لندن – “القدس العربي”:
قال الصحافي دونالد ماكنتير في صحيفة “إندبندنت” إن بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي تقرب من اليمين المتطرف وقاد حكومته باتجاه متهور. وقال إن عددا من المقيمين في البؤرة الاستيطانية الصغيرة، أفيغيل، الواقعة على منطقة صخرية جنوب الخليل، كان لديهم ما يحتفلون به في الأسبوع الماضي، فقد منحتها الحكومة الإسرائيلية صفة قانونية منذ عقدين، حيث برزت من تلة في عمق الضفة الغربية المحتلة.
وتعتبر كل المستوطنات التي تأكل الأرض التي يريدها الفلسطينيون لدولتهم، غير شرعية حسب القانون الدولي، ومن كل الدول الديمقراطية بما فيها بريطانيا. إلا أن أفيغيل واحدة من ثماني بؤر استيطانية تمت “المصادقة” عليها وكانت غير شرعية حسب القانون الإسرائيلي وشملها قرار هدم في عهد أرييل شارون. وجاء القرار لبناء مساكن لأكثر من 10.000 مستوطن وأكثر من 475.000 مستوطن في الضفة الغربية بعد عملية القتل في القدس الشرقية لعشرة إسرائيليين.
وعبر وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا عن “معارضة قوية” للقرار من طرف واحد والذي سيعمل على “مفاقمة التوترات بين الإسرائيليين والفلسطينيين”، ولا أحد يجادل في ذلك، في بلدة المفقرة، القرية الفلسطينية الواقعة بين أفيغيل وبؤرة ماعون والواضحة بشكل كبير من المفقرة. وكان الكاتب هناك قبل ستة أشهر لكتابة تقرير حول حوادث عنف من المستوطنين في البؤرتين، خلفت وراءها بيوتا مهدمة وسيارات خربت وألواحا للطاقة الشمسية وخزانات مياه، وستة جرحى فلسطينيين، بمن فيهم طفل عمره 3 أعوام. ويذكر الحادث الفلسطينيين بما يعنيه العيش وسط هذه البؤر، مع أنه لا توجد علاقة للسكان المحليين بحادثة القدس من قريب أو بعيد.
ولا يمكن إثبات هذا على أي حال، فيبدو أن مسارعة بنيامين نتنياهو وأمره بتوسيع تلك المستوطنات بشكل مفاجئ، وفي مرحلة مبكرة من حكومته المتطرفة، لم يكن لولا وجود وزير الأمن إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريش. فكلا الرجلين من المستوطنين القوميين المتطرفين الدينيين وبسجل حافل في المواقف المعادية للعرب وكرسا نفسيهما لإسرائيل الكبرى وضم الضفة الغربية. وبرز بن غفير على الساحة عام 1995 وبأسابيع قبل مقتل اسحق رابين على يد المتطرف يغال أمير، حيث كان يلوح بشارة سيارة رابين الكاديلاك قائلا “وصلنا لسيارته وسنصل إليه”.
ودعا سموتريش لشرعنة 77 بؤرة استيطانية ومنع الأحزاب السياسية العربية داخل إسرائيل. وأشار الكاتب لطريقة وصول اليمين الديني المتطرف إلى السلطة عبر تشجيع نتنياهو لبن غفير الذي قاد القوة اليهودية وسموتريش الذي يقود حزب الصهيونية الدينية للمشاركة معه في تحالف يضمن عبورهما عتبة الترشيح المطلوبة للدخول في الكنيست. كان هذا عام 2021 وأثمرت جهود نتنياهو العام الماضي عندما فازت كتلته بالانتخابات البرلمانية. ولكن نتنياهو دفع الثمن الباهظ للتحالف مع الرجلين، ومن المثير تولي بن غفير وزارة الأمن، رغم إعفائه من الخدمة بالجيش بسبب سجله العنصري وعضويته في حركة كاخ التي أسسها الحاخام مائير كاهانا الإرهابية. وكافأ نتنياهو سموتريتش بمنصب في الجيش وجعله مسؤولا عن القسم الذي يتحكم بالشؤون المدنية في الضفة العربية ومشروع الاستيطان. وبالنسبة لتوسيع الاستيطان فهو مثل ما حصل في الحكومات السابقة وإن كان أكثر نارية في وقت ارتفع فيه مستوى العنف لأعلى المعدلات منذ نهاية الانتفاضة الثانية في 2005.
وقتل في 2022 أكثر من 150 فلسطينيا و30 إسرائيليا وأصبح المسلحون الفلسطينيون ناشطين في شمال الضفة الغربية. ورغم تعهد إسرائيل للولايات المتحدة بالحد من التوغلات في الضفة الغربية، إلا أن الجيش شن يوم الأربعاء هجوما على مدينة نابلس قتل فيه 10 فلسطينيين منهم أربعة مدنيين إلى جانب أعداد من المصابين. وفي وقت التقى فيه المسؤولون الإسرائيليون والفلسطينيون قام مسلح فلسطيني بقتل مستوطنين، تبعه هجوم غوغائي على بلدة حوارة قرب نابلس.
