لهما ولعب دور دبلوماسي مهم”.
وأشار الكاتب إلى تسارع الأحداث في ليبيا حيث سارت العربات المحملة بالرشاشات والمقاتلين في الشوارع المغبرة والطرق السريعة، فيما اجتمع المسؤولون في داخل البلد والدبلوماسيون حول العالم بحثا عن طرق للحفاظ على التأثير في البلاد بعد النهاية المزلزلة لحصار حفتر الذي استمر 14 شهرا على العاصمة طرابلس.
وظهر حفتر العابس يوم السبت إلى جانب راعيه المصري الرئيس عبد الفتاح السيسي ومنافسه في الشرق عقيلة صالح، رئيس برلمان طبرق، في محاولة لفرض هدنة على الأرض. وحظيت المبادرة المصرية التي دعت لتسليم سلاح الميليشيات إلى حفتر بدعم دول غربية وعربية ولكنها قوبلت بالرفض أو السخرية من قوات الحكومة أو تركيا.
ونشرت صور ولقطات فيديو لقوات حكومة الوفاق وهي تدك مدينة سرت وتتقدم نحو قاعدة الجفرة، وسط تراجع قوات حفتر. وفي الوقت نفسه كشفت صور عن تقدم مدرعات “أم1 إي2” أبرامز ومروحيات “أم إي 24” نحو الحدود الليبية بشكل أثار مخاوف من تدخل مصر نيابة عن الجنرال حفتر. وفي الوقت نفسه أعلنت حكومة الوفاق الوطني عن بدء محاكمة رجلين روسيين تم القبض عليهما العام الماضي بتهمة التجسس، وهما ماكسيم شوغالي وسمير سيفان.
وجاء هذا في الوقت الذي كان سيلتقي فيه رئيس الحكومة فائز السراج مع المسؤولين في موسكو. وتم إلغاء اللقاء وسط اتهامات للحكومة بأنها تجاوزت المناطق المسموح لها بدخولها إلى سرت والجفرة التي تعمل فيها قوات سرية تابعة لروسيا.
وقال طارق المجريسي، الباحث في الشؤون الليبية بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: “يبدو أن هناك خلافا منذ الجمعة بين تركيا وحكومة الوفاق وروسيا حول ما إذا كان يجب المضي نحو الجفرة”. و”وضع الروس خطا أحمر وأوصلوا الأمر لتركيا”. ويقول المحللون إن روسيا تحاول بناء توازن حساس، فمن جهة تريد الحفاظ على علاقتها مع تركيا على أمل إضعاف الناتو، وفي الوقت نفسه إرضاء الدول العربية الديكتاتورية الداعمة لحفتر على أمل استمرار بيع السلاح لها.
ويقول فلاديمير فرولوف، الدبلوماسي الروسي السابق: “يجب عدم السيطرة على شرق ليبيا ولا يمكن لتركيا تحقيق النصر الكامل، تماما كما لم تستطع روسيا والأسد السيطرة على إدلب”. و”تحتاج روسيا لدعم مصر والإماراتيين حتى لا يخسروا ماء الوجه”.
ويخشى المراقبون من التطورات على الأرض، حيث يؤكد كل اللاعبين الداعين للحرب على أنهم يريدون السلام، ولكن تصرفاتهم تشير إلى غير ذلك.
وتقول كلوديا كازيني من مجموعة الأزمات الدولية: “هناك زخم، حيث عبّر داعمو حفتر عن رغبتهم بمحادثات السلام ولكنهم يضعون شروطا تعجيزية للطرف الأخر”.
وأضافت كازيني: “يبدو أن هناك صفقة بين روسيا وتركيا، مع أن الحقائق على الأرض تناقض هذا. وهناك منطق للمحادثات بين اللاعبين السياسيين والعسكريين الليبيين ولكن هناك مساحة لسوء التقدير”.
وفي الوقت نفسه قامت حكومة الوفاق بإعادة تشغيل حقل الشرارة الذي أوقف حفتر إنتاجه في محاولته لخنق طرابلس. وانهارت قوات أمير الحرب بعدما سحبت روسيا دعمها له، فيما يرى البعض أنها صفقة مدعومة من الكرملين الذي عبّر عن خيبة أمل في حفتر الذي لم يستطع تحقيق النصر.
وتقول كولومبير: “من الواضح أن الوضع على الأرض قد تغير بعدما تم سحب المرتزقة الروس”. وأضافت: “غيّر هذا صورة النزاع بشكل كامل، وكشف عن عدم قدرة قوات حفتر على المقاومة بدون دعم الروسي”.
إلا أن الإستراتيجيين الروس، يؤكدون أن ليبيا لم تكن أبدا مهمة لموسكو، وأن حفتر هو حليف يمكن التخلي عنه. ويقول فيدور لوكيانوف، الخبير الدولي المقرب من نخبة صانعة القرار في روسيا: “من الواضح أن حفتر لن ينتصر عسكريا وربما خسر ما بيده الآن” و”لم تمثل ليبيا ما مثلته سوريا لروسيا، ولدى موسكو رهانات مختلفة، فهي من الناحية الرسمية غير متورطة”.
وأكد لوكيانوف أن الغرب يبالغ في دور روسيا بليبيا وأن مصر ودول الخليج هي من ستشكل نتيجة الحرب. و”النتيجة النهائية ستكون واضحة عندما يشعر الجميع ألا منطق في الحرب” و”لم نصل بعد إلى هذه النتيجة”.