ويقول ماكنتير إن الشيء الجديد هو أن الوسط في إسرائيل في ثورة ضد حكومة نتنياهو الثالثة بطريقة لم تسجل في الحكومتين السابقتين. لم يكن حاضرا الموضوع الفلسطيني الذي دفع بالتيار السياسي الرئيسي للأمام، وقالت وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني، كما فعلت قبل تسعة أيام في واحدة من التظاهرات التي خرجت لشوارع تل أبيب والقدس “هذا الجنون له اسم، ولم يعد إشارات ولكنه شيء- الفاشية”.
وهناك عدة وجوه لبرنامج نتنياهو الذي جلب عددا من الساسة والقادة السياسيين والعسكريين والأمنيين إلى التظاهرات الحاشدة التي ستقود لتحول البلاد إلى دولة دينية مستبدة. وخاف هؤلاء من الإجراءات التي يقول النقاد إنها ستضعف وتحيد المحكمة العليا. وهي إجراءات تعارضها غالبية الإسرائيليين حسب الاستطلاعات. وتعطي رزمة الإصلاحات التي كتبها وزير عدل نتنياهو ياريف ليفين، غالبية برلمانية بفارق واحد لإلغاء قرار للمحكمة العليا. وتعطي الحكومة سيطرة كاملة على اختيار القضاة وتمنعهم من إلغاء أي قرار دستوري يتعلق بالحقوق الأساسية مرره البرلمان. والمحكمة العليا ليست ساحة لليسار كما يصورها المعارضون لها، فقد أقرت قانون الدولة القومية الذي حول الفلسطينيين إلى مواطنين من الدرجة الثانية، وأنزل من درجة اللغة العربية كلغة رسمية واشترط أن حق تقرير المصير هو لليهود فقط.
وفي العام الماضي مررت قرارا بتهجير 1.000 فلسطيني من جنوب الضفة من أجل إنشاء مكان تدريب للجيش الإسرائيلي. لكن ما يجعل إضعافها بمثابة قنبلة يدوية ألقيت في قلب النظام السياسي هو أن المحكمة هي الضابط الوحيد للسلطة التنفيذية للبرلمان المكون من غرفة واحدة والغالبية البرلمانية التي تسيطر عليها. وعرض رئيسها المعروف السابق القاضي أهارون باراك، 86 عاما، الوقوف أمام فرقة إطلاق نار لو عنى هذا وقف التهديد الوجودي على الديمقراطية الإسرائيلية.
وقال رئيس هيئة الأركان السابق دان حالوتسا إن الشبان الإسرائيليين قد يرفضون التجنيد في الجيش ويقولون “التهرب من الجندية في ديمقراطية غير التهرب من الجندية في ديكتاتورية”. وقال أفيشاي ماندلبلت، الذي عينه نتنياهو نائبا عاما، إن تعيين ليفين جاء رغم رفض تعيينه السابق ومعرفة آرائه، مرتبطا بمشاكل نتنياهو القانونية، واتهامات الفساد ضده.
ويرى الكاتب أن الحكومة تواجه مهمة صعبة خلافا لتوقعاتها، فبعيدا عن الإصلاحات القضائية، فقد سبب تطرف بن غفير وسموتريش الجنوني خلافا مع قادة الجيش، وهناك معركة على السلطة بين الأول ووزير الدفاع يواف غالانت حول من يدير الضفة. ورفض مفوض الشرطة كوبي شابتاي، مطالب بن غفير استخدام خراطيم المياه والاعتقالات ضد المتظاهرين الإسرائيليين إلى جانب زيادة العمليات ضد الفلسطينيين في القدس الشرقية، أو عقوبات جماعية، أكثر مما هو مخطط له سيزيد من التهاب الوضع قبل بدء شهر رمضان. وتظهر هذه التوترات صعوبة فصل الخلافات المحلية عن الوضع في الضفة الغربية.
ولكن مشاركة الفلسطينيين في إسرائيل بالتظاهرات قليلة جدا. وتجنب المنظمون دعوة متحدثين فلسطينيين حتى لا ينفروا اليمين المتطرف وحتى المستوطنين الذين انضموا إلى التظاهرات. ويعتقد معظم الفلسطينيين أن الخلافات بين الحكومة والإسرائيليين هي موضوع إسرائيلي رغم معاناتهم المباشرة من السياسات. وأكثر من هذا فقد علمتهم التجربة بأن سقوط حكومة نتنياهو لو حدث لن ينهي القمع والاضطهاد الذي يعانون منه تحت الاحتلال.
ويعتمد الكثيرون على الولايات المتحدة التي تقدم مساعدة سنوية بـ 3.8 مليار دولار، كورقة نفوذ قوية من النادر ما استخدمتها ضد إسرائيل. ونظرا لانشغالها في أوكرانيا، فقد ترددت إدارة بايدن بالتركيز على الشرق الأوسط. ويظل السؤال مفتوحا حول استخدام إدارة بايدن الكوابح لمنع مضي نتنياهو في طريقه المتهور. وهناك أحاديث حول شركات تكنولوجيا تفكر بالرحيل أو على الأقل الاستثمار الداخلي المهدد بالتلاشي. وفي الوقت الحالي وضع نتنياهو نفسه بين المتظاهرين وبقية المؤسسة السياسية من جهة والمتطرفين الذين أسهم في خروجهم ويهددون بالخروج عن سيطرته.